استشعار الأمانة والمسؤولية تجاه الدين (1)
كتبه/ محمد صادق
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
- الدعوة تكليف لا ترف، وهمٌّ لا يغادر القلب الحي.
- حين يشعر القلب أنه مُحَمَّل بأمانة، لا متمتّع بامتياز.
- ليست كل عين ترى، وليست كل نفس تبصر ما حولها، لكن هناك قلوبًا إذا رأت منكراً تألّمت، وإذا لمست غفلة اهتزّت، وإذا شعرت أن الناس يبتعدون عن الله، شعرت أن عليها أن تفعل شيئًا، أي شيء.
- هذا هو الشعور بالمسؤولية: إحساس الداعية بأن دين الله أمانة في عنقه، وأن الغفلة العامة لا تعفيه، وأن تقصير الناس لا يبرر سكوته. فالبلاغ عن الله ليس تفضُّلًا، بل واجبٌ وقَسَمٌ وعهد. ليس كل من تكلّم داعية، لكن من شعر بأن عليه واجبًا، ولو بكلمة، ولو بخطوة، فقد اقترب من معنى الدعوة. ومن لا يشعر أن عليه دورًا، لن يُبادر، ولن يصبر، ولن يُخلِص. إن الدعوة تكليف لا تزيين، وأمانة لا ترف، ومسؤولية لا خيار فيها لمن فهم مقامه عند الله.
- تكليفٌ لا ترف، وهمٌّ لا يُغادر القلب: في زمن كثُر فيه الاعتذار عن الدعوة، وتلبّدت فيه سماء الأمة بغيوم الجهل والفتن، يُصبح الشعور بالمسؤولية تجاه هذا الدين هو الفارق بين القلوب الحية والقلوب الغافلة، فالدعوة إلى الله ليست منّة من الداعية على الناس، بل أمانة عظيمة من الله في عنقه، وليست خياراً ترفيهياً نفعله إذا نشطنا، بل رسالة تُلازم القلب المؤمن حتى يلقى الله.
قال الله -تعالى-: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ) (آل عمران: 187)، فالميثاق الرباني لا يُترك، والمُكلّف بالبلاغ لا يجوز له أن يصمت، وهذا الخطاب -وإن كان لأهل الكتاب- فهو في المعنى أشد على هذه الأمة التي حَمَلَت أمانةَ الخيرية والبيان.
- الدعوة ليست وظيفة، بل شُغل قلب: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا) (رواه مسلم)، فدعوتك ليست لحظة وتنتهي، بل نورٌ يُشعل قلوبًا، وسيلٌ من الأجور لا ينقطع ما دامت آثارك باقية.
- الشعور بالمسؤولية مقياس حياة القلب: مَن رأى الناس تُضلّلهم الشهوات، وتغزوهم الشبهات، وتُبعدهم الدنيا عن الله، ثم لم يتحرك فيه ساكن، فليُراجع إيمانه. أما القلب الحي، فلا يهدأ له بال وهو يرى الغفلة تنتشر، والنور ينطفئ، فيقول لنفسه: إن لم أتكلم فمن؟ إن لم أبدأ فمتى؟ إن لم أُبلّغ فماذا سأقول بين يدي الله؟ إن الله إذا أراد بعبد خيرًا، جعل له شغلًا في الدعوة إليه. لا يتركه يعيش لنفسه، بل يُسخّره لإيقاظ القلوب، وبناء الأمة.
وللحديث بقية -إن شاء الله-.