كتبه/ أحمد مسعود الفقي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "الصحابة وجمهور السلف على أن الإيمان يزيد وينقص، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية"، والناس يتفاضلون فيه؛ فمنهم: مَن استكمل الإيمان بفعل الطاعات وعمل الصالحات محسنًا مخلصًا لله -تعالى-، ومنهم من ينقص إيمانه بسبب ارتكاب المعاصي، والتركيز على الشهوات، والرغبات الدنيوية، وترك الطاعات، وترك العبادات الواجبة أو المستحبة.
ولكي يكون الإيمان كاملًا غير منقوص، لا بد وأن يستلزم أمورًا:
أولها: أن يكون الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم- أحب للعبد مما سواهما من والد وولد والناس أجمعين حتى من نفسه؛ ففي الحديث: (ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِواهُما، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ) (متفق عليه).
فمحبة الله -عز وجل- هي حياة القلوب، وغذاء الأرواح، وليس للقلب لذة ولا فلاح ولا حياة إلا بها، وإذا فقدها القلب كان ألمه أعظم من ألم العين إذا فقدت نورها، والأذن إذا فقدت سمعها، بل فساد القلب إذا خلا من محبة فاطره وبارئه وإلهه الحق أعظم من فساد البدن إذا خلا من الروح.
وقال -عليه الصلاة والسلام-: (لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) (رواه مسلم). ولما قال عمر -رضي الله عنه-: يا رسول الله، لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي، قال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لَا، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكَ}. فقال له عمر: فإنه الآن والله لأنت أحب إلي من نفسي، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (الْآنَ يَا عُمَرُ) (رواه البخاري).
ومن هذين الحديثين الشريفين يتبين لنا: أن الإيمان لا يتم إلا بذلك، ولا يكمل الكمال الواجب للإيمان إلا بتقديم محبة الله على محبة من سواه، ومحبة ما يحبه الله ومن يحبه الله، وتحقيق الاعتقاد بانفراده بصفات الكمال المطلق من كلّ الوجوه، وبكلّ أوصاف العظمة والجلال والجمال، وأنّه لا يشاركه فيها أحد بوجهٍ من الوجوه، وكذا لا يتم الإيمان إلا بإعلاء قدر النبي -صلى الله عليه وسلم- ومنزلته على كل والد وولد ومحسن ومفضل، ومَن لم يعتقد هذا واعتقد سواه فليس بمؤمن؛ هذا كلام القاضي عياض -رحمه الله-. والله أعلم.
ثانيها: أن يكون حبه في الله وبغضه في الله، وعطاؤه لله ومنعه لله، وأن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، ففي الحديث: (مَنْ أَحَبَّ لِلَّهِ وَأَبْغَضَ لِلَّهِ، وَأَعْطَى لِلَّهِ وَمَنَعَ لِلَّهِ، فَقَدِ اسْتَكْمَلَ الْإِيمَانَ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني). والحب والبغض عمل القلب، والعطاء والمنع عمل البدن، فإذا كانت محبته لمن يحبه الله، وبغضه لمن يبغضه الله؛ وعطاؤه ومنعه لله؛ دلَّ ذلك على صحة وكمال إيمانه ظاهرًا وباطنًا.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "من أحبَّ إنسانًا لكونهِ يعطيهِ فما أحب إلاَّ العطاء، وكذلك من أحبَّ إنسانًا لكونه ينصرهُ إنما أحب النصر لا الناصر، وهذا كله من اتباع ما تهوى الأنفس، فإنَّه لم يحب في الحقيقة إلاَّ ما يصلُ إليه من جلب منفعةٍ أو دفع مضرةٍ، فهو إنما أحبَّ تلك المنفعة ودفع المضرة، وليس هذا حبًّا لله" (مجموع الفتاوى).
رزقنا الله وإياكم الإخلاص في القول والعمل.