الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ ياسر برهامي
السبت 14 مارس 2026 - 25 رمضان 1447هـ

تجديد الإيمان بآيات الصيام (2)

كتبه/ أحمد حرفوش 

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

بيَّن الله -تعالى- في أحكام الصيام بعد أن ذكر آية القرب والدعاء، فقال: (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ) أي: أبيح لكم أيها الصائمون غشيان النساء في ليالي الصوم؛ وقد عبَّر المولى -جل وعلا- عن المباشرة الجنسية التي تكون بين الزوجين بتعبيرٍ سامٍ لطيف؛ لتعليمنا الأدب في الأمور التي تتعلق بالجنس والنساء؛ ولهذا قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: "إن الله -عز وجل- كريم حليم يكني".

(هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ) قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: "هنّ سكنٌ لكم وأنتم سكنٌ لهن؛ والمراد: قرب بعضهم من بعض، واشتمال بعضهم على بعض كما تشتمل الملابس على الأجسام".

(عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ) أي: تخونونها بمقارفة الجماع ليلة الصيام، وكان هذا محرمًا في صدر الإِسلام ثم نسخ.

روى البخاريُّ عن البراء -رضي الله عنه- قال: "لَمَّا نَزَلَ صَوْمُ رَمَضَانَ كَانُوا لَا يَقْرَبُونَ النِّسَاءَ رَمَضَانَ كُلَّهُ، وَكَانَ رِجَالٌ يَخُونُونَ أَنْفُسَهُمْ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: (عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ)" (رواه البخاري).

وروى السيوطيُّ بإسناد حسن عن كعب بن مالك -رضي الله عنه-: كَانَ النَّاسُ فِي رَمَضَانَ إِذَا صَامَ الرَّجُلُ فَنَامَ حَرُمَ عَلَيْهِ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ وَالنِّسَاءُ حَتَّى يُفْطِرَ مِنَ الْغَدِ، فَرَجَعَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مِنْ عِنْدِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- ذَاتَ لَيْلَةٍ وَقَدْ سَمُرَ عِنْدَهُ فَوَجَدَ امْرَأَتَهُ قَدْ نَامَتْ فَأَيْقَظَهَا وَأَرَادَهَا فَقَالَتْ إِنِّي قَدْ نِمْتُ فَقَالَ مَا نِمْتِ ثُمَّ وَقَعَ بِهَا وَصَنَعَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ مِثْلَ ذَلِكَ فَغَدَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِلَى النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- فَأَخْبَرَهُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: (عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ) (أخرجه أحمد، وحسنه الأرناؤوط).

قال ابن كثير -رحمه الله-: "يعني تجامعون النساء وتأكلون وتشربون بعد العشاء". (فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ) (البقرة: 187)، أي: فقبل توبتكم وعفا عنكم لما فعلتموه قبل النسخ. (فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ) (البقرة: 187)، أي: جامعوهن في ليالي الصوم واطلبوا بنكاحهن الولد، ولا تباشروهن لقضاء الشهوة فقط.

(وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ) (البقرة: 187)، أي: كلوا واشربوا إِلى طلوع الفجر. (ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ) (البقرة: 187)، أي: أمسكوا عن الطعام والشراب والنكاح إِلى غروب الشمس.

(وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ) (البقرة: 187)، أي: لا تقربوهن ليلاً أو نهارًا ما دمتم معتكفين في المساجد. (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا) (البقرة: 187)، أي: تلك أوامر الله وزواجره وأحكامه التي شرعها لكم فلا تخالفوها. (كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) (البقرة: 187)، أي: يتقون ما حرَّمه الله عليهم، فبدأت آيات الصيام بالتقوى وانتهت بالتقوى لبيان منزلتها عند الله، وصدق الله إذ يقول: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) (الحجرات: 13).