الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ ياسر برهامي
الإثنين 09 مارس 2026 - 20 رمضان 1447هـ

تجديد الإيمان بآيات الصيام (1)

كتبه/ أحمد حرفوش 

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فقد نادى اللهُ عبادَه المؤمنين بهذا النداء العلوي الجليل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) (البقرة: 183)؛ ليُحرِّكَ فيهم مشاعرَ الطاعة ويُذْكي فيهم جَذْوة الإِيمان، (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ) أي: فرض عليكم صيام شهر رمضان (كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ) أي: كما فرض على الأمم قبلكم فلستم وحدكم من فرض عليه الصوم.

وقد فُرض الصيام على ثلاث مراحل:

الأولى: فرض صيام عاشوراء.

الثانية: فرض صيام رمضان على التخيير بين أن يصوم أو أن يفطر ويُطعم عن كل يوم مسكينًا؛ سواء كان مُستطيعًا أم غير مُستطيع.  

الثالثة: فرض صيام رمضان بدون تخيير إلا على من لا يستطيعه إطلاقًا فإنه يُطعم. والحِكمة في هذا التدرج أن الصوم فيه نوع مشقة على النُّفوس فأخذت به شيئًا فشيئًا.

(لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) أي: لتكونوا من المتقين لله، المجتنبين لمحارمه. (أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ) أي: والصيام أيامه معدودات وهي أيام قلائل، فلم يفرض عليكم الدهر كله تخفيفًا ورحمةً بكم. (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) أي: من كان به مرضٌ أو كان مسافرًا فأفطر فعليه قضاء عدة ما أفطر من أيام غيرها. (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ) أي: وعلى الذين يستطيعون صيامه مع المشقة الشديدة لشيخوخةٍ أو ضعفٍ إِذا أفطروا عليهم فدية بقدر طعام مسكين لكل يوم. (فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا) أي: فمن زاد على القدر المذكور في الفدية (فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ).

ثم قال -تعالى-: (وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) أي: والصوم خير لكم من الفطر والفدية إِن كنتم تعلمون ما في الصوم من أجر وفضيلة.  

 (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ) أي: والأيام المعدودات التي فرضتها عليكم أيها المؤمنون هي شهر رمضان الذي ابتدأ فيه نزول القرآن حال كونه هداية للناس؛ لما فيه من إِرشاد وإِعجاز وآيات واضحات تفرِّق بين الحق والباطل. (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) أي: من حضر منكم الشهر فليصمه. (وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) أي: ومن كان مريضًا أو مسافرًا فأفطر فعليه صيام أيام أخر، وكرّر لئلا يتوهم نسخه بعموم لفظ شهود الشهر.

(يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) أي: يريد الله بهذا الترخيص التيسير عليكم لا التعسير. (وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ) أي: ولتكملوا عدة شهر رمضان بقضاء ما أفطرتم. (وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ) أي: ولتكبروا الله على ما أرشدكم إِليه من معالم الدين (وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) أي: ولكي تشكروا الله على فضله وإِحسانه.

ثم بيَّن -تعالى- أنه قريب يجيب دعوة الداعين ويقضي حوائج السائلين فقال: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ) أي: أنا معهم أسمع دعاءهم، وأرى تضرعهم وأعلم حالهم كقوله: (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ) (ق: 16).

قال ابن تيمية -رحمه الله-: "وهو سبحانه فوق العرش رقيب على خلقه مهيمن عليهم مطّلعٌ إليهم فدخل في ذلك الإِيمان بأنه قريب من خلقه". وقال -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ الَّذِي تَدْعُونَهُ أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُمْ مِنْ عُنُقِ رَاحِلَتِهِ) (متفق عليه).

وما ذكر في الكتاب والسنة من قربه ومعيته لا ينافي ما ذكر من علوّه وفوقيته، فإنه -سبحانه- ليس كمثله شيء. (أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ) أي: أجيب دعوة من دعاني إِذا كان عن إِيمان وخشوع قلب. (فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) أي: إِذا كنت أنا ربكم الغني عنكم أجيب دعاءكم فاستجيبوا أنتم لدعوتي بالإِيمان بي وطاعتي، ودوموا على الإِيمان لتكونوا من السعداء الراشدين.

وللحديث بقية -إن شاء الله-.