الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ ياسر برهامي
الأحد 01 مارس 2026 - 12 رمضان 1447هـ

موارد البؤس والتسخط! (2)

كتبه/ عبد الرحمن راضي العماري

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

ففي رمضان فرصة لنا لتحقيق كثير من الإصلاحات الفردية والجماعية، لكن ذلك يحتاج إلى عزيمة صادقة وهمة عالية وبصيرة نافذة، وتوكل تام على المَلِك ذي الجلال والإكرام.

وهذا الذي ينبغي أن نراعيه، فلا يكفي تحليل الواقع والتحسر على الأحوال، بل يكون مع النظرة الشاملة والوقوف على الأدواء بحثًا عن سبل الخلاص والنجاة واليقظة والتغيير، وهذا لا يحصل قطعًا إلا بالأخذ بالأسباب الشرعية وسلوك السبل السوية التي عرفنا عليها الوحي وعلمنا إياها الرسول -صلى الله عليه وسلم-، ومن ذلك تحقيق التوبة الجماعية العامة باجتماع أهل التوبة وكثرة سوادهم: (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (النور: 31).

ولقد حَثَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- على القناعة، وبيَّن أنها طريق إلى السعادة والفلاح، فقال: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَسْلَمَ وَرُزِقَ كَفَافًا وَقَنَّعَهُ اللَّهُ بِمَا آتَاهُ) (رواه مسلم).

وعن سلمة بن عبيد الله بن محصن الخطمي عن أبيه -وكانت له صحبة- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ مُعَافًى فِي جَسَدِهِ عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا) (رواه الترمذي وابن ماجه، وحسنه الألباني).

وكثير منا بلا شك عنده هذا القدر، بل وأزيد مما عده النبي -صلى الله عليه وسلم- حيازة للدنيا كلها، ولكن من يقنع فيشبع ويرضى ويطمئن!

قال أبو حاتم -رحمه الله-: "من أكثر مواهب الله لعباده وأعظمها خطرًا: القناعة. وليس شيء أروح للبدن من الرضا بالقضاء والثقة بالقسم، ولو لم يكن في القناعة خصلة تحمد إلا الراحة وعدم الدخول في مواضع السوء لطلب الفضل، لكان الواجب على العاقل ألا يفارق القناعة على حال من الأحوال" (روضة العقلاء).

ولو تأملنا كذلك ما جاء في كتاب الله وسنة رسوله عن الزهد في الدنيا لصحت نظرتنا للحياة وسكنت نفوسنا، كما قال -تعالى-: (أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ . حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ . كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ . ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ . كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ) (التكاثر: 1-5)، وقال -تعالى-: (وَمَا هَ?ذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) (العنكبوت: 64).

وتيقن الإنسان بأنه يعيش حياة عابرة، وأن الحياة الحقيقية الأبدية إنما تكون في الآخرة، وأنها هي التي ينبغي أن ننشغل بإعمارها، والتنافس عليها والسعي لتحصيل نعيمها والنجاة من جحيمها، لتبين له كيف أننا نحزن ونيأس ونعاني فيما لا يستحق أن يحزن عليه.

وهذا الخطاب -أعني الحرص على تحقيق القناعة والزهد والرضا- لا يتعارض مع مشروعية الكسب وتحصيل الغنى، ولا يعفي أحدًا من مسؤولية إن كان ممن تولى إدارة معايش الناس وأسواقهم وتجاراتهم ومكاسبهم، فكل منا مسؤول عما استرعاه الله ولا تعارض.

وإنما هو خطاب لتحقيق التوازن وتحصيل السكينة وتصحيح المسار، وتوطين النفس على معانٍ لا تستغني عنها؛ ليعيش الإنسان حياة مطمئنة طيبة، إن كان فيها غنيًّا مسرورًا شكر، وإن كان معدمًا فقيرًا وقد أخذ بما ينبغي من أسباب الرضا والصبر، والله يحب الصابرين، ويجزي الشاكرين.

والحمد لله رب العالمين.