الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ ياسر برهامي
الإثنين 23 فبراير 2026 - 6 رمضان 1447هـ

رمضان.. طريق القلوب إلى تقوى علام الغيوب

كتبه/ محمود عبد الحفيظ البرتاوي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فيأتي شهر رمضان المبارك كل عام ليجدد الإيمان في القلوب، ويوقظ النفوس من غفلتها، ويذكِّر الإنسان بحقيقة وجوده، وغايته الحقيقية في هذه الدنيا، وهي تحقيق عبادة الله وتقواه، قال الله -عز وجل-: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة:21).

فشهر رمضان لم يُشرع لمجرد الامتناع عن الطعام والشراب، وإنما شُرع ليكون طريقًا عمليًّا لتزكية القلوب، وتحقيق التقوى، والوصول إلى مرضاة علام الغيوب -تبارك وتعالى-؛ قال -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة:183).

ولتحصل للعبد سلامة القلب التي لا ينجو صاحبه إلا بها، قال -تعالى-: (يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ . إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) (الشعراء:88-89).

- يأتي رمضان ليصوم فيه المسلم -طاعة وعبودية لربه- عن الطعام والشراب والشهوة؛ لتنتبه القلوب والنفوس إلى أن هناك حاجات للإنسان أعظم من حاجات البدن للطعام والشراب، وأن حياة القلب لا تتحقق إلا بتقوى الله وعبادته؛ تلك الحياة التي قد تُنسي الإنسان -أحيانًا- حاجته إلى الطعام والشراب، وتُقلل من تعلّقه بالشهوات وإقباله المفرط عليها؛ فالقلب إذا امتلأ بالإيمان، واستنار بنور الطاعة، شعر بأن غذاءه الحقيقي ليس بما يدخل الجوف، ولا بنيل شهوات الفرج، وأهواء النفوس، بل بما يصلحه ويزكيه من: ذكر الله -تعالى-، والإنابة إليه، ومحبته وتعظيمه، واتباع رسوله -صلى الله عليه وسلم-.

ولم يقتصر هذا المنهج الرمضاني التربوي على ضبط شهوة البطن والفرج، بل شمل تهذيب كافة الجوارح الإنسانية من: القلب والعين والأذن واللسان، وسائر الأعضاء؛ قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ) (رواه البخاري)، وقال: (رُبَّ صَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ صِيَامِهِ إِلَّا الْجُوعُ، وَرُبَّ قَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ قِيَامِهِ إِلَّا السَّهَرُ) (رواه أحمد وابن ماجه، وقال الألباني: حسن صحيح).

وقال جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما-: "إذا صمت فليصم سمعك وبصرك، ودع أذى الجار، ولا تجعل يوم صومك ويوم فطرك سواء!".

فمَن لم يصن سمعه، وبصره، وآذى إخوانه المسلمين، ووقع في الكذب والغيبة والنميمة؛ لم يصم الصيام الذي شرعه الله لعباده، والذي جعله طريقًا إلى التقوى والتحلي بها.

فليس المقصود من صيام رمضان: أن يجوع الجسد ويصوم عن الشهوات المباحة، بينما يظل القلب على ما هو عليه من الأحقاد والشهوات المحرمة.  

- يأتي رمضان: رحمة من الله -عز وجل- بعباده، ليكون ميزانًا للعبد؛ فيضع الشهوات في موضعها الصحيح في مكانتها التي لأجلها خُلِقَت وغرزت فيه؛ فشرع الله الصيام عن الطعام والشراب، وعن الشهوة -ولو كانت مباحة-؛ ليتمرن الإنسان على ضبط نفسه، ويقوى على كبح جماح هواه، فإذا قدر على ترك الحلال طاعةً لله، كان أقدر على ترك الحرام في كل وقت.

- يأتي رمضان: ليقوي عزيمة المسلم، ويحرره من أعظم ما يبتلى به الإنسان من أسر الشهوات والتعلق بها -من طعام وشراب ونساء، وحب الاستكثار من الأموال، والجاه والمنزلة في قلوب الخلق، إلخ- التي تثقله وتضعف سيره إلى الله -تعالى- وإلى مصالح الدين والدنيا.

- يأتي رمضان ليستفيق المسلم من الغفلة والكسل والدعة والفتور، وما يجعله يركن إلى الدنيا ويخلد إلى الأرض ويتبع هواه.

- يأتي رمضان: ليعود المسلم على إتقان العبادة ومراقبة الله -تعالى- في كل أموره وأحواله وشئونه، فيصل إلى أعظم الغايات من وجود الإنسان في هذا العالم؛ ألا وهي: تقوى الله -عز وجل-.

وهكذا يتجلَّى في حسِّ المسلم رمضان طريقًا واضحًا لقلوب تريد الحياة الحقيقية، حياة الإيمان، وحياة القرب من الله.

فمَن أحسن استقبال هذا الشهر، ووعى مقاصده، وجعل صيامه صيام قلبٍ وروح وجوارح، خرج منه بقلب نقي، وإيمان راسخ، وتقوى ترافقه في سائر أيامه وأحواله، فيفوز بتقوى ورضوان علام الغيوب -تبارك وتعالى-، وسعادة الدنيا والآخرة.