الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ ياسر برهامي
الأحد 01 مارس 2026 - 12 رمضان 1447هـ

(لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)

كتبه/ محمد خلف

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فإن من أعظم منن الله على عباده نعمة إرسال الرسل، وعلى رأسهم سيد ولد آدم محمد -صلى الله عليه وسلم-؛ كما قال شيخ الإسلام -رحمه الله-: "ومن استقرأ أحوال العالم تبيَّن له أن الله لم ينعم على أهل الأرض نعمة أعظم من إنعامه بإرساله -صلى الله عليه وسلم-، وإن الذين ردوا رسالته هم من قال الله فيهم: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ) (إبراهيم: 28)".

وكما قال -تعالى-: (لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) (آل عمران: 164)، فالغاية من العبادة تحصيل تقوى الله وتزكيتهم، وتخليهم بالفضائل، وتزكيتهم من الرذائل والخبائث؛ كما قال: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة: 21).

لذلك تجد الأمر بالعبادات مقرونًا بالغاية منه، أو قل بأسباب الانتفاع بأدائه والتزكية الحاصلة منه، فعلى سبيل المثال: لما أمر سبحانه بالصلاة لم يأمر بمجرد أدائها وحسب، بل أمر بإقامتها، ولا شك أنه معنى زائد عن الأداء: (اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ) (العنكبوت: 45).

إن المحافظة على الصلاة تنهى صاحبها عن الوقوع في المعاصي والمنكرات؛ وذلك لأن المقيم لها، المتمم لأركانها وشروطها، يستنير قلبه، ويزداد إيمانه، وتقوى رغبته في الخير، وتقل أو تنعدم رغبته في الشر.

فخشوع القلب وخضوعه واستكانته بين يدي ربه -سبحانه-، واستحضار عظمة من يناجي، وفهم معاني وأذكار الصلاة بدءًا من تكبيرة الإحرام ودعاء الاستفتاح، وكذا الفاتحة وما فيها من البركات وعظيم الصلة بالله إلى الركوع والسجود وصولًا إلى التشهد والتسليم، ولا شك أن ذلك من أعظم أسباب تزكية النفس وتطهيرها وعلوها عن الأرض.

وكذا لما ذكر الله الحج قرنه بالأمر بالإحسان وتهذيب النفس وحفظ الجوارح واللسان؛ كما قال سبحانه: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ) (البقرة: 197)، وكذا في الذكر وقراءة القرآن أخبر -سبحانه- عن فائدة حضور القلب حال القراءة والذكر، فقال: (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ) (ص: 29).

فذكره وشرَّفه بأنه كلامه المنزل من عنده، وإن كان كذلك فلا يحصي أحد بركته ولا خيره ولا فضله مهما بلغ؛ ثم أمر بالتدبر وجمع القلب، والفكر عند تلاوته وتفهم معانيه، ومراد من أنزله واستخراج ما فيه من الحكم والفوائد.

وهذا التدبر يثمر عملًا وتزكية وتأثرًا، واستجابة لأصحاب العقول السليمة والقلوب الحية؛ فتزداد به حياة وفهمًا واستقامة.

وكذا في الصيام أخبر أن الغاية من تشريعه هو تحصيل تقواه؛ فقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة: 183).

وقد بيَّن النبي -صلى الله عليه وسلم- هذا المعنى في أكثر من حديث حول أهمية الصيام المرضي لله، وأنه لا يقتصر فقط على الامتناع عن الأكل والشرب والمفطرات الحسية، وأنه في الحقيقة وسيلة لكسر النفس وكبح شهواتها، ولتضييق مجاري الشيطان في الإنسان؛ فتقل وسوسته وتأثيره على الإنسان، فيكون كالتمهيد والمعين بإذن الله لتحصيل التقوى التي من أجلها شرع الله العبادات.

وقد أرشد النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى الغاية أو الوسيلة لتحصيل هذه الغاية، فقال -صلى الله عليه وسلم-: (إِذَا أَصْبَحَ أَحَدُكُمْ يَوْمًا صَائِمًا، فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَجْهَلْ، فَإِنِ امْرُؤٌ شَاتَمَهُ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ إِنِّي صَائِمٌ) (متفق عليه).

وقد أشار جابر -رضي الله عنه- إلى الصوم الصحيح الذي تحصل به التقوى، فقال: "إذَا صمتَ فليصُمْ سمعُك وبصرُك من المحارمِ، ولسانُك من الكذبِ، ودَعْ أذى الخادمِ، وليكنْ عليك وقارٌ وسكينةٌ، ولا تجعلْ يومَ صومِك ويومَ فطرِك سواءً".

فالخلل إنما يحصل، ويقل التأثير والتزكية بما شرع الحكيم العليم من قِبَل الإنسان نفسه؛ بسبب قلة استجابته واتباعه لأوامر الشرع الحنيف حال أدائه للعبادة، وإلا فلو أديناها كما أمرنا أرحم الراحمين لوجدنا فارقًا عظيمًا، وتغيرًا جسيمًا في قلوبنا وجوارحنا.

والله -تعالى- قريب مجيب، نسأله أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته.