كتبه/ عبد المنعم الشحات
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فيرفع الصوفية شعار التسامح في مقابل رميهم السلفيين بالتعصب لأقوالهم، وتكفير مخالفيهم، ويقدِّمون أمثلةً للتسامح تصل إلى حدِّ المداهنة في الدِّين مع الكافرين بدلاً من إعمال: (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ) (الكافرون: 6)، في معناها الذي نزلت فيه من البراءة من دينهم، وبيان أنه يخالف دين الإسلام كما هو ظاهر من سبب نزولها، ومن افتتاحها بقوله -تعالى-: (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) (الكافرون: 1)!
وبالطبع فإن القرآن كما أمرنا أن نعتقدَ صدق الإسلام وبطلان غيره كما قال -تعالى-: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (آل عمران: 85)، أمرنا أيضًا بالبرِّ والصلة معهم، فقال -تعالى-: (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (الممتحنة: 8).
ولكن القوم يتسامحون إلى حدِّ دفاع بعضهم عن الملل الأخرى مع كونهم يكذبون محمدًا -صلى الله عليه وسلم- جملة وتفصيلًا، أو -على الأقل- يكذبون فيما بلَّغه عن ربِّه أنه رسول للعالمين، كما قال -تعالى-: (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى? عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا) (الفرقان: 1)، فيقول أمثلُهم طريقة -إن وُجِد-: بل هو رسول للعرب خاصة!
وهذه الأقوال الباطلة لا يقول بها جميع الصوفية، ولكن يقولها بعض المتصدرين، ولا نكاد نجد إنكارًا عليهم، بل بعض المتصدرين يقولون في هذه المسألة -وفي غيرها- القول ونقيضه! وربما لو قمت ببحث على اليوتيوب عن حكم أهل الكتاب مثلًا، وكتبت اسم بعض المشاهير الذي يحاولون إيهام مَن يسمعهم بالحكم بإيمان هؤلاء؛ ستفاجأ بأنه قال في موطن آخر غير هذا الكلام!
إذًا فنحن أمام غلو فاحش في التسامح، بلغ أقصى درجات التهاون والمداهنة بالحكم بإيمان مَن يكذِّبون النبي -صلى الله عليه وسلم-.
ومع هذا، فنفس هؤلاء "المتسامحين" يضيقون ذرعًا بمن لا يشاركهم توزيع "الشربات والحلوى" في يوم 12 ربيع الأول من كل عام مُتَّهمًا إياهم بكراهية النبي -صلى الله عليه وسلم-، مع أن هؤلاء الممتنعين عن توزيع الشربات يوم 12 ربيع الأول، أو تخصيصه بأي عادة أو عبادة، يقولون: إن الثابت المشروع عندهم إحياء ذكرى المولد الأسبوعي لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- بصيام يوم الاثنين، وهو ما يقارب خمسين يومًا في العام وليس يومًا واحدًا، ولكن الصوفية يعرضون عن ذلك مصرين على أن الرافضين للاحتفال -على طريقتهم- لا يحبون النبي -صلى الله عليه وسلم-!
مع أن جزءًا كبيرًا من مجالس الصوفية عبارة عن إنشاد أشعار يصاحبها في الغالب موسيقى حتى أدخلوا الآلات الموسيقية في المساجد، بينما مجالس خصومهم تكون إما تدريسًا للقرآن، أو لسنة النبي -صلى الله عليه وسلم-.
ولست أريد هنا أن أعقد موازنة بين مظاهر تعظيم أهل السنة لها ومظاهر انحراف الصوفية عنها، وبالطبع فقد يكون الرجل الواحد مشتغلًا بعلوم نافعة من قرآن أو تفسير أو حديث أو فقه، وهو في ذات الوقت منخرط في نشاط صوفي، فيكون فيه خير وشر، ولكن يكاد يكون الخير الذي عنده غير مستفاد من طريق الصوفية أو مستفاد من سيرة العُبَّاد الأوائل الذين يردد الصوفية سيرتهم ثم يلبسونها الكثير من البدع التي ما أنزل الله بها من سلطان.
ولكن أريد هنا أن أناقش حيثية "التسامح الصوفي المُدَّعى!":
ولنضرب على ذلك مثالًا بكتاب: "الكواشف الجلية في الرد على الوهابية"، وهو كتاب حظي للأسف بتقريظ الكثير من الرموز، بينما مؤلفه ينقل عن خصوم محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله- رميهم إياه بتكفير المسلمين، ثم يقرِّر أنه قرأ له كلامًا يتبرأ فيه من تكفير عوام المسلمين، ومع هذا فهو يرى إثبات التهمة بكلام خصومه الذي نفاه عن نفسه!
ولنترك شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله- (والذي ربما تضرر من كلام خصومه عنه ثم من بعض فتاوى غير منضبطة قالها بعده علماء دعوته فنُسِبَت إليه)، ولنأتِ إلى الشيخ ابن باز -رحمه الله تعالى-، وهو رجل شغل موقع مفتي المملكة العربية السعودية وقتًا طويلًا شارك فيها في اجتماعات كثيرة للمحافل والمجامع التي تضم ممثلين عن العالم الإسلامي كله، وجلس مع الصوفي والأشعري، ولم ينقل أحدٌ عنه إلا حُسْن الخلق وطيب المعشر والبشاشة عند اللقاء والحرص على التعاون الإسلامي، وهذا كله لم يمنعه أن يدوِّن في كتبه ما يدين لله به من عقيدة أهل السنة والجماعة في الأسماء والصفات في الألوهية وفي محاربة الغلو في الصالحين.
إذًا فهو رجل متسامح التسامح المنضبط؛ متسامح في التعامل، ناصح في المنهج، ومع هذا فوجئنا بحملة على الإنترنت تنال من الرجل وتكاد تحكم بخروجه من الملة -إن لم تكن فعلت-، فحينما تصف أحدًا بأنه اعترض على كلام النبي -صلى الله عليه وسلم- وتعلل هذا بغلظته وجفاوته مما يؤكد إثباتك للتهمة، وأنها متعمدة وتساويه بمن قال: "اعدل يا محمد"؛ فلم يبقَ إذًا بينك وبين تكفيره بعد هذا الوصف شيء!
فتعالَ معي لننظر بما كفَّر هؤلاء أو كادوا الشيخ ابن باز -رحمه الله-:
وَقَف بعضهم على كلام للشيخ ابن باز في توجيه قوله -صلى الله عليه وسلم- في حديث خباب بن الأرت -رضي الله عنه-: (وَاللَّهِ لَيَتِمَّنَّ هَذَا الْأَمْرُ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ لَا يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ) (رواه البخاري)، وقد استشكل الشيخ -رحمه الله- العطف بالواو هنا مع ورود النهي عنه في حديث: (لَا تَقُولُوا: مَا شَاءَ اللَّهُ وَشَاءَ فُلَانٌ، وَلَكِنْ قُولُوا: مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ شَاءَ فُلَانٌ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني).
وهذا في كتاب (الحلل الإبريزية من التعليقات البازية على صحيح البخاري، الجزء الرابع، ص 351) في التعليق على باب (من اختار القتل والضرب والهوان على الكفر)، وفيه حديث خباب -رضي الله عنه-، وهذا الكتاب لم يكتبه الشيخ -رحمه الله-، فقد كان -رحمه الله- فاقد البصر -كما هو معلوم-، ولا حتى أملاه على أنه كتاب، بل هي تعليقات قالها في أحد دروسه وسُجِّلت ثم فرَّغها أحد الطلبة وأخرجها في كتاب، وهاهنا سنجد أن جامع الكتاب قد ذكر تعليقين على الكتاب؛ أما الأول: فقد وضع رقم (1) على الحديث ليشير إلى وجود تعليق للشيخ عليه، وهو إنما يذكر التعليقات في الهامش، وكان نص هذا التعليق كالتالي: (1) هل تكون من باب ما شاء الله وشئت؟ يحتمل فيكون هذا قبل؛ لأنهم كانوا بمكة كما هنا، فكانوا يقولون: ما شاء الله وشاء فلان... ثم نُهوا عن هذا، فيكون بعد النهي، يكون منسوخًا.
ثم تعليق آخر مسبوق بنجمة هكذا:* ينبغي أن يقول: إلا الله ثم الذئب على غنمه.
إذًا فنحن أمام رمز خاص بجامع الكتاب، كان يجب أن يُسأل: لماذا ميز بعض التعليقات برقم وبعضها بنجمة، والعجيب أن جامع الكتاب قد نصَّ على الفرق بين التعليقات المرقمة والمسبوقة بنجمة في مقدمة كتابه، ولكن الراغب في الطعن لم يلتفت إلى بيانه، فقد قال جامع الكتاب في مقدمته: "كل ما في الحاشية من كلام شيخنا إلا ما صدرته بقولي: قلتُ، فمن كلامي. وما كان مصدرًا بنجمة فهو من كلامه أفردته بذلك؛ لأنه ليس على صلب المتن".
فيتضح من هذا: أن الجملة الثانية لم تكن متصلة بالأولى، ولا كانت تعليقًا على الحديث، ولكن واضح جدًّا من السياق أنها كانت إجابة سؤال، أو نحو عن هذا، عن ماذا لو أراد أحد أن يعبر عن معنى كهذا بعد استقرار التشريع على منع العطف بالواو كما رجح الشيخ، فكان الجواب: (ينبغي أن يقول إلا الله ثم الذئب على غنمه).
ولكن الطاعن لم يرَ في هذا إلا اعتراضًا صريحًا على النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: "ولا يعلم هذا إلا (استدراكًا) و(اعتراضًا) على قوله -صلى الله عليه وسلم-، كما اعترض من قبل (ذو الخويصرة) على قسمته -صلى الله عليه وسلم-، وقول هذا من قول ذاك. ونسل هذا من ضئضئ ذاك!".
وطارت حسابات منتسبين إلى التصوف والأشعرية بهذا الكلام فَرَحًا به؛ حتى إن رمزًا منهم، أو قريبًا منهم -ولعله يحمل للشيخ ابن باز بعض الجميل- وهو: الدكتور "حاتم العوني" كتب منشورًا يدافع فيه عن الشيخ ابن باز، وأنه لا يُتصور أن يكون قد قصد بكلامه الاعتراض على النبي -صلى الله عليه وسلم-، فامتلأت صفحته اعتراضًا عليه، ومجادلة لإثبات تلك التهمة الشنيعة على ابن باز -رحمه الله تعالى-.
ولتوضيح كلام ابن باز -رحمه الله- نقول: إن ما فعله ابن باز هو صنيع كل أهل العلم بصفة عامة، فهم مجمعون على أن نصوص الكتاب والسنة لا يمكن أن تتعارض تعارضًا حقيقيًّا، وإذا تصورنا تعارضًا بين نصين، فهم يسلكون مسالك في الجمع أو الترجيح مقرَّرة في علم الأصول.
وقد وجد الشيخ ابن باز -رحمه الله تعالى- أن هناك حديثًا ينهى عن العطف على الله بالواو، وهذا آخر يستعمل هذا العطف، والذي يستعمله معلوم مِن سبب وروده أنه في مكة، وسد الذرائع التي تؤدي إلى الشرك شُرِعت شيئًا فشيئًا، فقد كان في شرع من قبلنا يوجد سجود تحية ونسخ في شريعتنا، وقد كان -صلى الله عليه وسلم- يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم ينهَ عنه تأليفًا لقلوبهم ثم انتهى الأمر به إلى الحرص على مخالفتهم، وقال: (مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ) (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني)، وبالغ في تطبيق هذا في فروع كثيرة حتى عَلَّق خيرية الدِّين عليها، فقال (لَا يَزَالُ الدِّينُ ظاهِرًا مَا عَجَّلَ النَّاسُ الْفِطْرَ لِأَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى يُؤَخِّرُونَ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني)، وعلم هذا المسلمون، بل واليهود أيضًا حتى قالوا: "ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئًا إلا خالفنا فيه".
وبصفة عامة فإن أحد مسالك الترجيح عند العلماء قولهم "الحاظر مقدَّم على المبيح" فيحملون النص المبيح على أنه كان في أول الأمر ثم جاء الحاظر، ومِن ثَمَّ يكون استقرار التشريع عندهم على الحاظر، وهذا توجيه حسن وفيه تعظيم للشريعة (وإن كنا لا نوافق العلامة ابن باز عليه -كما سنبيِّن-).
وإنما يُقَال على فلانٍ: إنه معترض على الشريعة، لو عارضها بغيرها، وأما التوفيق بين نصوصها لما يبدو للوهلة الأولى من ثمة تعارض بينها؛ فهو الواجب الذي يقوم به عامة أهل العلم.
ومن أمثلته القريبة من المثال الذي معنا: أنه ورد عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قوله: (أَفْلَحَ وَأَبِيهِ إِنْ صَدَقَ) (رواه مسلم)، وهذا يبدو للوهلة الأولى معارضًا لقوله -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ أَشْرَكَ) (متفق عليه)، وقد جمع بينهما كثيرٌ من أهل العلم بأن قوله: (أَفْلَحَ وَأَبِيهِ إِنْ صَدَقَ) صيغته الحلف، والمراد به التنبيه؛ مثل ما ورد من قوله -عليه السلام-: (ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ) فإن صيغتها دعاء، وتستعملها العرب للتنبيه.
بينما كان للحافظ ابن عبد البر -رحمه الله- توجُّه آخر؛ وهو: تضعيف هذه اللفظة، فقال في التمهيد (14-367): "وَالْحَلِفُ بِالْمَخْلُوقَاتِ كُلِّهَا فِي حُكْمِ الْحَلِفِ بِالْآبَاءِ لَا يَجُوزُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنِ احتج محتج بحديث يروى عن إسماعيل بْنَ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِي سُهَيْلٍ نَافِعِ بْنِ مَالِكِ بْنِ ابن أَبِي عَامِرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ فِي قِصَّةِ الْأَعْرَابِيِّ النَّجْدِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: (أَفْلَحَ وَأَبِيهِ إِنْ صَدَقَ). قِيلَ لَهُ: هَذِهِ لَفْظَةٌ غَيْرُ مَحْفُوظَةٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ حَدِيثِ مَنْ يُحْتَجُّ بِهِ. وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ عَنْ أَبِي سُهَيْلٍ ولَمْ يَقُولُوا ذلك فيه. وقد روي عن إسماعيل بْنَ جَعْفَرٍ هَذَا الْحَدِيثُ وَفِيهِ: (أَفْلَحَ وَاللَّهِ إِنْ صَدَقَ)، أَوْ (دَخَلَ الْجَنَّةَ وَاللَّهِ إِنْ صَدَقَ)، وَهَذَا أَوْلَى مِنْ رِوَايَةِ مَنْ رَوَى (وَأَبِيهِ)؛ لِأَنَّهَا لَفْظَةٌ مُنْكِرَةٌ تَرُدُّهَا الْآثَارُ الصِّحَاحُ. وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
على أننا أيضًا لا نوافق الحافظ ابن عبد البر -رحمه الله- فيما ذهب إليه، ونقول بالجمع الأول؛ لكون هذه العبارة وردت أيضًا في أحاديث أخرى لا مجال للطعن عليها من جهة السند.
والحاصل: إثبات أن الشيخ ابن باز سَلَك مسلك العلماء قبله ولم يعترض على الشريعة، وإنما مَحَّص ما يجب أن يُنسَب إلى الشريعة وما ينفى؛ لكونه غير ثابت أو لكونه منسوخًا.
ثم إن ذلك قد جاء في سياق كلامه (دون أن يكون تعليقًا على الحديث، كما هو مصطلح جامع الكتاب وَفْق الرمز الذي اختاره لتمييز هذه الأقوال بوضع نجمة قبلها) وهو كلام لا بد وأنه جاء كإجابة عن سؤال: ماذا لو أراد أحد أن يقول هذا الكلام الآن؟ أو ماذا لو كان النبي -صلى الله عليه وسلم- قد ذكر هذا الكلام في آخر البعثة؟ (وهذا ما رجحه الدكتور حاتم العوني في منشوره).
ومن المفيد هنا: أن نثبت أن للشيخ كلامًا آخر في المسألة وَرَد في كتاب "التعليقات البازية على كتاب التوحيد"، وهو مفرغ من تعليقاته على كتاب التوحيد، قال فيه تعليقًا على حديث خباب: "المراد أنه من كمال الأمن في البلاد وذهاب الخوف عن الناس، وليس بداخل في مسألة التشريك".
وهذا يؤكد أن الشيخ مشغول بفهم الحديثين بطريقة لا يبقى معها أي تعارض بينهما كما هي طريقة أهل العلم عبر العصور، ولعل قوله بعدم وجود تعارض يكون هو الذي استقر عليه -ولله الحمد والمنة-.
ثم لا بد هنا من تساؤل لمن أظهر الغيرة على السُّنة من تلك الكلمة -بزعمه-؛ وهو: أين أنت من قول القائل: "انشلني من أوحال التوحيد"؟
وأين أنت من قول القائل: "مدد يا فلان"؟! والنبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: (وَإِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني).
وأين أنت من إقامة المساجد على القبور؟! وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ وَصَالِحِيهِمْ مَسَاجِدَ) (متفق عليه)، وكان لهذا الحديث سبب ورود، وهو ذكر أمهات المؤمنين للكنيسة التي رأينها في الحبشة وما فيها من تصاوير مما يمنع التفسيرات المتعسفة التي يحاول المتصوفة حمل الأحاديث المتواترة الناهية عن إقامة المساجد على القبور عليها من أنه نُهِي عن أن تضع رأسك على القبر في السجود، وأما بناء مكان العبادة عليه فيدَّعون أنه لا حرج فيه! مع أن سبب ورود الحديث كان بشأن كلام أمهات المؤمنين على كنائس أهل الكتاب.
لماذا لا تطبِّق في كل هذه المواطن الغيرة على النص النبوي، والغارة على مَن تأولها على خلاف ظاهرها، وعلى خلاف عمل الصحابة والتابعين وتابعيهم، والقرون الثلاثة الأولى التي لم يُعرف فيها مسجدٌ بُنِي على قبر حتى حسَّنت جماعة "إخوان الصفا" الباطنية للناس اتخاذ وسائط بينهم وبين الله في الدعاء واتخاذ القبور مساجد؟!
عود إلى حديث خباب:
لم يكن الشيخ ابن باز وحده هو الذي تناول هذا الحديث بما يزيل الإشكال؛ فقد حكى ابن حجر -رحمه الله- أن هناك من ذهب إلى أن لفظة: (وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ) مدرجة؛ لأن البخاري ساق الحديث بسنده ووقف فيه على (لَا يَخْشَى إِلَّا اللهَ) ثم قال: "قال بَيَان: (وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ)."
وكان سند البخاري هكذا: (حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا بَيَانٌ، وَإِسْمَاعِيلُ، قَالاَ: سَمِعْنَا قَيْسًا، يَقُولُ: سَمِعْتُ خَبَّابًا...). إذًا فقد حدَّث بَيَان وإسماعيل عن قيس، أما إسماعيل فاكتفى بـ(لَا يَخْشَى إِلَّا اللهَ)، وأما بيان فزاد: (وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ)؛ فهذه قد تكون مدرجة من كلام بيان، وقد تكون مرفوعة على أنها من زيادة الثقة؛ إلا أن الحافظ ابن حجر أشار إلى أن صنيع البخاري يوحي بأن اللفظة مدرجة، فقال: "قَوْلُهُ: زَادَ بَيَانٌ: (وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ): هَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّ فِي الرِّوَايَةِ الْمَاضِيَةِ إِدْرَاجًا، فَإِنَّهُ أَخْرَجَهَا مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى الْقَطَّانِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ وَحْدَهُ وَقَالَ فِي آخِرِهَا: (مَا يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ)، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّباح، وخلاد بْنِ أَسْلَمَ، وَعَبْدَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحِيمِ، كُلِّهِمْ عَن بن عُيَيْنَةَ بِهِ مُدْرَجًا وَطَرِيقُ الْحُمَيْدِيِّ أَصَحُّ، وَقَدْ وَافقه ابن أَبِي عُمَرَ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ مُفَصَّلًا أَيْضًا".
ثم قال الحافظ: "تَنْبِيهٌ: قَوْلُهُ: (وَالذِّئْبَ) هُوَ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ لَا الْمُسْتَثْنَى، كَذَا جَزَمَ بِهِ الْكَرْمَانِيُّ". وهذا مذهب آخر في المسألة يرى أن تقدير تلك اللفظة: "ولا يخش الذئبَ على غنمه"؛ إلا أن الحافظ عاد فقال: "وَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلَى الْمُسْتَثْنَى، وَالتَّقْدِيرُ: وَلَا يَخَافُ إِلَّا الذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ؛ لِأَنَّ مَسَاقَ الْحَدِيثِ إِنَّمَا هُوَ لِلْأَمْنِ مِنْ عُدْوَانِ بَعْضِ النَّاسِ عَلَى بَعْضٍ كَمَا كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ؛ لَا لِلْأَمْنِ مِنْ عُدْوَانِ الذِّئْبِ، فَإِنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ عِنْدَ نُزُولِ عِيسَى".
والراجح أن اللفظة مرفوعة، وأن العطف فيها على المستثنى أي: "ويخاف الذئب على غنمه".
والذي أراه أنها هذا اللفظ بهذا السياق لا يشبه اللفظ المنهي عنه في قول: "ما شاء الله وشئت"، فهي تختلف عنها من ثلاث جهات؛ هي:
الأولى: أنها خبر ليس فيه مخاطب، فالمفسدة التي يمكن أن نحتاج أن نفر منها ليست راجحة ومِن ثَمَّ فلا حاجة لسدها.
الثاني: أن ذكر الخوف من الله جاء مطلقًا، والخوف من الذئب جاء مقيدًا بكونه خوفًا على الغنم، وهذا يكفي في التفريق، ومِن ثَمَّ يكفي في سد الذريعة.
الثالث: أن الذريعة في ذكر الخوف من الذئب -لا سيما بعد انضمام الوجهين السابقين- يختلف -بلا شك- عمَّن يخاطب من هو معظَّم عنده، فالذريعة فيها أيضًا غير راجحة، ومِن ثَمَّ لا يلزم سدها، فلسنا نوافق الشيخ ابن باز على وجود تعارض بين الحديثين، ولكن لا يمكن لعاقل أن يرمي الشيخ بما رماه به هؤلاء المتعصبون!
وقفة أخيرة:
نريد أن نراجع قصة "الشيخ الفرغل" مع "ابن حجر" -رحمه الله-؛ لنعرف عندما يسود الصوفية هل يظلون متسامحين -كما يزعمون!- أم يفعلون ما فعله الفرغل بابن حجر عندما أذله -بزعمهم!- لما سحب منه حفظ الفاتحة، ثم أذله ثانية لما أجبره أن يبيع ما يظنه حشيشًا مسكرًا أمام باب المسجد (من لا يعرف القصة يبحث عنها على اليوتيوب وهي تحكَى على لسان رمز كبير).
ثم نريد أن نراجع مواقف حكاها الشعراني -رحمه الله- في طبقاته؛ لنرى كيف كان يجبر الصوفية العمد والمشايخ (السلطة التنفيذية) على معاونتهم على الزنا واللوط وإتيان البهائم، وإلا مثلوا بهم وجعلوهم أضحوكة أو أصابوهم بالشلل، وغيره من الآفات!
ومن خلال هذه الحكايات سندرك أن الطرق الصوفية لما تمكَّنوا قهروا، أو حاولوا أن يقهروا العلماء؛ حتى لا ينهوا العامة عن بدعهم.
وكيف تعاملوا مع بعض الحكام ممن أدرك خطورة الموالد وما يتم فيها من جرائم، وحاول منعها أو حتى تنظيمها؛ فكتب الصوفية ذاتها هي من تحكي كيف تمردوا على الحكام وآذوهم أو حالوا إيذاءهم بكل أنواع الإيذاء، أو -على الأقل- أشاعوا قدرتهم على إيقاع هذا الأذى ليرتدع الجميع عن مواجهة باطلهم.
ومِن ثَمَّ فالتسامح الصوفي لا وجود له عند هذه الطرق، وإن وجد عند بعض مَن لم يتوغل في التصوف، واكتفى بالتهذيب السني وسمَّاه تصوفًا، أو أضاف إليه بعض الدخن، لكن دخن لا يقارن بكوارث الطرقيين.
فإن كان لهؤلاء المعتدلين وجود؛ فعليهم أن يسارعوا بكبح جماح هؤلاء الطرقيين قبل أن يستفحل أمرهم أكثر مما هو مستفحل، وهو ما ينذر بعودة الخرافة واستغراق العامة فيها، وهو أمر كلما حدث جاءت معه موجات احتلال غربي؛ كما حصل في الحروب الصليبية، وحصل في العصور الحديثة، ولم يوقفه إلا نهضة حاربت كلَّ هذه البدع حتى خفتت أصوات أصحاب الطرق، ولم تعد يعبر عن الصوفية إلا أصوات تحاول جاهدة أن تثبت أنهم يقتفون آثار العُبَّاد والزُّهَّاد الأوائل قبل أن تشتعل الساحة مجددًا بكلِّ خرافات أصحاب الطرق وانحرافاتهم.
والعجيب: أن يتم هذا الآن أمام الكاميرات، كما رأينا من مشاهد مولد البدوي الأخير، وغيره من الموالد!
نسأل الله أن يرينا الحق حقًّا ويرزقنا اتباعه، وأن يرينا الباطل باطلًا ويرزقنا اجتنابه.