كتبه/ محمد خلف
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد قص الله علينا مجادلة إبراهيم -عليه السلام- لقومه مؤكدًا على أن الله وحده المستحق للعبودية، ولا أحد غيره؛ فهو الملك القدير الذي يخلق ولا يُخلق، ويُطعم ولا يُطعم، ويجير ولا يُجار عليه، وهو الغفور الرحيم، ومالك يوم الدِّين، فحق العباد أن يجتهدوا في تحصيل مرضاته والنجاة من سخطه في هذا اليوم العظيم.
وكان مما ذكره -عليه السلام- من عظيم قدرة الله قوله -تعالى-: (وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ) (الشعراء: 81)، فالله -تعالى- وحده القادر على ذلك، يحيي ويميت بيده الخير وهو على كل شيء قدير.
وفي الحقيقة: الآيات جمعت بين إثبات القدرة والعظمة لله، وكذا إثبات المِنَّة والفضل لله وحده، وهي كذلك من أدلة استحقاقه وحده العبودية، فالموت في حق المؤمن راحة وفضل، كما في الحديث: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- مُرَّ عليه بجنازة فقال: (مُسْتَرِيحٌ وَمُسْتَرَاحٌ مِنْهُ). قالوا: يا رسول الله، ما المستريح والمستراح منه؟ قال: (الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ يَسْتَرِيحُ مِنْ نَصَبِ الدُّنْيَا وَأَذَاهَا إِلَى رَحْمَةِ اللَّهِ، وَالْعَبْدُ الْفَاجِرُ يَسْتَرِيحُ مِنْهُ الْعِبَادُ وَالْبِلَادُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ) (رواه البخاري).
وكذا هو البداية للخلود الدائم في جنات النعيم، كما قال ابن القيم -رحمه الله-: "وما أماته إلا ليحييه".
فهو ينتقل إلى دار السلام؛ دار لا آفة فيها، ولا عيب ولا نقص، ولا خلل، ولا فقد، مما يعتريه في الحياة الدنيا؛ قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (يُنَادِي مُنَادٍ: إِنَّ لَكُمْ أَنْ تَصِحُّوا فَلَا تَسْقَمُوا أَبَدًا، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَحْيَوْا فَلَا تَمُوتُوا أَبَدًا، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَشِبُّوا فَلَا تَهْرَمُوا أَبَدًا، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَنْعَمُوا فَلَا تَبْأَسُوا أَبَدًا) فَذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: (وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (الأعراف: 43) (رواه مسلم).
هذا وقد أذهب الله بمنه وكرمه عنهم كل حزن وكل ألم، مما كانوا يخافون ويحذرون في الدنيا والآخرة كما قال: (جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ . وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ . الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ) (فاطر: 33-35).
وفي قوله -سبحانه-: (لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ) تأكيد على هذا النعيم الصافي المنقى من كل ما يشوبه؛ قال ابن كثير -رحمه الله-: "والنصب واللغوب: كل منهما يُستعمل في التعب، وكأن المراد ينفي هذا وهذا عنهم أنهم لا تعب على أبدانهم ولا أرواحهم".
وإن كان هذا النعيم المقيم يفتقر إلى توفيق وفضل الله حتى يصير الموت والحياة والبعث بعد ذلك نعمة في حق العبد، وهذا لا يتحقق إلا بعفو ومغفرة أرحم الراحمين في هذا اليوم العظيم؛ لذلك قال نبي الله إبراهيم بعد ما ذكر قوله -تعالى- (وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ) (الشعراء: 81): (وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ) (الشعراء: 82).
فهو مع كماله وعصمته، وهو سيد البرية بعد نبينا -صلى الله عليه وسلم-، يرجو ويطمع في مغفرة ربِّه؛ فكيف بمَن دونه؟!
فكيف بأهل الذنوب والمعاصي والمسرفين على أنفسهم فيها؟!
فهذا أدب عظيم من هذا النبي الكريم الذي جمع بين عظيم الإحسان وأعلى الدرجات فيه، ومع ذلك جمع بين الخوف والرجاء والطمع في رحمة أرحم الراحمين؛ فحق له أن يُؤمر سيد ولد آدم -صلى الله عليه وسلم- باتباع ملته الحنيفية السمحة.
نسأل الله أن يغفر لنا وأن يعفو عنا، وأن يجمعنا بالنبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا.