نصائح وضوابط إصلاحية (74)
كتبه/ سامح بسيوني
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
أمثلة في التعامل مع الأخطاء:
- من ذلك: ما كان من أسامة بن زيد -رضي الله عنهما- في قتله للرجل الذي نطق بالشهادتين متعوذًا، كما في الحديث عنه قال: بَعَثَنَا رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- إِلَى الْحُرَقَةِ مِنْ جُهَيْنَةَ، فَصَبَّحْنَا الْقَوْمَ فَهَزَمْنَاهُمْ، وَلَحِقْتُ أَنَا وَرَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ رَجُلًا مِنْهُمْ، فَلَمَّا غَشَيْنَاهُ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فَكَفَّ عَنْهُ الْأَنْصَارِيُّ، وَطَعَنْتُهُ بِرُمْحِي حَتَّى قَتَلْتُهُ، قَالَ: فَلَمَّا قَدِمْنَا بَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ لِي: (يَا أُسَامَةُ، أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ مَا قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؟)، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّمَا كَانَ مُتَعَوِّذًا، قَالَ: فَقَالَ: (أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ مَا قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؟)، قَالَ: فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا عَلَيَّ حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ أَسْلَمْتُ قَبْلَ ذَلِكَ الْيَوْمِ! (أخرجه مسلم).
- ما حدث بين أبي بكر وعمر -رضي الله عنهما- حينما دخل وفد بني تميم، كما جاء في الحديث عن عبد الله بن الزبير -رضي الله عنهما- قال: قَدِمَ رَكْبٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ عَلَى النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَمِّرِ الْقَعْقَاعَ بْنَ مَعْبَدٍ، وَقَالَ عُمَرُ: بَلْ أَمِّرِ الْأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَا أَرَدْتَ إِلَّا خِلَافِي، فَقَالَ عُمَرُ: مَا أَرَدْتُ خِلَافَكَ. فَتَمَارَيَا حَتَّى ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا، فَنَزَلَ فِي ذَلِكَ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (الحجرات: 1) (رواه البخاري).
فهنا أبو بكر وعمر -رضي الله عنهما- مع أخلاقهما الكريمة وصحبتهما الدائمة، ومع ما بينهما من محبة وعلاقة قوية، اختلفت رأيهما في المسألة، ووصل الأمر إلى أن ارتفعت أصواتهما عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فنزلت الآية معلِّمةً وموضِّحةً للصحابة وللأمة من بعدهم: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ) (الحجرات: 2).
- وكذلك ما رواه البخاري عن أبي إدريس الخولاني قال: سَمِعْتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ يَقُولُ: كَانَتْ بَيْنَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ مُحَاوَرَةٌ، فَأَغْضَبَ أَبُو بَكْرٍ عُمَرَ، فَانْصَرَفَ عَنْهُ عُمَرُ مُغْضَبًا، فَاتَّبَعَهُ أَبُو بَكْرٍ يَسْأَلُهُ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَهُ فَلَمْ يَفْعَلْ، حَتَّى أَغْلَقَ بَابَهُ فِي وَجْهِهِ، فَأَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-. فَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: وَنَحْنُ عِنْدَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (أَمَّا صَاحِبُكُمْ هَذَا فَقَدْ غَامَرَ). غامر: أي: سبق بالخير. (ينظر: فتح الباري). قَالَ: وَنَدِمَ عُمَرُ عَلَى مَا كَانَ مِنْهُ، فَأَقْبَلَ حَتَّى سَلَّمَ وَجَلَسَ إِلَى النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-، وَقَصَّ عَلَى رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- الْخَبَرَ. قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: وَغَضِبَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-، وَجَعَلَ أَبُو بَكْرٍ يَقُولُ: وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ، لَأَنَا كُنْتُ أَظْلَمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: (هَلْ أَنْتُمْ تَارِكُو لِي صَاحِبِي، هَلْ أَنْتُمْ تَارِكُو لِي صَاحِبِي، إِنِّي قُلْتُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا، فَقُلْتُمْ: كَذَبْتَ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: صَدَقْتَ) (رواه البخاري).
فهذه المواقف تبيِّن لنا المنهج النبوي الشريف في التعامل مع الأخطاء والمشكلات، وكيفية حلها في خطوات واضحة.
وللحديث بقية -إن شاء الله-.