الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ ياسر برهامي
الأربعاء 14 يناير 2026 - 25 رجب 1447هـ

الوقفات الإيمانية مع الأسماء والصفات الإلهية (8) اسم الله (الجبار) (1) (موعظة الأسبوع)

كتبه/ سعيد محمود

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

المقدمة:

- التعرف على الله -تعالى- أجل أنواع المعرفة، والتعبد له -تعالى- بأسمائه وصفاته أجل أبواب التعبد: قال -تعالى-: (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا(الأعراف: 180)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ(متفق عليه).

- ورد اسمه سبحانه "الجبار" لفظًا في القرآن مرة واحدة: قال -تعالى-: (هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ(الحشر: 23)- وورد في السُّنة النبوية في مواضع متعددة؛ منها: قوله -صلى الله عليه وسلم-: (يَأْخُذُ الْجَبَّارُ سَمَاوَاتِهِ وَأَرْضَهُ بِيَدِهِ وَقَبَضَ بِيَدِهِ فَجَعَلَ يَقْبِضُهَا وَيَبْسُطُهَا ثُمَّ يَقُولُ أَنَا الْجَبَّارُ أَيْنَ الْجَبَّارُونَ أَيْنَ الْمُتَكَبِّرُونَ(رواه مسلم).

مجمل كلام العلماء حول معنى اسم "الجبار" في حق الله على معنيين(1):

الأول: جبر القوة والقهر؛ فهو -سبحانه وتعالى- الجبار الذي يقهر الجبابرة ويغلبهم بجبروته وعظمته، فكل جبار وإن عظم فهو تحت قهر الله -عز وجل- وجبروته، في يده وقبضته، وفيه آية سورة الحشر المتقدمة. (سنرجئ الكلام عن هذا المعنى لاسم الله "الجبار"؛ لحديث منفرد يأتي في المرة القادمة -إن شاء الله-).

الثاني: جبر الرحمة والإصلاح، فإنه -سبحانه- يجبر الضعيف بالغنى والقوة، ويجبر الكسير بالسلامة، ويجبر المنكسرة قلوبهم بإزالة كسرها وإحلال الفرج والطمأنينة فيها؛ وما يحصل لهم من الثواب والعاقبة الحميدة إذا صبروا على ذلك من أجله.

قال ابن القيم -رحمه الله- في النونية في معنى "الجبار":

وكذلك الجبار في أوصافه والجبر في أوصافه قسمان

جبر الضعيف وكل قلب قد غدا ذا كسرة فالجبر منه دان

والثاني جبر القهر بالعز الذي لا ينبغي لسواه من إنسان

وقفات مع اسم الله "الجبار" على معنى جبر الرحمة:

الوقفة الأولى: بالجبار -سبحانه- نواجه الكسور والآلام:

كثيرة هي انكسارات الحياة وآلامها (فقر - مرض - ظلم - مصائب ومحن - موت حبيب - جحود معروف - ...)، وكلها تسبب كسورًا نفسية وحسية: (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ(البلد: 4).

- المؤمن يواجه كل ذلك بالتعبد لله، ومن ذلك التعبد باسمه -تعالى- "الجبار": فهو يعرف أن له ربًّا "جبارًا" يجبر ضعف الضعيف فيقويه، ويداوي المنكسرة قلوبهم بإحلال الفرج والطمأنينة فيها، فتهون عنده الآلام، وهو ينتظر جبر "الجبار"، وإلا فتأمل دعاءه -صلى الله عليه وسلم- في الجلسة بين السجدتين (17 مرة في الفرض يوميًّا فضلًا عن السنن): (وَاجْبُرْنِي(رواه الترمذي وابن ماجه، وصححه الألباني). (أي: داوِ كسري، وادفع عني المكاره).

- المؤمن دائم الاتصال بالجبار ليجبر كسره، بل يبدله حالًا أفضل من حاله قبل الكسر!: كان -صلى الله عليه وسلم- يقول: (مَا مِنْ مُسْلِمٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ فَيَقُولُ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، اللَّهُمَّ أْجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا إِلَّا أَخْلَفَ اللَّهُ لَهُ خَيْرًا مِنْهَا(رواه مسلم).

نماذج في ذلك:

1- أم سلمة -رضي الله عنها- نموذج من السلف في التوجه إلى "الجبار" عند المصيبة والانكسار: ذكرت أم سلمة أنها لما مات عنها زوجها أبو سلمة كأنها تذكرت وصية رسول الله -صلى الله عليه وسلم- السابقة؛ إلا أنها قالت في نفسها تعجبًا: أيُّ المسلمين خير من أبي سلمة؟! وبعد تعجبها استجابت لأمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، قالت: ثم إني قلتها، فأخبرتْ أن الله -سبحانه- قد أخلف لها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بأن جعلها زوجته، وكان عوضًا خيرًا لي من زوجها أبي سلمة -رضي الله عنه-.

2- نموذج معاصر في التوجه إلى "الجبار" عند المصيبة والانكسار: (يحكى أحد الدعاة يقول: قبل نحو عشرين سنة تعرضت أسرة أحد إخواننا في المسجد لحادثين متفرقين على الطريق، مات في الأول زوجته، وفي الثاني ماتت أخته وابنته الوحيدة، فحزن لذلك حزنًا شديدًا. يقول: وفي يوم جنازة الابنة الوحيدة نصحه أحد إخوانه وهو يعزيه أن يقول الدعاء الوارد: اللهم أجرني في مصيبتي.. قال الرجل المصاب: فجعلت أتفكر: كيف ذلك وقد بلغت من العمر نحو الستين؟! لكني جعلت أردد الدعاء وأعظم الرجاء في جبار الأرض والسماء. ودارت الأيام وتزوج يريد زوجة تخدمه وأمه المسنة التي يكفلها، فشاء الجبار أن يجبر كسره، فكانت الزوجة الجديدة متاعًا له وأنسًا لأمه، بل.. أنجبت الزوجة الجديدة بدل البنت بنتين قد ملأتا الدنيا عليه سعادة وفرحًا بعد حزن وألم كاد يمزق قلبه قبل ذلك).

الوقفة الثانية: كن جابرًا لكسور غيرك وآلامهم:

- تعبَّد لله بأن يكون لك من هذه الصفة نصيب، وكن ممن يستعملهم الله في جبر كسور عباده: عن عبد الله بن دينار عن بعض أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: قيل: يا رسول الله! من أحب الناس إلى الله؟ قال: (أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ، وَإِنَّ أَحَبَّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ سُرُورٌ تَدْخُلُهُ عَلَى مُؤْمِنٍ، تَكْشِفُ عَنْهُ كَرْبًا أَوْ تَقْضِي عَنْهُ دَيْنًا أَوْ تَطْرُدُ عَنْهُ جُوعًا، وَلَأَنْ أَمْشِيَ مَعَ أَخِي الْمُسْلِمِ فِي حَاجَةٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَعْتَكِفَ شَهْرَيْنِ فِي مَسْجِدٍ(رواه ابن أبي الدنيا، وغيره).

- نماذج في الاتصاف بصفة جبر الرحمة والإصلاح: (النبي -صلى الله عليه وسلم- يتزوج من بعض أمهات المؤمنين جبرًا لخاطرها بعد وفاة زوجها لِما قدمت في الإسلام - الخليفة أبو بكر -رضي الله عنه- يخدم العجوز العمياء فيكنس لها الدار، ويطبخ لها الطعام جبرًا لكسرها وضعفها - عبد الله بن المبارك يطوف على بيوت الفقراء ليلًا فيضع الطعام على الأبواب من غير أن يعلموا به، وما علموا إلا بعد موته - وغيرهم وغيرهم الكثير ممَّن تحلوا بصفة الجبر بالرحمة).

- نموذج معاصر: حكى أحد الدعاة: (أن صديقًا له -طالبًا بجامعة أم القرى بمكة- كان ذاهبًا إلى الجامعة لأداء امتحان في مادة "النقد"، ومر بالسيارة قريبًا من الحرم، فاستوقفه أحد المعتمرين وسأله أن يوصله إلى مكان قسم الشرطة بالمنطقة، فحاول أن يعتذر له لئلا يتأخر عن امتحان مادة "النقد" التي يرسب فيها دائمًا، ومع إلحاح المعتمر أركبه وأوصله إلى أقرب مكان من مركز الشرطة، وفي الطريق فهم أن المعتمر قد ضاعت حافظته التي فيها ماله وهاتفه وجواز سفره، وهو منذ ثلاثة أيام يتكفف الناس، وأجهش المعتمر بالبكاء وهو يقول: "لقد تعبت جدًّا". يقول الداعي: فتأثر له صديقي وقال له مواسيًا: إن الذي جاء بك إلى هنا -سبحانه- لن يجعلك تذل لغيره، ولكن.. قم أنت بين يديه وتذلل له في بيته ولن يضيعك. قال: ثم أخرج صديقي ما معه في جيبه من مال فكانت (83 ريالًا) فأعطاها للمعتمر وأنزله قرب مكان حاجته. وانطلق إلى الجامعة وأدى الامتحان وكان كالعادة لا يحسن الإجابة في هذه المادة. وبعد أسبوعين ظهرت النتيجة فإذا هي (83 درجة من المائة! نعم.. عدد الريالات التي أعطاها للرجل!) (ينظر: لأنك الله - علي جابر الفيفي). قلتُ: وما ينتظره عند الله أعظم.  (رحمت عبدًا من عبادي.. أنا أرحم منك.. اذهب فلك كذا...).

الوقفة الثالثة: من آثار التعبد باسمه الجبار على معنى "جبر الرحمة":

1- زيادة محبة الله؛ لأن القلوب جُبِلت على حبِّ مَن أحسن إليها. (سل مَن جربوا جبر الجبار لقلوبهم، وكيف صارت المحبة بعد ذلك في قلوبهم).

2- أن النفس تتوطن على اللجوء إلى الله -سبحانه- الذي يجبر الكسير ويغني الفقير، وهو لا يسأم من سؤال العطايا؛ قال الغني الجبار: (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ(الحجر: 21).

خاتمة:

- عجيب أمر كثير من الناس (يقفون بباب الخادم الفقير ويتركون باب الملك الغني، يدخلون على الخادم الفقير ويظلون يشكون له الساعات يظنونه يجبر كسرهم، ويتركون باب الملك الغني الجبار للمكسورين!).

- كن مع ربك كالطفل الرضيع مع أمه.. لا يعرف غيرها، لا يطلب إلا منها، لا يفزع إلا إليها (فهو يعلم أنه لا أحد غيرها سيزيل أوجاعه وآلامه، ويجبر كسره ويدفع عنه أحزانه)؛ فكيف بمن هو أرحم بك من أمك؟! إنه "الجبار" -سبحانه-: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لَلَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا(رواه البخاري).

فاللهم يا جبار اجبر كسر قلوبنا، وكسر أرواحنا، وكسر أجسادنا، إنك على كل شيء قدير.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) تركنا المدخل الوعظي في المقدمة؛ نظرًا لتعدد المعاني في اسم الله "الجبار"؛ لأن كل واحد منها يحتاج إلى مدخل وعظي مختلف عن الآخر.