كتبه/ حسن حسونة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد تَكَلَّمنا في مقال سابق عن معنى الإصلاح وأنواعه، وأيضًا هدفه. ونَتَكَلَّم الآن عن سمات الإصلاح؛ فمَن هؤلاء الذين يصلح الله بهم، ويجعل لهم العاقبة؟
فمن هذه السمات: سلامةُ العقيدة وصفاؤها، وخلوصُها من كل شائبةٍ. تحقيقُ الإيمان بالله؛ بوجوده، وربوبيته، واستحقاقه للعبودية من خلال توحيد الألوهية، والإيمان بالأسماء والصفات على ما أراده الله ورسوله؛ فتحقيق الإيمان بكل الأسماء والصفات من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل.
فالمصلح ليس عنده انحراف في ذلك الباب: فلا يعتقد أن غير الله يرزق، أو يُحيي ويُميت، أو يَخلُق، أو يُدَبِّر الأمر، أو أن أحدًا له حق في السيادة والتشريع مع الله -جل وعلا-، ولا يعتقد أن أحدًا يستحق صرف العبادة له من دون الله -صلاة، دعاء، خوف، رغبة، رهبة، خضوع، نذر، ذبح، إلخ؛ لأنهم يعتقدون ألَّا معبود بحق إلا الله. وكذلك لا يُلحدون في أسمائه وصفاته، ولا يُؤَوِّلونها بلا دليل ولا برهان؛ فإيمانهم وعقيدتُهم من القرآن والسنة، وفَهمُها على طريقة فَهم السلف الصالح من لَدُن الصحابة والقرون الفاضلة، والعقلُ عندهم لِفَهم النَّص وليس حاكمًا عليه رادًّا له.
فالمصلح محقِّق للإيمان بالملائكة، والكتب، والرسل، واليوم الآخَر، والقدر خيره وشره على فَهم سَلَف الأمة.
المصلح: عنده الإيمان قول وعمل -قول القلب، وقول اللسان، وعمل القلب، وعمل الجوارح، وعمل اللسان-، وأنه يزيد بالطاعات والقُرُبات، ويَنقُص بالمعاصي والأوزار، وأهلُه على درجات وتفاضُل، وأما مرتكب الكبيرة فهو مؤمن بإيمانه فاسقٌ بمعصيته، وفي الآخرة في مشيئة الله؛ إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه. وإن عاقَب فعقابه ليس على كُفرٍ، بل على معصية، فليس فيه خلود كحال الكُفَّار.
المصلح: يُحِبُّون أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- ويُقَدِّرونهم، ويُوالونهم؛ لأنهم يَعلَمون أن حُبَّ الصحابة من الإيمان، وبُغضَهم من النفاق. ويَتَرَضَّون عليهم، ويَعرِفون حقَّهم؛ فهم حَمَلَةُ الدين، ومُبَلِّغُوه للآفاق، وهم وزراء رسوله -صلى الله عليه وسلم-. ويُنْزِلونهم منازلهم التي أنزلها لهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ فلا يُقَدِّمون أحدًا على أبي بكر الصديق، ثم عمر ثم عثمان، ثم علي، ثم بقية العشرة، ثم أهل بدر، ثم أهل بيعة الرضوان، ثم من أنفق من قبل الفتح وقاتل، ثم من بعدهم.
المصلح: يُحِبُّون آل بيت النبي -صلى الله عليه وسلم- ويَتَقَرَّبون إلى الله بمحبتهم، كما يَتَقَرَّبون بمحبة الصحابة -رضوان الله عليهم-. ومن آل البيت زوجات النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ فيَتَرَضَّون عليهن، ويؤمنون بأنهن زوجاته في الدنيا والآخرة. والإمامة حق، والخليفة الأول بعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي.
المصلح: يُتبِعون هذا الإيمان بالعمل الصالح؛ فيحافظون على الصلاة، ويُؤتون الزكاة، ويصومون، ويَحُجُّون إن استطاعوا. يُحافظون على الواجبات، ويُتابِعونها بالنوافل، ليَصِلوا إلى محبة الله. فيَقُومون الليل، ويصومون النهار، ويحافظون على تلاوة القرآن. يأمرون بالمعروف، ويَنهَون عن المنكر. ويحافظون على العبادات القلبية؛ الخوف من الله، الرجاء، الإنابة، الخضوع، والحب لله، والخشوع... إلى غيرها من صُنوف الطاعات والعبادات الظاهرة والباطنة.
المصلح: عنده من الصبر واليقين: الصبر على الطاعات، والصبر عن المحرمات، والصبر على أقدار الله؛ ولأنَّ بالصبر واليقين تُنالُ الإمامة والتمكين؛ قال الله -تعالى-: (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ) (السجدة: 24).
وللحديث بقية -إن شاء الله-.