الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ ياسر برهامي
الخميس 06 يونيو 2024 - 29 ذو القعدة 1445هـ

الكبائر (40) النياحة على الميت ولطم الخدود وشق الجيوب عند المصائب (موعظة الأسبوع)

كتبه/ سعيد محمود

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

المقدمة:

- الكبائر هي تلك الذنوب المهلكة التي ضمن الله لمن اجتنبها في الدنيا، الجنة في الآخرة: قال -تعالى-: (إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًا كَرِيمًا) (النساء: 31).

- النياحة على الميت ولطم الخدود وشق الجيوب عند المصائب من الكبائر؛ لما لها من أثر سيئ على عقيدة المسلم: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (ليسَ مِنَّا مَن لَطَمَ الخُدُودَ، وشَقَّ الجُيُوبَ، ودَعَا بدَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ) (متفق عليه).

- المقصود بالنياحة: النِّيَاحَة أمر زائدٌ على البكاء، فيُرَفع الصوت بتعديد شمائل الميت، ومَحاسن أفعاله، وربما صاحبه كلمات تدل على التسخط والجزع.

(1) تحريم النياحة على الميت ولطم الخدود وشق الجيوب عند المصائب:

- أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- محذرا بأن النياحة ونحوها من عادات الجاهلية: قال: (أَرْبَعٌ في أُمَّتي مِن أمْرِ الجاهِلِيَّةِ لا يَتْرُكُونَهُنَّ: الفَخْرُ في الأحْسابِ، والطَّعْنُ في الأنْسابِ، والاسْتِسْقاءُ بالنُّجُومِ، والنِّياحَةُ) (رواه مسلم).

- ولأجل شيوع ذلك في النساء، كان يأخذ عليهن البيعة بذلك: عن أم عطية -رضي الله عنها- قالت: "أَخَذَ عَلَيْنَا النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- عِنْدَ البَيْعَةِ أَنْ لا نَنُوحَ..." (متفق عليه)، وفي الصحيحين: "وَجِعَ أَبُو مُوسَى وجَعًا شَدِيدًا، فَغُشِيَ عليه ورَأْسُهُ في حَجْرِ امْرَأَةٍ مِن أَهْلِهِ، فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهَا شيئًا، فَلَمَّا أَفَاقَ، قالَ: أَنَا بَرِيءٌ مِمَّنْ بَرِئَ منه رَسولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-، إنَّ رَسولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: بَرِئَ مِنَ الصَّالِقَةِ والحَالِقَةِ والشَّاقَّةِ" (متفق عليه)(1).

- وقد جاء الوعيد الشديد في حق النَّائِحة التي ماتت ولم تتب من هذا الأمر: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (النَّائِحَةُ إذا لَمْ تَتُبْ قَبْلَ مَوْتِها، تُقامُ يَومَ القِيامَةِ وعليها سِرْبالٌ مِن قَطِرانٍ، ودِرْعٌ مِن جَرَبٍ) (متفق عليه)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (وإِنَّ النائحةَ إذا لم تَتُبْ قبلَ أنْ تموتَ، فإِنَّها تُبْعَثُ يومَ القيامَةِ عليْها سرابيلُ مِنْ قطِرانٍ، ثُمَّ يُغْلَى عليها بدروعٍ مِنْ لهبِ النارِ) (رواه ابن ماجه، وصححه الألباني).

(2) الدنيا دار محنة وبلاء:

- على المؤمن أن يعلم أن المصائب والمحن في هذه الحياة الدنيا سنة كونية كالهواء والماء... هكذا الدنيا: قال -تعالى-: (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ) (البلد: 4)، وقال -تعالى-: (إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) (الكهف: 7)، وقال: (وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ) (الأنبياء: 35)، وقال: (فَأَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ الْمَوْتِ) (المائدة: 106).

- موت الأحبة من أعظم ما يبتلى به الإنسان في الدنيا، والأحبة يتنوعون بين الآباء والأمهات، والأبناء والأشقاء، والأزواج والأصحاب، وغيرهم: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (الوالِدُ أوسطُ أبوابِ الجنَّةِ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني)، وقال -صلى الله عليه وسلم- عن الأم: (فَالزَمْهَا فإنَّ الجنَّةَ تحتَ رِجلَيها) (رواه النسائي، وقال الألباني: "حسن صحيح")، وقال -صلى الله عليه وسلم- عن الولد: (يقولُ اللَّهُ -تَعَالَى-: مَا لِعَبْدِي المُؤْمِنِ عِندِي جَزاءٌ، إذا قَبَضْتُ صَفِيَّهُ مِن أهْلِ الدُّنْيا ثُمَّ احْتَسَبَهُ، إلَّا الجَنَّةُ) (رواه البخاري)، وقال -صلى الله عليه وسلم- عن الزوجة الصالحة: (الدُّنْيَا مَتَاعٌ، وَخَيْرُ مَتَاعِ الدُّنْيَا المَرْأَةُ الصَّالِحَةُ) (رواه مسلم).

وقال عمر بن الخطاب -رَضِيَ اللَّهُ عنْه- عن شقيقه الصالح الذي استشهد يوم اليمامة: "ما هبّت ريحُ الصَّبا، إلا وجدتُ منها ريح زيد" (سير أعلام النبلاء للذهبي)، وقال -صلى الله عليه وسلم- عن الصديق الصالح -في السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله-: (ورَجُلَانِ تَحَابَّا في اللَّهِ، اجْتَمعا عليه وتَفَرَّقَا عليه) (متفق عليه).

(3) ما ينبغي أن يكون عليه المؤمن عند موت الأحبة:

- الإيمانُ بقَضاءِ اللهِ وقَدَرِه يَجعَلُ المؤمِنَ في رِضًا كامِلٍ على كُلِّ أَحوالِه، بخِلافِ غَيرِ المُؤمِنِ الَّذي يَكونُ في سَخَطٍ دائِمٍ عندَ وُقوعِ ضَررٍ عليه: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (عَجَبًا لأَمْرِ المُؤْمِنِ، إنَّ أمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وليسَ ذاكَ لأَحَدٍ إلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إنْ أصابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكانَ خَيْرًا له، وإنْ أصابَتْهُ ضَرَّاءُ، صَبَرَ فَكانَ خَيْرًا له) (رواه مسلم).

- من أعظم ما يصبِّر الإنسان على فقدان الأحبة، أن يستحضر جزاء الصبر والاحتساب عند الله: (وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ . الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ . أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ) (البقرة: 155-157)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم- لمن شقَّ عليه موتُ ابنه: (أيُّما كانَ أحبُّ إليكَ أن تُمتَّعَ بِهِ عمُرَكَ، أو لا تأتي غدًا إلى بابٍ من أبوابِ الجنَّةِ إلَّا وجدتَهُ قَد سبقَكَ إليهِ يفتَحُهُ لَكَ)، قالَ: يا نبيَّ اللَّهِ، بل يَسبقُني إلى بابِ الجنَّةِ فيَفتحُها لي لَهوَ أحبُّ إليَّ، قالَ: (فذاكَ لَكَ) (رواه النسائي، وصححه الألباني).

- وأن يتذكر في مصيبته مصيبة موت رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ويتعزى بها: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إذا أُصيبَ أحدكم بمصيبةٍ فليذكُرْ مصيبَتَهُ بي فإنَّها أعظمُ المصائبِ) (رواه ابن ماجه، وصححه الألباني).

وقال الشاعر -أبو العتاهية-:

اِصـبــِر لِـكُــلِّ مُـصـيـبَـةٍ وَتَجَـلَّـدِ              وَاِعـلَـم بِـأَنَّ المَرءَ غَيـرُ مُـخَـلَّــدِ

أَوَما تَرى أَنَّ المَـصـائِـبَ جَـمـَّـةٌ              وَتَـرى الـمَنِيـَّةَ لِلعِـبـادِ بـِـمـَرصَـدِ

مَن لَم يُصِب مِمَّن تَرى بِمُصيـبَةٍ              هَـذا سَبـيـلٌ لَـسـتَ فـيـهِ بِــأَوحَــدِ

وَإِذا ذَكَـرتَ مُـحَــمَّـدًا وَمَـصـابَـهُ              فَــاِذكُـر مُصابَـكَ بِالـنَـبـِيِّ مُـحَـمَّـدِ

- ومن أعظم ما يصبر الإنسان على فقدان الأحبة: أن يلتزم الشرع، ويقتدي بالصالحين؛ لما جاء نعي أبي سفيان -رضي الله عنه- من الشام دعت ابنته أم حبيبة -رضي الله عنها- في اليوم الثالث بطيب، فمسحت خديها وذراعيها، وقالت: ما لي بالطيب من حاجة لولا أني سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: (لا يَحِلُّ لامرأةٍ تُؤمِنُ باللهِ واليَومِ الآخِرِ أن تُحِدَّ على ميِّتٍ فَوقَ ثلاثِ ليالٍ، إلَّا على زَوجٍ أربعةَ أشهُرٍ وعشرًا) (متفق عليه).

* وقفة مع امرأة من التاريخ مرت بالحالين عند المصيبة (الجزع والنياحة - والصبر والاحتساب):

- تلك المرأة العربية التي سُمِّيت بالخنساء، واسمها: تماضر بنت عمرو، ونسبها ينتهي إلى مضر؛ مرَّت بحالتين متشابهتين، لكن تصرفها تجاه كل حالة كان مختلفًا مع سابقتها أشد الاختلاف، متنافرًا أكبر التنافر، أولاهما: في الجاهلية، وثانيهما: في الإسلام.

- أما الحالة الأولى: فقد كانت في الجاهلية، يوم سمعت نبأ مقتل أخيها صخر، فوقع الخبر على قلبها كالصاعقة في الهشيم، فلبت النار به، وتوقدت جمرات قلبها حزنًا عليه، ونطق لسانها بمرثيات له بلغت عشرات القصائد، وكان مما فعلته حزنًا على أخويها "صخر ومعاوية" ما روي عن عمر "أنه شاهدها تطوف حول البيت وهي محلوقة الرأس، تلطم خديها، وقد علقت نعل صخر في خمارها!".

- وأما الحالة الثانية: فيوم نادى المنادي: أن هبي جيوش الإسلام للدفاع عن الدين والعقيدة ونشر الإسلام، فجمعت أولادها الأربعة وحثتهم على القتال والجهاد في سبيل الله، لكن الغريب في الأمر يوم بلغها نبأ استشهادهم، فما نطق لسانها برثائهم وهم فلذات كبدها، ولا لطمت الخدود ولا شقت الجيوب، وإنما قالت برباطة جأش وعزيمة وثقة: "الحمد لله الذي شرفني باستشهادهم، وإني أسأل الله أن يجمعني معهم في مستقر رحمته!" (الاستيعاب لابن عبد البر، أسد الغابة لأبن أثير).

خاتمة: البكاء لا ينافى الصبر:

- قد بكى النبي -صلى الله عليه وسلم- على ولده وغيره: أخرَج الشيخانِ: أنه -صلى الله عليه وسلم- عاد سعدَ بن عبادة ومعه جماعة، فَبَكَى رَسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-، فَلَمَّا رَأَى القَوْمُ بُكَاءَ رَسولِ -صلى الله عليه وسلم- بَكَوْا، فَقالَ: (أَلَا تَسْمَعُونَ؟ إنَّ اللَّهَ لا يُعَذِّبُ بدَمْعِ العَيْنِ، وَلَا بحُزْنِ القَلْبِ، وَلَكِنْ يُعَذِّبُ بهذا، وَأَشَارَ إلى لِسَانِهِ، أَوْ يَرْحَمُ) (متفق عليه)، وأخرَجَا أيضًا: فَدُفِعَ الصَّبِيُّ إلَيْهِ ونَفْسُهُ تَقَعْقَعُ كَأنَّهَا في شَنٍّ، فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ، فَقالَ له سَعْدٌ: يا رَسولَ اللَّهِ، ما هذا؟ قالَ: (هذِه رَحْمَةٌ جَعَلَهَا اللَّهُ في قُلُوبِ عِبَادِهِ، وإنَّما يَرْحَمُ اللَّهُ مِن عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ) (متفق عليه).

وروى البخاري: دَخَلْنَا عليه بَعْدَ ذلكَ وإبْرَاهِيمُ يَجُودُ بنَفْسِهِ، فَجَعَلَتْ عَيْنَا رَسولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- تَذْرِفَانِ، فَقالَ له عبدُ الرَّحْمَنِ بنُ عَوْفٍ -رَضِيَ اللَّهُ عنْه-: وأَنْتَ يا رَسولَ اللَّهِ؟ فَقالَ: (يَا ابْنَ عَوْفٍ إنَّهَا رَحْمَةٌ) ‌ثُمَّ ‌أَتْبَعَهَا ‌بِأُخْرَى، فَقالَ -صلى الله عليه وسلم-: (إنَّ العَيْنَ تَدْمَعُ، والقَلْبَ يَحْزَنُ، ولَا نَقُولُ إلَّا ما يَرْضَى رَبُّنَا، وإنَّا بفِرَاقِكَ يا إبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ) (متفق عليه).

- وقد علمنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما نقوله حين المصيبة: قال -صلى الله عليه وسلم-: (ما مِن مُسْلِمٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ، فيَقولُ ما أمَرَهُ اللَّهُ: (إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، اللَّهُمَّ أْجُرْنِي في مُصِيبَتِي، وأَخْلِفْ لي خَيْرًا مِنْها، إلَّا أخْلَفَ اللَّهُ له خَيْرًا مِنْها) (رواه مسلم).

جعلنا الله وإياكم من الصابرين المحتسبين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الصالقة: هي التي ترفع صوتها بالنياحة عند الفجيعة بالموت، أو عند نزول المصيبة. والحالقة: هي التي تحلق رأسها عند المصيبة. والشاقة: هي التي تشق ثوبها عند المصيبة.