الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ ياسر برهامي
الإثنين 15 يونيو 2026 - 29 ذو الحجة 1447هـ

الدين الإبراهيمي الجديد بين الحقيقة والضلال (260) دعوة إبراهيم لأبيه وقومه وإنكاره عليهم عبادة الأوثان وتضرعه إلى الله -عز وجل- (10)

كتبه/ ياسر برهامي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فقال الله -عز وجل- في سورة الشعراء: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ . إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ . قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ . قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ . أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ . قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ . قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ . أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ . فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ . الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ . وَالَّذِي هُو يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ . وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ . وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ . وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ . رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ . وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ . وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ . وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ . وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ . يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ . إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) (الشعراء: 69- 89).

الفائدة الثامنة عشرة:

دَلَّت الآية على أنه لا ينجو يوم القيامة إلا صاحب القلب السليم الذي سَلِم من الشرك، ومما يؤدي إلى الشرك، نعوذ بالله من أن نشرك بالله شيئًا نعلمه، ونستغفره لما لا نعلمه.

قال ابن القيم -رحمه الله-: "وهو القلب الذي لا ينجو يوم القيامة إلا مَن أتى الله به، كما قال تعالى: (يَوْمَ لا يَنفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ . إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ)، وقد اختلفت عبارات الناس في معنى القلب السليم والأمر الجامع لذلك: أنه الذي قد سَلِمَ من كل شهوة تخالف أمر الله ونهيه، ومن كل شبهة تعارض خبره، فسلم من عبودية ما سواه، وسلم من تحكيم غير رسوله، فسلم في محبة الله -مع تحكيمه لرسوله- في خوفه ورجائه، والتوكل عليه والإنابة إليه، والذل له، وإيثار مرضاته في كل حال، والتباعد من سخطه بكل طريق، وهذا هو حقيقة العبودية التي لا تصلح إلا لله وحده.

فالقلب السليم هو: الذي سَلِمَ من أن يكون لغير الله فيه شرك بوجه ما، بل قد خلصت عبوديته لله تعالى: إرادة ومحبة، وتوكلًا وإنابة، وإخباتًا وخشية ورجاء، وخلص عمله لله؛ فإن أحبَّ أحبَّ في الله، وإن أبغض أبغض في الله، وإن أعطى أعطى لله، وإن منع منع لله، ولا يكفيه هذا حتى يسلم من الانقياد والتحكيم لكل مَن عدا رسوله -صلى الله عليه وسلم- فيعقد قلبه معه عقدًا محكمًا على الائتمام والاقتداء به وحده دون كل أحد في الأقوال والأعمال؛ من أقوال القلب وهي العقائد، وأقوال اللسان وهي الخبر عما في القلب، وأعمال القلب وهي الإرادة والمحبة والكراهة وتوابعها، وأعمال الجوارح، فيكون الحاكم عليه في ذلك كله دِقَّه وجِلَّه هو ما جاء به الرسول -صلى الله تعالى عليه وآله وسلم-، فلا يتقدم بين يديه بعقيدة ولا قول ولا عمل، كما قال -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) (الحجرات:1)، أي: لا تقولوا حتى يقول، ولا تفعلوا حتى يأمر.

قال بعض السلف: ما من فعلة وإن صغرت إلا ينشر لها ديوانان: لِمَ؟ وكيف؟ أي: لِمَ فعلت؟ وكيف فعلت؟ فالأول: سؤال عن علة الفعل وباعثه وداعيه: هل هو حظ عاجل من حظوظ العامل وغرض من أغراض الدنيا في محبة المدح من الناس أو خوف ذمهم أو استجلاب محبوب عاجل أو دفع مكروه عاجل، أم الباعث على الفعل القيام بحق العبودية وطلب التودد والتقرب إلى الرب -سبحانه وتعالى- وابتغاء الوسيلة إليه؟

ومحل هذا السؤال: أنه هل كان عليك أن تفعل هذا الفعل لمولاك أم فعلته لحظك وهواك.

والثاني: سؤال عن متابعة الرسول -عليه الصلاة والسلام- في ذلك التعبد؛ أي: هل كان ذلك العمل مما شرعته لك على لسان رسولي أم كان عملًا لم أشرعه ولم أرضه؟

فالأول: سؤال عن الإخلاص، والثاني: عن المتابعة، فإن الله -سبحانه- لا يقبل عملًا إلا بهما.

فطريق التخلص من السؤال الأول: بتجريد الإخلاص.

وطريق التخلص من السؤال الثاني: بتحقيق المتابعة، وسلامة القلب من إرادةٍ تُعارض الإخلاص، وهوى يُعارض الاتباع، فهذا حقيقة سلامة القلب الذي ضمنت له النجاة والسعادة" (إغاثة اللهفان).

وقال -أيضًا رحمه الله-: "ولا تتم له سلامته مطلقًا حتى يسلم من خمسة أشياء:

1- من شرك يناقض التوحيد.

2- وبدعة تخالف السنة.

3- وشهوة تخالف الأمر.

4- وغفلة تناقض الذكر.

5- وهوى يناقض التجريد والإخلاص.

وهذه الخمسة حُجبٌ عن الله، وتحت كل واحد منها أنواع كثيرة، وتتضمن أفرادًا لا تنحصر" (الداء والدواء).

وللحديث بقية -إن شاء الله-.