الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ ياسر برهامي
الإثنين 15 يونيو 2026 - 29 ذو الحجة 1447هـ

مقالات في علوم القرآن الكريم وارتباطها بالعلوم الأخرى (22) تابع القراءات الشاذة ومدى حجيتها في الأحكام الفقهية

كتبه/ ياسر محمد محمود

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فقد سبق أن تحدثنا عن بعض المصاحف المشتملة على قراءات شاذة، وفي هذا المقال سيكون الكلام حول شواذ القراءات والأحرف السبعة؛ بمعنى: ما العلاقة بين شواذ القراءات والأحرف السبعة؟

وللإجابة عن هذا التساؤل لا بد من التعرض لما فعله أمير المؤمنين عثمان -رضي الله عنه-؛ فإنه قبل جمعه الناس على المصحف الحالي، كانت مصاحف بعض الصحابة مشتملة على أحرف سبعة، لكن لا نستطيع الجزم بكونها كانت كلها أو بعضها في مصاحفهم إلا ما كان من الصحف التي جمعها أبو بكر الصديق -رضي الله عنه-؛ فإنها كانت محتوية على جميع الأحرف السبعة على رأي جمهرة من أهل العلم.

وأما بعد رسم مصاحف الأمصار فالأقوال ثلاثة:

الأول: أنها هي الأحرف الستة الباقية بعد جمع عثمان الناس على حرف واحد، وهذا مذهب ابن جرير الطبري.

الثاني: أنها مشتملة على بعض الأحرف السبعة، بناءً على أن المصاحف العثمانية مشتملة على البعض الآخر.

الثالث: أن ما خالف الرسم مما شذَّ من القراءات ليس من الأحرف السبعة، وما وافقه حذف، لأنه لم يثبت متواترًا. وهذا القول مبناه على أن المصاحف العثمانية مشتملة على جميع الأحرف السبعة، وهو مذهب الداني والباقلاني.  

وقد قال جمع من أهل العلم -على رأسهم: الإمام محمد بن جرير الطبري -رحمه الله-، وأبو عمر بن عبد البر، وأبو عباس المهدوي، ومكي بن أبي طالب القيسي، وأبو القاسم الشاطبي، وابن تيمية، وغيرهم-: إن المصاحف المكتوبة في عهد الخليفة الأول أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- احتوت على جميع الأحرف السبعة، وعندما كثر الخلاف، وكاد المسلمون يكفر بعضهم بعضًا، أجمع الصحابة على كتابة القرآن العظيم على حسب ما كان في العرضة الأخيرة التي قرأها النبي -صلى الله عليه وسلم- على جبريل عام قُبِض.  

هذا وقد عقد ابن أبي داود في كتابه (المصاحف) بابًا لاختلاف مصاحف الصحابة، حيث ذكر فيه عشرة مصاحف لعشرة من الصحابة، وهم عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وأبي بن كعب، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعائشة، وحفصة، وأم سلمة، وأردفه بذكر مصاحف التابعين. 

قلتُ: وقد مرَّ بنا فيما سبق من مقالات أن تعرضنا لمصحف عائشة وحفصة -رضي الله عنهما-، ولعلنا نكتفي في هذا المقال بذكر مصحف ابن مسعود وأبي -رضي الله عنهما-، وفي ذلك كفاية.

أولًا: مصحف عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-:

إن مما ينبغي التنبيه عليه أن قراءة عاصم وحمزة والكسائي وخلف ينتهي سندها إلى الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، وهي قراءة مجمع على صحتها، ومقروء بها في الأمصار، وإلى جانب هذه القراءات المتواترة رويت عنه حروف عدها أهل هذا الفن شاذَّة؛ لأنها خالفت الأركان المتفق عليها من موافقة الرسم، ووجه من وجوه النحو، وصحة السند، فمنهم من نفى نسبتها إليه البتة؛ قال ابن حزم عن قراءة ابن مسعود -المنسوبة إليه-: "فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ" (المائدة: 89): "وأما قراءة ابن مسعود فهي من شرق الأرض إلى غربها أشهر من الشمس، من طريق عاصم وحمزة والكسائي ليس فيها ما ذكر" (المحلى). وهذا الرأي مستنده على أن المصاحف العثمانية مشتملة على جميع الأحرف السبعة، وهذه القراءة مما نزل به القرآن.

ومنهم من قال: إنها قرآن نُسِخ تلاوته، أو خبر وقع تفسيرًا، وهو مذهب الحنفية وبعض الشافعية والمالكية، وهؤلاء قالوا: إنها كانت مشتهرة عندهم إلى زمن أبي حنيفة. ومنهم من توقف عن النفي أو الإثبات.

وقد ذكر ابن مكي في "الإبانة" أنها خالفت المصحف، فلم نكذب بها ولم نقرأ بها؛ لأنها خارجة عن الإجماع، فهي خبر آحاد والإجماع أولى من خبر الآحاد، ولا نقطع أنها قراءة ابن مسعود على الحقيقة، ولذلك قال مالك وغيره: القراءة التي تنسب إلى ابن مسعود ولم يقل قراءته، والشيء قد يُنسَب إلى الإنسان، وهو غير صحيح.

وللحديث بقية -إن شاء الله-.