الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ ياسر برهامي
الإثنين 15 يونيو 2026 - 29 ذو الحجة 1447هـ

الرزق الحلال الطيِّب

كتبه/ إبراهيم جاد

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فإن النفس جُبِلت على حب المال والسيطرة عليه: (وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا) (الفجر: 20)، ولكن الشرع هذَّب وأدَّب هذا الحب وجعل مطلبه بالحلال بعيدًا عن السحت والحرام.

ولنتأمل كيف أعلى ديننا من شأن العمل والكسب الطيب الحلال، وكثيرًا ما ربط بين العبادة والعمل (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ) (الجمعة: 10)، بل جعل أشرف الخلق -عليهم الصلاة والسلام- يمارسون الأعمال والاقتصاد والمهن، بل يجوبون الأرض سعيًا وراء الكسب الحلال بالتجارة الحلال.

بل كان خيرة الخلق بعد الأنبياء الصحابة -رضي الله عنهم-، سادةً وقادةً، وعلماء، وسياسيين، وعبادًا وزهادًا، وفي نفس الوقت تجارًا وأصحاب مهن وحِرَف؛ فكان منهم مَن إذا تاجر في التراب تحول ذهبًا كعبد الرحمن بن عوف -رضي الله عنه-!

وتأملوا كيف أعلى ديننا قيمة السعي والعمل بعيدًا عن ذلِّ السؤال ومهانة الطلب بغير حق؛ فقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لَأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ ثُمَّ يَأْتِيَ الْجَبَلَ فَيَأْتِيَ بِحُزْمَةٍ مِنْ حَطَبٍ عَلَى ظَهْرِهِ فَيَبِيعَهَا فَيَكُفَّ اللَّهُ بِهَا وَجْهَهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ أَعْطَوْهُ أَوْ مَنَعُوهُ) (رواه البخاري).

وجعل اليد العليا خيرًا من اليد السفلى، فالحلال له طعم في الطلب، وطعم في الأكل، وطعم حتى في التصدق؛ فضلًا عن بركته التي تزيده وتنميه وترفع من شأن صاحبه، بل يجد بركته في المال والصحة والولد والذرية.

سبحان الله ربي!

الحلال ما أحله الله!

الحلال ما أطعمَه!

الحلال ما أحلاه!

الحلال ما أكرمه على الله -تعالى-!

- صاحب الأكل الحلال دعاؤه مجاب، وعمله مغفور مقبول، وصوته مسموع، وسعيه مشكور ممدوح.

- صاحب الأكل الحلال والساعي على الأرملة واليتيم كالمجاهد في سبيل الله (وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ) (المزمل: 20).

- صاحب الأكل الحلال شبيه الأنبياء والصالحين في السعي والكد والأكل من اليد.

- صاحب الأكل الحلال يعلم جيدًا أن رزقه مكتوب محتوم؛ ولذا يأخذ بالأسباب على قدره وعلى استطاعته.

- صاحب الأكل الحلال يغيظ الشيطان؛ لأنه سد عليه بابًا من أبواب الغواية؛ اسمعوا قول يوسف بن أسباط: "إذا تعبد الشاب يقول إبليس: انظروا من أين مطعمه؟ فإن كان مطعمه مطعم سوء قال: دَعُوه، لا تشتغلوا به، دَعُوه يجتهد وينصب، فقد كفاكم نفسه!".

فيا أيها المؤمنون والمسلمون الصالحون:

لا تغرنكم كثرة الرشاوى، وسهولة الحرام في عالم السوشيال ميديا بعرض ما لا يرضي الله -تعالى-، أو اللهث وراء الكسب المحرم بطرقه التي اتسعت، وتمسكوا بطريق الحلال، وقولوا بأعلى صوت: "اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وأغننا بفضلك عمن سواك".