كتبه/ عبد المنعم الشحات
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد جاء في دعاء الدكتور "سيد عبد الباري" في خطبة عيد الفطر في مسجد الفَتَّاح العليم: "اللهم يا رب، بحقِّ فاطمة وأبيها، وبعلها وبنيها، وبالسر الكامن فيها، لا تجعل لمصر حاجة عند لئيمٍ مِن خلقك!".
وقد أثار هذا الدعاء عاصفةً من النقاش للأسباب الآتية:
1- أن الدعاء منقولٌ بنصِّه من كُتُب وخُطَب الشيعة، ولم يُعهَد تداوله في كتب أو على ألسنة خطباء أهل السُّنة، وهذا أمرٌ مثيرٌ للدهشة والتساؤل.
2- أن هناك ظرفًا سياسيًّا بالغ التعقيد، ويحتاج إلى ضبط للأمور. ويبدو أن تكرار دعاء يكاد يكون شعارًا للشيعة -حتى أن حسن نصر الله كان يذكره في مؤتمراته- يُعطي رسالة تعاطف مع إيران، مع أنها بهذه الصورة رسالةٌ خاطئةٌ، وتخالِف موقف مصر الرسمي.
وهو مكوَّنٌ من جزأين لا ينفك أحدهما عن الآخر:
الأول: رفض العدوان الصهيوأمريكي على إيران.
الثاني: رفض العدوان الإيراني على جيرانها من الدول العربية السنية.
وأيُّ موقف يوهم خلاف ذلك؛ سيكون إخلالًا بدور مصر ومكانتها.
3- أن الدعاء كان فيه التوسُّل بجاه الأنبياء والصالحين، وهو -على الأقل- ليس هو ما ورد في القرآن من التوسل بالإيمان بالرسل وليس بجاههم؛ وثمَّت فروقٌ عقديةٌ وتربويةٌ كثيرةٌ بين الأمرين سيأتي ذكرها -بإذن الله-. فالذي قَصَّه القرآن علينا من دعاء الصالحين قولهم: (رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ) (آل عمران: 53).
ولا أدري ما الذي يضير المتصوفة إذا راموا التوسل في الدعاء أن يتوسلوا بما هو مجمعٌ عليه وبما هو منصوصٌ عليه في القرآن؛ فيقولون: "نسألك يا الله بإيماننا برسولك، ومحبتنا لفاطمة وعلي والحسن والحسين، وكل الآل والأصحاب". فيكون دعاءً مستوفًى من جهة النقل، وكذا من جهة العقل؛ فإنَّ العبدَ يتقرَّب إلى السيد بعمله لا بعمل غيره، أو بشفاعة حقيقية من ذلك الغير. وهذا إنَّما يكون لو كان هذا الغير حيًّا ودعا الله له؛ كما كان الصحابة -رضي الله عنهم- يتوسلون إلى الله بدعاء النبي -صلى الله عليه وسلم-.
فلَمَّا قُبِضَ -صلى الله عليه وسلم- توسلوا بدعاء العباس -رضي الله عنه-؛ مِمَّا يؤكد أن التوسل بالغير إنَّما يكون إذا دعا هذا الغيرُ اللهَ لصاحب الحاجة، وإلا فليتوسل الداعي إلى الله بأعماله هو الصالحة، ومنها إيمانه بالنبي -صلى الله عليه وسلم- ومحبته لصحابته وآل بيته.
والحاصل: أن اجتماع كل هذه الأمور كان مثارًا للكثير من الجدل؛ لا سيما كون هذا الدعاء منقولًا من كتب الشيعة، بل ومتضمنًا لأمورٍ من مذهبهم الباطل.
المسألة الأولى: بيان أن هذا الدعاء منقول من كتب وخطب الشيعة وخطورة هذا:
ونحن هنا أمام استدعاء الخطيب لدعاء مشهور عند الشيعة الاثني عشرية (يمكن البحث في اليوتيوب لتجد كثافة استعماله من خُطَباء الشيعة)، وستجد أنه من الأدعية التي كان يرددها حسن نصر الله.
والأوضح من هذا: أن الدكتور محمود الشال أدلى بتصريح لبوابة فيتو قال فيه: "إن هذا الدعاء ورد في كتاب: الأسرار الفاطمية في المقامات الملكوتية والمعاني الروحانية للسيدة فاطمة الزهراء، تأليف: السيد محمد فاضل المسعودي". وقد ذكر ذلك الرجل أن أصل هذا الدعاء كان في وصايا رجل شيعي يسمى السيد المرعشي، وأنه أخذه مباشرة عن المهدي (يعني مهديهم المزعوم المختبئ في السرداب!).
وكتاب "الأسرار الفاطمية" هذا، شديد الغلو في فاطمة -رضي الله عنها-، وفيه الكثير من الاتهامات الباطلة التي يرددها الشيعة للصحابة -رضي الله عنهم-؛ منها: أن أبا بكر ظَلَم فاطمة، بل وضربها وأجهض جنينًا لها يسمونه: محسنًا!
ومن أمارات كذبهم: أنَّهم يدَّعون أنه -رضي الله عنه وحاشاه من أن يقع في مثل هذا- ضرب فاطمة -رضي الله عنها- وعليٌّ بالداخل يسمع؛ فلَمْ يخرج دفاعًا عن زوجته ولا عن ابنه! وهو أمرٌ لو انتبهوا له لكان طعنًا في عليٍّ -رضي الله عنه- قَبْلَ أن يكون طعنًا في أبي بكر -رضي الله عنه-!
وربما قال قائل: وما المشكلة في الاقتباس من كتب الشيعة إذا أخذنا منهم ما يوافق الحق الذي يقول به أهل السنة؟!
والجواب: إن هذا الدعاء ليس كذلك؛ فإنه فيه من الغلو الشيعي ما فيه، كما أن فيه سوء أدب بالغ مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وسيأتي بيانه -بإذن الله-.
ثم لو افترضنا خُلُوَّه من هذا، فيجب أن ننتبه إلى أنه إذا ما استدعَى الخطيب أو الكاتب قولًا مأثورًا ما، فهو لا يستدعي معنى القول المجرد، وإنما يستدعي معه جميع الملابسات المحيطة به. فأنت حينما تسمع الخطيب يردد الأدعية المأثورة في الكتاب والسُّنة فهذا شيءٌ طبيعيٌّ ومنطقيٌّ؛ لأنهما المصدر الذي يستقي منه المسلمون علومهم.
ولو أن الخطيب استشهد بكلمة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: "إنَّا كنا أذل قوم فأعزنا الله بهذا الدين، فمهما ابتغينا العز في غيره أذلنا الله"؛ فسيصل إلى المتلقي -غير معنى هذه الكلمات- من تعظيم الخطيب لعمر -رضي الله عنه-، وفخره بجهاد الصحابة -رضي الله عنهم-.
وعندما يستشهد بقول الإمام مالك -رحمه الله-: "كلٌّ يؤخذ من قوله ويترك إلا صاحب هذا القبر"؛ فهو لا يستدعي القول فقط، بل يستدعي أن الإمام مالك نموذجٌ يُحتذى به في هذا قولًا وعملًا.
ولا ندري: هل يطالع الخطيب كتب الشيعة وكأنها كتب عِلْم موثوق بها، يُقتبَس منها، بحيث سبق الدعاء الوارد فيها إلى ذهنه؟ أم هل يستمع إلى خطابات رجال الشيعة حتى التصقت دعواتهم بذهنه، فلم يجد في قاموس دعواته إلا هذا الدعاء؟! نرجو ألا يكون الأمر كذلك.
مسألة: هل هذا الدعاء في تلك الخطبة التي تتابعها جميع دول المنطقة؛ لكونها في حضور رئيس الجمهورية تعبِّر عن رؤية مصر في الحرب الدائرة؟
مما يزيد الدهشة: أننا أمام حرب متداخلة اعتدت فيها أمريكا وإسرائيل على إيران (وهي دولة يعلن دستورها أن مذهبها الرسمي هو المذهب الشيعي الاثني عشري -كما هو معلوم-)؛ فقامت إيران بالاعتداء على كلِّ جيرانها من الدول العربية زاعمة أنها تستهدف القواعد العسكرية الأمريكية.
وموقف مصر الرسمي مكوَّنٌ من جزأين لا ينفك أحدهما عن الآخر:
الأول: رفض العدوان الصهيوأمريكي على إيران.
الثاني: رفض العدوان الإيراني على جيرانها من الدول العربية السنية.
وأيُّ موقف يوهم خلاف ذلك سيكون إخلالًا بدور مصر ومكانتها؛ فهل اقتباس هذا الدعاء من كتب الشيعة يخدم تلك الرؤية المصرية أم أنه يوهم بعدم التوازن فيها؟!
مسألة: هل الشيعة خطر حقيقي أم وَهْم لا يخشاه إلا السلفيون؟
والجواب سأذكره من كتاب الشيخ إسماعيل صادق العدوي خطيب الجامع الأزهر الأسبق؛ فقد يقول قائل: إن الأمر ليس فيه ما يقلق إلا عند مَنْ لديهم درجة من المبالغة من الخطر الشيعي، وربما حَلَا للبعض أن يجعل استشعار هذا الخطر مختصًّا بشيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- ومَنْ ينتمون إلى مدرسته!
ولا أدري ماذا ينتظر هؤلاء لكي ينزعجوا من الشيعة أكثر مِمَّا هو واقعٌ أمامهم؛ فإن إيران في أوج حاجتها لتضامن المسلمين معها توجِّه ضرباتها إلى كلِّ جيرانها من السُّنة!
ولدفع هذه الفرية يمكن أن أذكر لك عشرات الأسماء من غير مدرسة ابن تيمية مِمَّن حَذَّروا من خطر التشيع، لكني سأتخير منهم هنا الشيخ إسماعيل صادق العدوي -إمام وخطيب الجامع الأزهر الأسبق-، وإنما اخترته؛ لِمَا له من ثِقَل كبير في المؤسسة الدينية، بل وفي كل مؤسسات الدولة، ولأنَّه رجلٌ ينتمي لمدرسة صوفية، ومنه نعلم أنَّه ليس كلُّ الصوفية مخترقين من الشيعة، بل منهم مَنْ أدرك خطر الشيعة وحذَّر منه. ومن هؤلاء: الشيخ إسماعيل صادق العدوي الذي ألقى سلسلة من أربع محاضرات تمَّ تفريغها في كتاب "نظرة في فكر الشيعة"، وجاء كتعريف بالكتاب على غلافه: (هذا الكتاب عبارة عن أربع محاضرات للشيخ إسماعيل صادق العدوي إمام وخطيب الجامع الأزهر، تكلم فيها في معنى التشيع وأصله والغلو في آل البيت، ثم تطرَّق للكلام على الإمامة وعصمة الأئمة مبينًا بدعية الأوصاف الفضفاضة "آية الله، وروح الله").
وتكلَّم عن مسألة التقبيح والتحسين، ثم تطرق لبدع عاشوراء والحسينيات، وسبهم للصحابة الأجلاء، وغير ذلك مِمَّا هو من صميم اعتقاداتهم.
وسوف أضع في نهاية المقالة نقلًا مطولًا من هذا الكتاب يبيِّن مجمل عقيدة الشيعة وبيان خطورتها.
مسألة: النصارى عندما غلوا في عيسى -عليه السلام- فليسوا أولى بعيسى -عليه السلام- منَّا، والشيعة حينما غلوا في أهل البيت فردودنا عليهم لا تعني أنَّهم أولى بآل البيت منَّا:
إن عقيدة أهل السنة والجماعة محبة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وأنَّه يدخل فيها محبة آل بيته وصحابته وأزواجه -رضي الله عنهم أجمعين-. ولفاطمة -رضي الله عنها- منزلةٌ خاصةٌ لِمَا ثبت في فضلها، ولكون أبيها هو سيد ولد آدم محمد -صلى الله عليه وسلم-، وأمها خديجة -رضي الله عنها- وهي السابقة للإسلام المناصرة لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ففاطمة -رضي الله عنها- من أشرف الناس نسبًا من جهة الأب والأم، وقد رزقها الله الزواج من عليٍّ -رضي الله عنه- وهو ابن عم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأول مَنْ آمن به من الصبيان، وهو مَنْ نام على فراشه يوم الهجرة، وهو الذي شهد معه الغزوات وكان فيها الفارس المقدام، وهو مَنْ رزقه الله عِلْمًا وفهمًا حتى قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- في زمان خلافته، وكان عليٌّ -رضي الله عنه- مستشاره وقاضيه: "أعوذ بالله من قضية لا أبا حسن لها".
وقد رزقها الله منه بالحسن والحسين اللذين قال عنهما رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (الحَسَنُ وَالحُسَيْنُ سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الجَنَّةِ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني). ولا مجال لادِّعاء كلِّ مَن تناقشه بالأدلة أن قول كذا أو فعل كذا من الغلو في الصالحين، فيدَّعي عليك كذبًا أن هذا منك جفاءٌ وانتقاصٌ من حقوق الصالحين؛ وإلا فوَفْق هذا المنطق المعوج تكن للنصارى الحجة على المسلمين؛ قال -تعالى-: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا) (النساء: 171).
قال الشيخ إسماعيل صادق العدوي في كتابه "نظرة في فكر الشيعة" (ص 85): "وأكرر كثيرًا أن الكلام في مذهب الشيعة لا يخرجنا عن حبنا الشديد لآل البيت جميعًا -رضي الله عنهم-؛ لأنَّ حبهم من الدين، ومناصرتهم من الإسلام، والدفاع عنهم وهو مِمَّا يجب أن نلتفت إليه؛ لأنَّه يرضي الله -تبارك وتعالى-، ولكنَّ هذا المذهب شيءٌ آخر يجب تمحيصه، ويجب أن نفنده تفنيدًا خاصًّا حتى يُزال اللبس من أذهانكم وأذهان المسلمين بالعواطف؛ فلا نميل إلى رأي ليِّن، ولا نميل إلى رأي مشدَّد، وإنَّما نميل إلى الحق".
مسألة: الدعاء لبلدنا مصر لا سيما في هذه الظروف أمرٌ مطلوبٌ من كل أحد:
فمصر بلادنا التي نعيش فيها هي قلب العالم الإسلامي، وهي دولته الرائدة؛ فالإنكار متوجهٌ لصاحب الدعاء، متوجهٌ لصيغة الدعاء، وليس لمبدأ الدعاء لمصر.
مسألة: من أدعية سؤال الحاجات في الكتاب والسنة:
لا أدري ما الذي دفع الشيخ إلى انتقاء هذا الدعاء؛ فلعله اغتر ببعض ما يردده الشيعة أن هذا الدعاء مخصصٌ لطلب قضاء الحاجات! ولنوازن الآن بين هذا الدعاء إذا ما جردناه من الغلو الشيعي المقترن بالتوسل البدعي، وهو قوله: "اللهم لا تجعل لمصر حاجة إلى لئيم"، وقارن بينها وبين دعوات قضاء الحاجات في الكتاب والسنة، ومنها:
1- دعوة ذي النون إذ هو في بطن الحوت: (لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ) (الأنبياء: 87).
2- قوله -صلى الله عليه وسلم-: (يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ بِرَحْمَتِكَ أَسْتَغِيثُ أَصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّهُ وَلَا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ أَبَدًا) (رواه النسائي والحاكم، وحسنه الألباني).
3- قول النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-: (اللَّهُمَّ اكْفِنِي بِحَلَالِكَ عَنْ حَرَامِكَ، وَأَغْنِنِي بِفَضْلِكَ عَمَّنْ سِوَاكَ) (رواه الترمذي، وحسنه الألباني).
4- (اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنَّ لَكَ الْحَمْدَ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، الْمَنَّانُ بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني).
وازن بين هذه الأدعية الواردة في القرآن أو في كتب السنة، وبين ما استعاره الخطيب من كتب الشيعة لترى الفرق، حتى في المسألة ذاتها وعمومها، وتفويض الأمر لله فيها؛ فضلًا عما يُشعِر به دعاء الخطيب -لا سيما ومصر ليست في حاجة ظاهرة لأحدٍ بفضل الله- وإن كانت شأنها شأن غيرها تحتاج إلى التكامل مع الأشقاء، والتعاون مع الأصدقاء.
مسألة: مخالفة الدعاء المذكور للأدب مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:
كل منزلة في الإسلام حازها مسلمٌ فالفضل فيها لله أولًا، ثم لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ يستوي في ذلك آحاد المؤمنين مع أفاضل خيارهم -كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وخديجة وفاطمة وعائشة -رضي الله عنهم أجمعين-. ومِن ثَمَّ فلما أراد الله الثناء على صحابة رسوله -صلى الله عليه وسلم- قدَّم الثناء عليه -صلى الله عليه وسلم- فقال: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ) (الفتح: 29)، ثم أثنى على الصحابة معرِّفًا إياهم بكونهم (وَالَّذِينَ مَعَهُ) -صلى الله عليه وسلم-.
وفاطمة -رضي الله عنها- هي ابنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ومن الصحابيات الجليلات؛ فجمعت شرف الصحبة وشرف البنوة، وكله راجعٌ لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ومن ثمَّ فالمتصور لدى الداعي -حال ظنه أنَّه يشرع التوسل بجاه آل البيت أو بحقهم- أن يقول: "بحقِّ محمدٍ -صلى الله عليه وسلم- وآل بيته"، أو لو أراد أن يخص مِن آل البيت فاطمة وعلي، والحسن والحسين -رضي الله عنهم- فلا بأس أيضًا أن يقول: "بحقِّ محمدٍ -صلى الله عليه وسلم-، وفاطمة وعلي، والحسن والحسين".
أما أن يجعل الصدارة في الكلام لفاطمة -رضي الله عنها- ويؤخر ذِكْرَ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- ثم يأتي به منسوبًا إليها فيقول: "وأبيها!"؛ مع أن الكلام إنما ابتدأه الداعي ولم يكن مسبوقًا بذكر أمر يخص فاطمة -رضي الله عنها-، ثم يختم بالدعاء لها كغرض أصيل ثم بأبيها وبعلها وبنيها؛ فأين هذا من قوله -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ أن اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (الحجرات: 1)؟!
والعجيب: أن يصدر هذا مِمَّن يتبنَّى الكثير من البدع التي فيها غلوٌّ في النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-؛ بدعوى أن الأدب مقدَّمٌ على الامتثال!
وهنا يظهر لك أثر الأصل الشيعي للدعاء؛ فعبثًا ستحاول لو أردتَ أي تفسير معقول لأن يفعل رجلٌ عاقلٌ هذا التقديم والتأخير الذي لا معنى له!
بطلان "السر المستودع!" وحقيقة الدعاء الشيعي:
فإذا رجعنا لكتاب "الأسرار الفاطمية في المقامات الملكوتية والمعاني الروحانية للسيدة فاطمة الزهراء"، والذي أحالنا عليه الشيخ الدكتور محمود الشال سيبطل عجبنا؛ حيث يقول في (ص 59) في بيان الاحتمالات المختلفة لـ"السر المستودع" الوارد في الدعاء: (قد يكون السر هو ما أشارت إليه الرواية المروية في شأن الحديث القدسي المروي عن لسان جابر بن عبد الله الأنصاري عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن الله -تبارك وتعالى- أنه قال: "يا أحمد لولاك لَمَا خلقت الأفلاك، ولولا عليٌّ لَمَا خلقتك، ولولا فاطمة لَمَا خلقتكما!"؛ أي: إن العلة الغائية لخلقكما كما يظهر من الحديث القدسي هو وجود فاطمة -عليها السلام-.
إذًا فالكتاب -وإن كان مؤلفه منتسبًا للشيعة الاثني عشرية- فهو يلامس عقائد الباطنية الذين يؤلِّهون البشر، وهو هنا يرفع عليًّا فوق النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- ويرفع فاطمة فوق الاثنين؛ سبحانك ربي هذا بهتانٌ عظيمٌ!
وبالطبع نحن نجزم أن الدكتور سيد عبد الباري لا يقصد تلك العقائد الكفرية، ولكن تورط في نقل دعاء، فلَمَّا استشكله الناس تبرع زميلٌ له لكي ينقذه من تهمة الابتداع والاختراع، فأحالنا على مصدر الدعاء. وكان مِمَّا استشكلناه أن تُقدَّم فاطمة -رضي الله عنها- على النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-، فلَمَّا رجعنا إلى مَنْ خرَّج الدعاء من عندهم، وجدناهم يرون أنه لولاها لَمَا خُلِقَ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-!
مسألة: ما هو السر المستودع عند فاطمة؟
لقد اختار الداعي أن يدعو بحقِّ "السر المستودع عند فاطمة"، وليس في ديننا سرٌّ مستودعٌ لا عند فاطمة ولا عند علي، ولا عند أحد من الصحابة. روى البخاري عن أبي جحيفة قال: "قلت لعليٍّ -رضي الله عنه-: هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ مِنَ الْوَحْيِ إِلَّا مَا فِي كِتَابِ اللهِ؟ قال: وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ، مَا أَعْلَمُهُ إِلَّا فَهْمًا يُعْطِيهِ اللهُ رَجُلًا فِي الْقُرْآنِ، وَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ. قُلْتُ: وَمَا فِي الصَّحِيفَةِ قَالَ: الْعَقْلُ، وَفَكَاكُ الْأَسِيرِ، وَأَلَّا يُقْتَلَ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ" (رواه البخاري).
وبالتالي فنحن لا يجوز أن نردد خلفه شيئًا لا نعرفه؛ فضلًا أن نسأل الله به.
ولا ندري: هل سأل نفسه قَبْلَ ترديد الدعاء لكي يستحضر النية ساعة الطلب ما هو ذلك السر المستودع؟!
لقد حاول الكثيرون أن يفسروا هذا بقصة ما أسرَّه النبيُّ لفاطمة -رضي الله عنها- في آخر حياته، وهو ليس سرًّا مستودعًا، ولا تعلق له بتبليغ الشرائع، ومع هذا فقد ذكرته لنا فاطمة -رضي الله عنها-؛ وهو: أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- أخبرها أنها أول أهله لحوقًا به، وقد كان، فلم يعد هناك سرٌّ مستودعٌ، بل علمناه ثم صار واقعًا.
وأمَّا الكتاب الذي أحالونا عليه فذكر لهذا السر المستودع معانٍ بعضها أفسد من بعض:
1- قالوا هو المهدي ويعنون بهم مهديهم الخرافي، وأنَّ فاطمة -رضي الله عنها- أخبرت أبناءها بكونهم سيكون منهم أئمة إلى أن يختفي منهم أحدهم في السرداب.
2- أن السر المكنون ولاية وإمامة وعصمة أبنائها على ما يدعيه الشيعة.
3- أن لديها سر الأئمة.
4- أن عندها علومًا ربانية خاصة -منها "مصحف فاطمة" المزعوم-، وهي -على زعمهم- أحاديث دارت بينها وبين جبريل -عليه السلام- بعد وفاة النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- (وكان عليٌّ يكتب)، وبقي هذا يسمى عندهم مصحف فاطمة، وهو -على زعمهم- سرٌّ تناقلته أئمتهم منذ عليٍّ -رضي الله عنه-.
5- أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- ما خُلِقَ إلا من أجلها -كما تقدَّم ذكره-.
6- أن عندها هي وعليٌّ -رضي الله عنهما- اسم الله الأعظم.
وذكر الكتاب المذكور نقلًا عن تفسير العياشي أنها هددت الصحابة بالدعاء عليهم به لكي يتركوا عليًّا، ولا يجبرونه على بيعة أبي بكر -رضي الله عنه- بزعمهم! وذكروا في ذلك تفاصيل يندى لها الجبين؛ فقال في (ص 61): "قادوا عليًّا -عليه السلام- في يوم سقيفة بني ساعدة للبيعة فخرجت -نفسي لها الفداء- تجر أذيالها "يعني خرجت فاطمة خلفه تجر أذيالها" خلف ابن عمها، وهي تقول: خلوا ابن عمي أو لأكشفن رأسي للدعاء؛ حيث يقول سلمان: فخرجت فاطمة -عليها السلام- فقالت: يا أبا بكر أتريد أن ترملني من زوجي؟! والله لئن لم تكف عنه لأنشرن شعري ولأشقن جيبي، ولآتين قبر أبي، ولأصيحن إلى ربي. فأخذت بيد الحسن والحسين -عليهما السلام-، وخرجت تريد قبر النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-.
فقال علي -عليه السلام- لسلمان: أدرك ابنة محمد -صلى الله عليه وآله وسلم- فإني أرى جنبتي المدينة تكفيان، والله إن نشرت شعرها، وشقت جيبها، وأتت قبر أبيها، وصاحت إلى ربها لا يناظر بالمدينة أن يخسف بها وبمن فيها. فأدركها سلمان -رضي الله عنه- فقال: يا بنت محمد، إن الله بعث أباك رحمة فارجعي. فقالت: يا سلمان يريدون قتل عليٍّ ما على عليٍّ صبر، فدعني حتى آتي أبي فأنشر شعري، وأشق جيبي، وأصيح إلى ربي. فقال سلمان: إني أخاف أن تخسف بالمدينة، وعلي -عليه السلام- بعثني إليك ويأمرك أن ترجعي إلى بيتك وتنصرفي. فقالت: إذًا أرجع وأصبر، وأسمع له وأطيع!".
وانظر إلى ما ينسبونه لفاطمة -رضي الله عنها- من فعل أمور هي من الكبائر بزعم الدعاء باسم الله الأعظم؛ ولا أدري طالما كان لدى فاطمة -رضي الله عنها- ذلك السلاح الفتاك فلماذا لَمْ تستعمله في ردِّ اعتداء أبي بكر المزعوم عليها، والذي تسبب في سقوط حملها -كما زعموا!-.
ونكتفي بهذا القدر في هذه المقالة على أن نستكمل مناقشة التوسل بين المشروع والممنوع في مقالة قادمة -بإذن الله-.
ملحق: مقتطفات من كتاب "نظرة في فكر الشيعة" للشيخ إسماعيل صادق العدوي:
- قال في (ص 74) وما بعدها: "أحب أن أضيف إلى حضراتكم شيئًا؛ كل مسلم سبَّ مسلمًا فهو عاصٍ، وحرَّم الله سبَّ الكافر حتى لا يُسَبَّ الإسلام: (وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ) (الأنعام: 108).
- (سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ) (رواه البخاري ومسلم)، فسب المسلم من المعاصي، أمَّـا سب مسلم ذي شأن عند الله فهذا تكذيبٌ لِمَا جاء به القرآن وتكذيبٌ لله؛ إذ الله يمتدح واحدًا وأنت تسبُّه، فمَنْ نصدق؟ هل نصدق الله -جل شأنه- أم نصدق الشيعي؟ والله -تعالى- يقول: (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا) (النساء: 122)، (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا) (النساء: 87).
إنَّهم يسبون علنًا بلا حياء! يسبون الصحابة الأجلاء! فيسبون سيدنا أبا بكر سبًّا فاضحًا، ويسبون سيدنا عمر -رضي الله عنه-، ويسبون السيدة عائشة سبًّا مجرحًا. يقول الله -تبارك وتعالى- في كل أمهات المؤمنين: (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ) (الأحزاب: 6)؛ فكيف تسب أم المؤمنين وهي حبه -صلى الله عليه وسلم- التي كان يميل قلبه إليها ويقول: "اللَّهُمَّ هَذَا قَسْمِي، فِيمَا أَمْلِكُ فَلَا تَلُمْنِي، فِيمَا تَمْلِكُ، وَلَا أَمْلِكُ" (رواه أبو داود، وضعفه الألباني)؟!
-سيدنا أبو بكر -رضي الله عنه- يقول الله في حقه: (وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى . إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى . وَلَسَوْفَ يَرْضَى) (الليل: 19- 21). فَيُقْدَحُ فيه ويُسَبُّ؛ لأنَّه بويع بالخلافة! لو كان سيدنا عليٌّ حيًّا ما وسعه إلا أن يُقَبِّحَ فِعْلَهم؛ فما قولهم في سيدنا أبي بكر -رضي الله عنه- وقد وَرَدَ في الحديث -حديث الحب- عندما يقول سيدنا أبو بكر لسيدنا الحسين -رضي الله عنه- في مداعبة: يا حسين، والله ما أنت شبيه بعلي، ولكنك شبيه بالنبي. المداعبات والملاطفات والحب والاشتراك في معاني الإسلام، وحمل راية الدِّين.
والذي نزل القرآن في شأن سيدنا عمر، ونزلت آية الحجاب، وجاء القرآن على لسانه تحقيقًا لأمنيته؛ فعندما قال: يا رسول الله، أحب أن أصلي في مقام إبراهيم، فنزل قول الله -تعالى-: (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى) (البقرة: 125). وعندما قال: "فتبارك الله أحسن الخالقين"، نزل الوحي بها: (فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ) (المؤمنون: 14).
هل يُسبُّ سيدنا عمر وسيدنا أبو بكر وتُسبُّ السيدة عائشة بهذا الإقدام الجريء، وهذه الجرأة الحمقاء على صحابة سيدنا محمد -صلى الله عليه وسلم-؟
ما القول؟ نحن نتكلم علميًّا بلا عواطف.
إن سبَّ المسلم وصف بالفسق؛ سبُّ المسلم العام من عموم المسلمين؛ أمَّا سبُّ الصحابي فما جريمة ذلك؟ ما جزاء ذلك؟ إنَّه تكذيبٌ لفضل الله على العباد.
شيءٌ آخر أضيفه: عندما يأتي الحديث عندهم "لا عزاء بعد ثلاث" وهو يظل العزاء من سنة 61 هـ إلى سنة 1400 هـ؛ يعني ألف وثلاثمائة وتسع وثلاثين سنة عزاء! ويخرج الناس في بقاع الأرض بصورة ينكرها الإسلام وينكرها الدِّين: (لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ) (رواه ابن ماجه، وصححه الألباني)، (وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) (البقرة: 195)، فكل منهم يمسك سيفه أو خنجره ويضرب صدره في يومين في السنة؛ في يوم العاشر من المحرم، وفي يوم العشرين من صفر، وفي يوم الأربعين! ولم يكن أربعون في الإسلام، ولم تكن هناك هذه الصور البشعة التي يبتدعها هؤلاء تبعًا لعقيدتهم.
فرقٌ شاسعٌ حتى إذا كانت هناك موافقة على بعض المسائل؛ ما هذا الذي يحدث؟
هل هذا من العقيدة؟ أن يقتل المسلم بيده؟ وورد في الحديث القدسي في المنتحر: (بَادَرَنِي عَبْدِي بِنَفْسِهِ، فَحَرَّمْتُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ) (رواه البخاري ومسلم).
فيضرب صدره بالسيف وبالحجر، ويُدمى الناس في الطرقات وفي الشوارع؛ ما هذا؟ ما المرجع في ذلك من سننهم؟ هل ورد حديثٌ عن الإمام عليٍّ أو عن الإمام سيدنا الحسن أو سيدنا الحسين، أو علي زين العابدين، أو سيدنا محمد الباقر، أو سيدنا جعفر الصادق؟
هل ورد حديثٌ واحدٌ أو وصيةٌ واحدةٌ أن يقتل الناس أنفسهم وأن يضرب الناس أنفسهم بهذا، إنهم يحققون عقيدتهم من أصول عندهم ويرجعون شيعتهم إلى الكتاب والسنة وإلى محبة الرسول وإلى غير ذلك من الأحاديث؟ هل هذا في الأئمة؟ وهل فعل إمامٌ من الأئمة مثل ما يفعلون في هذا الوقت ومن سابق العهد؟! لم يحدث هذا إطلاقًا؛ إذ المذهب أصلًا مبتدع، وابتدع فوق المبتدع".
نكتفي بهذا القدر من النقل عن هذا الكتاب النافع في بيان فساد مذهب الشيعة وخطورته.
والحمد لله أولًا وآخرًا.