كتبه/ علاء بكر
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فيبدأ فصل الشتاء في النصف العلوي من الكرة الأرضية الذي فيه يقع العالم القديم (أوروبا وآسيا وشمال إفريقيا) في يوم 21 ديسمبر من كل عام، وتكون خلاله الشمس متعامدة على نصف الكرة الأرضية الجنوبي.
ويسبق فصل الشتاء فصل الخريف بمناخه المتقلب، ويعقبه فصل الربيع بمناخه المعتدل. ويتسم فصل الشتاء هذا بظواهر ومظاهر متعددة جعلها الله -تعالى- تميزه عن باقي فصول العام، وهذه الظواهر والمظاهر هي من نعم الله -تعالى- على عباده، وفيها الدلائل على قدرة الله -تعالى- في الخلق والإيجاد، وفيها البرهان على قدرة الله -تعالى- على البعث والنشور بعد الموت.
وأشهر هذه الظواهر: نزول المطر وما يصحبه من سحب وضباب ورعد وبرق ورياح، مع برودة الجو. ولا شك في أن تنوع نزول المطر من فصل لآخر واختلاف درجات الحرارة من فصل لآخر يساعد على تنوع المزروعات والمحاصيل والنباتات بما يناسب احتياجات الناس ومعاشهم، فهناك مزروعات ومحاصيل تحتاج المياه الكثيرة، وأخرى تتحمل درجات الحرارة العالية وأخرى يضرها ذلك، وهناك مزروعات ومحاصيل تتحمل قلة المياه وأخرى تتحمل برودة الجو، وأخرى يضرها ذلك، وهناك مزروعات تتناسب مع البيئة الصحراوية في جفافها وتطرف مناخها، بشدة حرارة النهار وشدة برودة الليل، فتتحمل ما لا يتحمله غيرها من المزروعات. ومع تنوع المزروعات والمحاصيل من موسم إلى آخر ومن مكان إلى آخر يكون التكامل بالتبادل التجاري، مقايضة أو بيع وشراء، داخل الدولة الواحدة أو بين الدول المختلفة.
وهذا التنوع والتكامل هو من نعم الله -تعالى- على عباده، كما امتن بذلك الله -تعالى- على قريش في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ إذ كان أهل مكة يمارسون هذه الصور من التجارة، فتخرج قوافلهم التجارية إلى اليمن في الشتاء وتخرج إلى الشام في الصيف، فتمد أهل مكة بما يحتاجون إليه في معاشهم من المزروعات والمنتجات مما يتوفر في اليمن أو الشام ولا يتوفر عندهم، وهي سنة الحياة منذ قديم الزمان إلى اليوم؛ قال الله -تعالى-: (لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ . إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ . فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ . الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ) (قريش: 1-4).
قال ابن كثير -رحمه الله-: (قيل المراد بذلك ما كانوا يألفونه من الرحلة في الشتاء إلى اليمن وفي الصيف إلى الشام في المتاجر وغير ذلك، ثم يرجعون إلى بلدهم آمنين في أسفارهم لعظمتهم عند الناس لكونهم سكان الحرم، فمن عرفهم احترمهم).
وفي التفسير الميسر: (أي: من الواجب على أهل مكة أن يخلصوا العبادة لله، الذي جمعهم بعد تفرق وألف بينهم بعد شتات، ويسر لهم رحلة الشتاء إلى اليمن، ورحلة الصيف إلى الشام).
وجاء في تفسير الشيخ عبد الرحمن السعدي -رحمه الله- (تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان) في قول الله -تعالى- (لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ): (قال كثير من المفسرين: إن الجار والمجرور متعلق بالسورة التي قبلها) يعني سورة الفيل (أي: فعلنا ما فعلنا بأصحاب الفيل لأجل قريش وأمنهم واستقامة مصالحهم، وانتظام رحلتهم في الشتاء لليمن، وفي الصيف للشام، لأجل التجارة والمكاسب. فأهلك الله من أرادهم بسوء، وعظم أمر الحرم وأهله في قلوب العرب حتى احترموهم، ولم يعترضوا لهم في أي سفر أرادوا، ولهذا أمرهم الله بالشكر فقال: (فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ).
ومن أهم ظواهر الشتاء ومظاهره التي تناولها القرآن الكريم في الكثير من آياته التي يذكر بها عباده ويمتن بها عليهم، أو يعرفهم من خلالها على سننه الكونية وسننه الشرعية المرتبطة بها:
إنزال المطر:
إذ يكثر في فصل الشتاء نزول المطر، فهو من أهم مظاهر الشتاء وظواهره، ومع نزول المطر تتبدل الحياة وتتجدد، فلا قوام للحياة بدون الماء، فتمتلئ الأنهار بالمياه العذبة التي تجري بالماء على ظاهر الأرض لمسافات طويلة ولشهور عديدة، وتتسرب مياه إلى داخل الأرض فيتحول باطن الأرض إلى خزانات جوفية للماء العذب يأخذ منها الإنسان عند الحاجة من خلال الينابيع والآبار.
تنتفع بمياه هذه الأمطار الأرض في كل مكان، فتنبت وتخضر وتنتج أنواعها الكثيرة من النباتات والمحاصيل والأشجار بأشكال وألوان وطعم يختلف بعضها عن بعض بصور يصعب حصرها، وهي منة من الله عظيمة؛ إذ لا استمرار للحياة على الأرض إلا بها، إذ يأكل منها البشر على اختلاف ألوانهم، والحيوانات على اختلاف فصائلهم، والطيور بكل أنواعها، مما يستوجب قطعًا على العباد الشكر لله -تعالى- عليها، ويستحق بها إفراده وحده سبحانه و-تعالى- بالعبادة دون غيره.
وقد نبهت على تلك المعاني آيات قرآنية كثيرة:
ففي تكوين الأنهار والينابيع وإسكان ماء المطر في الأرض قال -تعالى-: (أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) (النمل: 61)، وقال -تعالى-: (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا . كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا . وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ) (الكهف: 32-34). وقال -تعالى-: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ..) (الزمر: 21)، وقال -تعالى-: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ) (الملك: 30).
وقال -تعالى-: (أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ) (الرعد: 17)، وقال -تعالى-: (وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ) (المؤمنون: 18)، وقال -تعالى-: (وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا . لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا . وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا) (الفرقان: 48-50).
وفي إنبات المزروعات المختلفة من ماء المطر:
قال -تعالى-: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا) (فاطر: 27)، وقال -تعالى-: (وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا . لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا . وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا) (النبأ: 14-16)، وقال -تعالى-: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ) (السجدة: 27)، وقال -تعالى-: (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (البقرة: 22)، وقال -تعالى-: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ) (إبراهيم: 32)، وقال -تعالى-: (وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) (الرعد: 4)، وقال -تعالى-: (وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) (الأنعام: 99).
وقال الله -تعالى-: (وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) (الأنعام: 141)، وقال -تعالى-: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ . يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (النحل: 10-11)، وقال -تعالى-: (وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى . كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى) (طه: 53-54).
وقال -تعالى-: (وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ . فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ . وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ) (المؤمنون: 18-20)، وقال -تعالى-: (وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ) (النمل: 60)، وقال الله -تعالى-: (وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ . وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ . رِزْقًا لِلْعِبَادِ) (ق: 9-11).
وقد يسقى بماء المطر بلاد دون بلاد، أو قرية دون أخرى، (وقد يؤمر بأن يسقى زرع رجل واحد دون سواه، كما في الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (بَيْنَا رَجُلٌ بِفَلَاةٍ مِنَ الْأَرْضِ فَسَمِعَ صَوْتًا فِي سَحَابَةٍ: اسْقِ حَدِيقَةَ فُلَانٍ، فَتَنَحَّى ذَلِكَ السَّحَابُ فَأَفْرَغَ مَاءَهُ فِي حَرَّةٍ، فَإِذَا شَرْجَةٌ مِنْ تِلْكَ الشَّرَاجِ قَدِ اسْتَوْعَبَتْ ذَلِكَ الْمَاءَ كُلَّهُ، فَتَتَبَّعَ الْمَاءَ فَإِذَا رَجُلٌ قَائِمٌ فِي حَدِيقَتِهِ يُحَوِّلُ الْمَاءَ بِمِسْحَاتِهِ، فَقَالَ لَهُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ مَا اسْمُكَ؟ قَالَ: فُلَانٌ، لِلِاسْمِ الَّذِي سَمِعَ فِي السَّحَابَةِ، فَقَالَ لَهُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ لِمَ تَسْأَلُنِي عَنِ اسْمِي؟ قَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ صَوْتًا فِي السَّحَابِ الَّذِي هَذَا مَاؤُهُ يَقُولُ: اسْقِ حَدِيقَةَ فُلَانٍ لِاسْمِكَ، فَمَا تَصْنَعُ فِيهَا؟ قَالَ: أَمَّا إِذْ قُلْتَ هَذَا فَإِنِّي أَنْظُرُ إِلَى مَا يَخْرُجُ مِنْهَا فَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثِهِ، وَآكُلُ أَنَا وَعِيَالِي ثُلُثًا، وَأَرُدُّ فِيهَا ثُلُثَهُ) (رواه مسلم) (راجع: عالم الملائكة الأبرار) د. عمر سليمان الأشقر - ط. دار الفلاح - دار النفائس ط. السادسة - 1412 هجريا - 1991م، ص 80-81).
وقد ورد في الحديث أن هناك مَلَكًا موكلًا بالقطر وتصاريفه حيث يأمره الله -عز وجل-، ولهذا المَلَك أعوان من الملائكة يفعلون ما يأمرهم به بأمر ربه، فيتم تصريف الرياح والسحاب والماء كما يشاء الله عز وجل ويأمر به (راجع في ذلك: معارج القبول، للشيخ حافظ بن أحمد حكمي ط. مركز الهدى للدراسات - ط. أولى - 1418 هجريا - 1997م، ص 89).
وفي الانتفاع بماء المطر العذب في الشراب:
قال -تعالى-: (أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ . أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ . لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ) (الواقعة: 68-70)، وقال -تعالى-: (وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا) (المرسلات: 27). والماء الفرات: الماء العذب. وقال -تعالى-: (وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ) (الحجر: 22)، وقال -تعالى-: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ) (النحل: 10).
وقال -تعالى-: (وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا . لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا) (الفرقان: 48-49)، وقال -تعالى- في شأن مريم -عليها السلام-: (فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا . وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا . فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا) (مريم: 24-26).
وفي الانتفاع بماء المطر في التطهر إذ هو طاهر مطهر:
قال -تعالى-: (وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ) (الأنفال: 11)، وقال -تعالى-: (وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا) (الفرقان: 48).
وفي إحياء الأرض الميتة بماء المطر:
قال -تعالى-: (وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ) (البقرة: 164)، وقال -تعالى-: (وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ) (النحل: 65)، وقال -تعالى-: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ) (الحج: 63).
وفي الاستدلال بهذا الإحياء للأرض الميتة على البعث والنشور يوم القيامة:
قال -تعالى-: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (فصلت: 39)، وقال -تعالى-: (وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ) (الزخرف: 11)، وقال -تعالى-: (وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (الأعراف: 57).
وقال -تعالى-: (وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ . ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ . وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ) (الحج: 5-7)، وقال -تعالى-: (وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ) (فاطر: 9).
وقد يمنع الله -تعالى- المطر أو يقلله عقوبة أو ابتلاء، فشرع للعباد مع التوبة والاستغفار صلاة الاستسقاء ودعاء الاستسقاء كأسباب شرعية لرفع هذه العقوبة أو هذا الابتلاء: قال -تعالى-: (وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ) (البقرة: 60)، وقال -تعالى-: (وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) (الأعراف: 160). والاستسقاء: هو طلب السقيا، أي: المطر.
ومن رحمة الله بعباده أن يغيثهم برحمته إذا غلبتهم المجاعة أو القحط أو أصابهم نقص في الثمرات:
قال -تعالى-: (وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ) (الشورى: 28)، وقال -تعالى-: (إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ) (لقمان: 34).
وإزاء هذه النعم الربانية جاءت السُّنة النبوية بصور من الذكر والدعاء، وهي شكر اللسان، إلى جانب شكر القلب والجوارح لهذه النعم: ففي الصحيحين عن زيد بن خالد الجهني -رضي الله عنه- قال: صلى بنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- صلاة الصبح بالحديبية في إثر سماء (أي مطر) كانت من الليل، فلما انصرف (أي من صلاته أو مكانه) أقبل على الناس، فقال: (هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟) قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: (قَالَ: أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ؛ فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ؛ وَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ) (رواه البخاري ومسلم).
قال ابن عثيمين -رحمه الله- في شرحه لرياض الصالحين: (وفي هذا الحديث نعرف أنه ينبغي للإنسان إذا جاء المطر أن يقول: مطرنا بفضل الله ورحمته).
وفي هذا نزل قول الله -عز وجل- في سورة الواقعة: (أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ . وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ) (الواقعة: 81-82). أي: (وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ): شكركم (أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ): تكذبون بدل الشكر، تقولون مطرنا بنوء كذا وكذا بنجم كذا وكذا. وعن مجاهد: (وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ) قال: قولهم في الأنواء مطرنا بنوء كذا وبنوء كذا، يقول: هو من عند الله، وهو رزقه. وهكذا قال الضحاك وغير واحد. (انظر تفسير ابن كثير).
وجاء في الصحيح عن عائشة -رضي الله عنها-: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان إذا رأى المطر قال: (اللَّهُمَّ صَيِّبًا نَافِعًا) (رواه البخاري). والصَّيِّب: المطر الكثير، وقيل المطر الذي يجري ماؤه.
وفي دعاء الاستسقاء في الحديث قوله -صلى الله عليه وسلم- في الدعاء: (اللَّهُمَّ أَسْقِنَا غَيْثًا مُغِيثًا مَرِيئًا مَرِيعًا نَافِعًا غَيْرَ ضَارٍّ، عَاجِلًا غَيْرَ آجِلٍ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني).
وعند أبي داود وحسنه الألباني -رحمه الله- في صحيح أبي داود عن عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما- قوله -صلى الله عليه وسلم- في دعاء الاستسقاء: (اللَّهُمَّ اسْقِ عِبَادَكَ وَبَهَائِمَكَ، وَانْشُرْ رَحْمَتَكَ، وَأَحْيِ بَلَدَكَ الْمَيِّتَ).
فإذا توقف نزول المطر بعد إجابة دعاء الاستسقاء كان من دعائه -صلى الله عليه وسلم-: (اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا، اللَّهُمَّ عَلَى الْآكَامِ وَالظِّرَابِ وَبُطُونِ الْأَوْدِيَةِ وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ) (رواه البخاري ومسلم).
وللحديث بقية -إن شاء الله-.