الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ ياسر برهامي
الإثنين 05 يناير 2026 - 16 رجب 1447هـ

إدارة الاختلاف داخل العمل الجماعي

كتبه/ محمد صادق

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

في العمل الجماعي، لا يخلو الطريق من اختلاف وجهات النظر، وهذا الاختلاف ليس علامة ضعف، بل في كثير من الأحيان دليل حياة ونضج، إذا أُحسن التعامل معه، ووُضع في سياقه الصحيح، وخضع لآلية واضحة من الشورى والانضباط.

المشكلة لا تبدأ من وجود رأي مختلف،  بل تبدأ حين نفقد الميزان؛  إما أن نُغلّق الأبواب أمام أي ملاحظة، أو نفتحها بلا ضوابط حتى تتحول الآراء إلى توتر وتنازع، وتغيب الشورى لصالح الأصوات الأعلى، والحكمة دائمًا في الوسط.

أولًا: الاختلاف سُنّة كونية.. وليس أزمة:

لو تأملنا تاريخ العمل الإسلامي؛ لوجدنا أن الاختلاف كان حاضرًا منذ بداياته؛ فقد اختلف الصحابة في فهم بعض النصوص، ومع ذلك بقوا صفًا واحدًا، تنوعت اجتهاداتهم في الفقه، ولم يكن ذلك سببًا للتباغض.

وتعددت مدارس العلم، فكان في ذلك ثراء لا تهديدًا، فالاختلاف لم يكن المشكلة يومًا، وإنما المشكلة كانت -ولا تزال- في طريقة إدارة الاختلاف، وضبطه بالشورى، وتحويله من ساحة صراع إلى مساحة تكامل.

ثانيًا: لماذا نحتاج أحيانًا إلى الرأي المختلف؟

في أي فريق يعمل بروح جماعية، قد يحدث -بحسن نية- أن تسود رؤية واحدة، ليس لأنها الأفضل دائمًا، بل لأنها الأكثر حضورًا أو تأثيرًا.

ووجود رأي مختلف داخل إطار الشورى يساعد على:

- لفت الانتباه إلى زوايا لم تكن في الحسبان.

- مراجعة بعض القرارات قبل أن تستقر.

- منع التسرُّع، خاصة في القضايا الحساسة.

وهذا لا يعني أن كل رأي مختلف صواب، بل يعني أن سماع الرأي المختلف مرحلة من مراحل الشورى، لا تهديدًا للقيادة ولا تعطيلًا للقرار.

ثالثًا: النقد في العمل الجماعي متى يكون نافعًا؟

النقد البنَّاء في البيئة الجماعية له ملامح واضحة؛ منها:

1- نية الإصلاح لا نية التصحيح القهري؛ فالناصح لا يأتي ليقول: "أنا أفهم"، بل ليقول: "قد نكون بحاجة لإعادة نظر، ضمن إطار الشورى".

2- احترام المقامات والمسؤوليات: فليس كل رأي يُطرح في كل وقت، ولا كل ملاحظة تُقال في كل مجلس، والتقدير لا يلغي النصيحة، لكنه يضبطها.

3- تقديم البديل قبل الإلحاح: فالنقد الذي لا يصاحبه اقتراح عملي، قد يزيد الإرباك أكثر مما يحقق الإصلاح.

4- القبول المبدئي بإمكانية الخطأ: فكلنا نخطئ، والناقد كما المسؤول بحاجة إلى هذا التواضع الداخلي.

رابعًا: القائد المتوازن.. كيف يتعامل مع الرأي المختلف؟

القائد الناجح في العمل الجماعي:

- لا يتوجس من السؤال.

- لا يربط بين الاختلاف وسوء النية.

- يستمع أكثر مما يرد.

- ويُفعِّل آلية الشورى بوضوح، لا مجاملة ولا فوضى.

وليس مطلوبًا من القائد أن يقتنع بكل رأي، لكن المطلوب أن يمنح صاحبه الشعور بالاحترام، والطمأنينة أن رأيه سُمع داخل الشورى، حتى لو لم يُؤخذ به.

خامسًا: كيف نحمي العمل الجماعي من التوتر باسم الاختلاف؟

حتى لا يتحول الاختلاف إلى عبء، نحتاج إلى ضوابط عملية واضحة:

- ترسيخ قاعدة: الاجتهاد يُناقش في الشورى، والقرار الجماعي يُلتزم به.

- التفريق بين النقاش قبل القرار، والانضباط بعده.

- تدريب الأفراد على التعبير الهادئ لا التصعيد.

- تذكير الجميع بأن المقصد واحد، وإن اختلفت الطرق.

بهذا يتحول الاختلاف إلى وسيلة نضج، لا سبب فرقة.

سادسًا: بين المجاملة والجرأة.. أين نقف؟

المجاملة الزائدة تُضعف المشروع، والجرأة المنفلتة تُضعف العلاقات. والميزان الدقيق هو: صدق بلا قسوة، ولطف بلا تمييع، ونصيحة لا تجرح ولا تُدفن، والتزام بالشورى لا انفراد في الطريق.

الخاتمة:

- العمل الجماعي يزدهر حين يجتمع الصدق مع الانضباط.

- العمل الجماعي لا يقوم على صوت واحد، ولا ينجح بعقل واحد، ولا يستمر إلا حين يتسع للرأي المختلف، ويحفظ مكانة المسؤول، ويُلتزم فيه بقرار الشورى، ويُجعل من الاختلاف جسرًا للتكامل لا ساحة للخصومة.

- فلْيكن بيننا من يقول رأيًا مختلفًا، ولنكن قادرين على سماعه بهدوء، ثم نتحرك جميعًا -بعد الشورى- في اتجاه واحد؛ فالاختلاف حين يُدار بحكمة، لا يُضعف الصف.. بل يحفظه حيًّا ومتوازنًا.