أثر العربية في نهضة الأمة (17)
كتبه/ ساري مراجع الصنقري
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فإنّه لَيُسعدني جدًّا أن أضع بين أيدي القُرّاء الأعزّاء هذا الكلام النَّفيس، في ثوبه المُفصَّل المُحكَم، للكاتب الكبير د. إبراهيم مدكور (1902 - 1995م)، وهو يربط فيه ماضي العربية الذي اكتسبت به مناعةً حمتها من حملات الأعداء والمُغرضين، بحاضرها القادر دائمًا على الإصلاح والتجديد والنمو والتقدم.
فقد قال -رحمه الله-: (حياة كُلِّ لُغةٍ في أمرين هامَّيْن: ماضٍ له قداسته، وحاضرٍ له متطلباته، واللغات الحيَّة هي تلك التي تعتز بماضيها وحاضرها معًا. وماضي اللغة تراثٌ أدبيٌّ من نثرٍ ونظم، وتراثٌ فكريٌّ من علمٍ وفلسفة. وفي الماضي اللغوي عصورُ ازدهارٍ وعصورُ رُكودٍ، وكثيرًا ما طال الحديث حول عصر الاحتجاج اللُّغويّ: أنقف به عند القرن الثاني للهجرة أو نمدّه إلى القرون التَّالية؟ ولعلّ من الخير ألّا نقف طويلًا اليوم عند هذا الخلاف، لأنّ في عصور الرُّكود الأدبيِّ دورًا لا يصحّ أن نُهملها.
وحاضر اللغة ما تعيش فيه من مستحدثات العمران والمدنية، ومبتكرات العلم والتكنولوجيا، وما تواجهه من مشاكل الفرد والمجتمع، وما تضطلع به من أعباء السلم والحرب، وما تُعبِّر عنه من شؤون المال والاقتصاد والسياسة.
وحاضر اللغة باختصارٍ هو المجتمع في شتَّى مظاهره، وقد عدت بحق ظاهرة اجتماعية تسير بسير المجتمع، وتقف بوقوفه.
وتمتاز العربية -بين اللغات العالمية الكبرى- بأنَّها قديمةٌ وحديثةٌ في آنٍ واحدٍ، واستطاعت أن تسدّ في الماضي حاجةَ العلمِ والحضارة الإسلامية الكبرى، وها هي ذه تواجه متطلبات النهضة العربية المعاصرة، وفي حاضرها ما يملؤنا ثقة بأنفسنا، وما يشعرنا بأنّا نملك حقًّا لغتنا، ونستطيع أن نتصرّف فيها) (انتهى).
فهذه الكلمات إن كانت لَم تُبشَّر بمَن يَفقهُها ويعمل لها مِن ساعتها حتى الآن، فهي ماضيةٌ في طريقها بلا ريبٍ، وحتمًا ستجد من يتفاعل معها تفاعلًا يحفظ لماضيها هيبته وحُرمته، ونواجه به تحدّيات العصر ومقتضياته.
وإلى لقاءٍ قادمٍ -بإذن الله-.
والله المُوفِّق.