الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ ياسر برهامي
الأربعاء 13 ديسمبر 2017 - 25 ربيع الأول 1439هـ

تعريف الإرهابي!

كتبه/ علاء بكر

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فمما ينبغي التنبُّه له أنه إلى اليوم لم يتم الاتفاق على تحديد مَن يُوصف بكونه إرهابيًّا!

وما وُضع مِن تعريفاتٍ للإرهاب لم يبلغ تعريف منها الحد المتفق عليه مِن الجميع؛ إذ أن هناك صورًا متفق على أنها مِن الإرهاب، وأخرى مختلف حولها اختلافًا شديدًا؛ لذا لا نذهب بعيدًا إن قلنا إن التعريفات الموضوعة حتى الآن هي تعريفات فضفاضة، نظرًا للاختلاف والتفاوت الكبير في وصف الإرهاب بيْن الدول؛ إذ هناك مصالح سياسية تجعل كلَّ مَن يضع تعريفًا للإرهاب يسعى إلى إدخال خصومه فيه!

وهذه التعريفات الفضفاضة للإرهاب تشكِّل خطورة بالغة:

- إذ تعطي الحق لمَن شاء أن يُدخل -مِن خلال فهمه هو للتعريف- مَن شاء فيه؛ فيُلحقه بالإرهابيين ويعامله على ذلك، وقد يكون ممَن يقاومون مستعمرًا، أو يدافعون عن وطن أو مستضعفين؛ إذ أن التعريف الفضفاض يسمح للبعض أن يُفَصِّلَه على أي أحد، فرد أو جهة أو جماعة أو حزب أو صاحب مذهب؛ لكونه لا يروق لا سياسيًّا أو أيديولوجيًّا، حتى ولو لم يستعمل العنف ضد أحد!

ولهذا نرى دولة تصنِّف حزبًا -أو جماعة- على أنه إرهابي، ودولة أخرى لا ترى ذلك!

- إن العديد مِن الأنظمة التي لها نزعة استبدادية أو تمُر بعدم استقرار سياسي لا ترى غضاضة في وصف معارضيها بالإرهاب -كما في تركيا مثلًا- لتعطي نفسها الحق في فرض حالة الطوارئ أو اعتقال المخالفين والزجّ بهم في السجون ومحاكمتهم، بل وربما تصفيتهم جسديًّا!

- إن التحالفات الدولية التي أعدت أو تعد لمحاربة الإرهاب ستواجِه هي الأخرى نفس الإشكالية حين تختلف دول هذا التحالف في بعض الصور: هل هي من الإرهاب أم لا؟ وستجد الدول الصغيرة المتحالفة مع الدول الكبرى ضد الإرهاب نفسها، وقد فَرضتْ عليها هذه الدول الكبرى فهمها للإرهاب، والذي قد لا يكون مقبولًا عندها فتُجبر على ما لا تريده، أو تنشق عن التحالف، فتدخل في صراعاتٍ جانبية مع حلفائها القدماء، وقد تتهم بشق الصف في المجتمع الدولي.

- إن المنظمات الدولية لو اعتبرتْ محاربة الإرهاب حقـًّا مِن حقوق الإنسان، كما ظهرتْ دعاوى بذلك، فإنها ستفرض على الشعوب محاربة مَن تراه هذه المنظمات الدولية إرهابيًّا في تعريفها للإرهاب، ومعلومٌ أن هذه المنظمات تخضع لمصالح الدول الكبرى، بل وللصهيونية العالمية كما لا يخفى على كل متابع لنشاطها وقراراتها عبْر عقودٍ مضتْ.

ولا شك أن تعريف الإرهابي يخدم وضع مناهج التعامل مع الإرهاب ومواجهته مواجهة فعالة.

ونظرًا للحاجة لتعريف الإرهابي؛ فهذه محاولة لذلك نبنيها على ما ينبغي أن يتم التوافق عليه حول مفهوم الإرهابي، حيث نتحدث عن ثلاثة عناصر ينبغي أن تكون موجودة في كل مَن يُوصف بالإرهاب، وهي:

1- التطرف في الفكر بعيدًا عن الاعتدال والوسطية.

2- السعي لفرض هذا الفكر على جموع المخالفين له.

3- استخدام العنف أو التهديد باستخدامه ضد الآخرين للوصول لأهدافه.

وعليه فَفَقْدُ واحدٍ مِن هذه العناصر يُخرج فاقده مِن دائرة اعتباره إرهابيًّا، وإن لم يُخرجه مِن دائرة الذم، وسوف نلقي الضوء على كلِّ عنصرٍ مِن هذه العناصر، وما يتعلق به في إيجاز وتبسيط -إن شاء الله-.

تعريف الإرهابي:

أولًا: لا بد أن يكون الإرهابي متطرفًا فكريًّا:

فالإرهابي يحمل رأيًا أو فكرًا بعيدًا عن الاعتدال والوسطية، ولكنه يرى أن الشطط الذي هو عليه هو الصواب الذي ينبغي أن يكون عليه المجتمع ككل، والاختلاف في الرأي سنة كونية لا يمكن منعها ولا تجنبها، ومَن حمل فكرًا خاطئًا فهي مسئوليته الشخصية التي سيحاسَب عليها، لكن يزداد الخطأ وتبعاته بمحاولة فرض هذا الرأي أو الفكر على الآخرين بالقوة والإكراه، وليس بالحوار والإقناع، والإسلام لا يقبل الإكراه للآخرين، ولا يعتدُّ به؛ سواء كان الإكراه في الاعتقاد أو الأعمال أو الأقوال،كما هو معلوم في كتب العقيدة والفقه.

وفي اللغة: المراد مِن التطرف هو منتهى الشيء وغايته، وعليه فالتطرف تَفَعُّل مِن الطَّرَف، تَطَرَّفَ يَتَطَرَّفُ فهو مُتَطَرِّفٌ، ومنه قولهم: تطرفت الشمس إذا دنت للغروب. ونحوه "الغُلُوّ": وهو مجاوزة الحد والقدر، وهو أشد مِن التطرف، وبينهما عموم وخصوص، فكل غلو تطرف، وليس كل تطرف غُلُوّ.

والتطرف اصطلاحًا: الجُنُوح فكرًا أو سلوكًا يمينًا بأقصاه أو يسارًا بأقصاه.

والصلة وثيقة بيْن التطرف والإرهاب؛ إذ إن التشدد والغلو يجعل صاحبه يضع لنفسه المبررات للعنف أو التهديد به انتصارًا لفكره فيدخل بممارسة العنف دائرة الإرهاب، فكل إرهابي متطرف؛ بمعنى أن له فكرًا يخالِف الوسطية ويسعى لفرضه على الجميع ولو بالعنف، وليس كل متطرف إرهابيًّا طالما لا يسعى لفرض فكره ورأيه على المجتمع، ولم يمارس العنف ضد الآخرين أو يهدد به.

وينبغي التنبُّه إلى أن التطرف أنواعه كثيرة:

- فهناك التطرف الديني: كالصهيونية المسيحية عند النصارى، والحركات والمنظمات الصهيونية العلنية والسرية عند اليهود، إلى جانب الجماعات المتطرفة عند المسلمين. بل وهناك تطرف عند غير أصحاب الديانات السماوية: كالتطرف الهندوسي الذي يهدد الحياة الديمقراطية في الهند، والتطرف البوذي الذي يهدد الوحدة الوطنية في تايلند، وميانمار.

- وهناك التطرف الأيديولوجي: وهو شائع في أوروبا، كما في الشيوعية المتطرفة، والرأسمالية الجَشِعَة، والليبرالية المتوحشة، والعلمانية الملحدة، والفاشية والنازية.

وتعد الحركات النازية والفاشية والأحزاب اليمينية المتطرفة في أوروبا مِن الصور البارزة للإرهاب؛ لما تحمله مِن غلو في التعصب للقوميات أو الجنس، ومِن مُيُول عدائية وتحريض بالعنف تجاه الآخرين بصورة مُفرِطة وبلا خفاء أو مواربة!

ومع ذلك لا نجد مَن يتصدى لتجاوزاتها الفكرية والسياسية رغم استشعار السياسيين والمفكرين الغربيين بخطورتها وتناميها، ولهذا فيمكن القول بأن كل نازي إرهابي، وكل فاشي إرهابي؛ إذ يحمل فكرًا متطرفًا ويسعى لفرضه على الآخرين، ويسلك في ذلك مسلكًا عنيفًا أو يحثّ على العنف -على الأقل- ويحرِّض عليه، وليس كل إرهابي نازيًّا أو فاشيًّا؛ لأن أكثر الإرهابيين -خاصة خارج أوروبا- لا يحملون الفكر النازي أو الفكر الفاشي، إذ هو فكر عِرقي متعصب لأجناس موجودة في أوروبا، وهم بالطبع لا يدعون إليه، بل يستنكرونه ويشجُبُونه، وهم مِن جملة مَن يهاجمهم الفكر النازي والفكر الفاشي.

تنبيه:

النازية: هي الحكم الديكتاتوري للحزب النازي الذي حكم ألمانيا بقيادة هتلر مِن عام 1933م إلى عام 1945م، ويقوم على سيادة الجنس الآري - باعتباره جنسًا متميزًا- على سائر الأجناس! وهو ما تتبنى مثله الأحزاب اليمينية المتطرفة في أوروبا حاليًا.

الفاشية: هي الحكم الديكتاتوري اليميني القومي المتطرف الذي حكم إيطاليا مِن عام 1922م إلى عام 1943م.

ثانيًا: لا بد أن يكون الإرهابي ممَن يبتزون المجتمع ويسعون لإخضاعه لأهدافهم:

إذ يصحب التطرف في الفكر والتشدد فيه محاولة جرّ المجتمع ككل للأخذ بهذا الفكر بوسائل عديدة: منها ما هو مقبول كالعمل السياسي وفق آلياته المعروفة، ومنها ما هو غير مقبول كممارسة العنف أو التهديد به عند بعض الجماعات، أو العمل العسكري المسلح عند بعض التنظيمات والحركات الأخرى.

على أننا ينبغي أن نفرِّق بيْن نهج الإرهابي وبين غيره في هذا الشأن:

- فالأحزاب السياسية التي تسلك العمل السياسي المتعارف عليه في المجتمع، تصل إلى الحكم في الدولة وقيادة المجتمع بإرادة المجتمع واختياره؛ لذا فالصراع على السلطة في النظم الديمقراطية يتم بآلياتٍ تقبلها هذه النظم؛ وعليه فليس للنظام الحاكم أن يصف معارضيه في العمل السياسي بالإرهابيين -وإن خالفهم في فكرهم مخالفة شديدة-.

- وحركات التحرر الوطني ضد المستعمر المحتل ليستْ مِن الإرهاب "حتى وإن مارست العنف والنضال المسلح ضد قوات الاحتلال ورجاله"؛ إذ أن هذا حق مشروع، وإن لم يقبله المحتل وناهضه بكل الوسائل، وحاول تشويه صورته، فالمقاومة الفلسطينية ليستْ مِن الإرهاب وإن وصفتها إسرائيل بذلك؛ إذ أن الإسرائيليين قوات احتلال تمارس أشد صور العنصرية والعدوان ضد الشعب الفلسطيني! 

ثالثًا: لا بد أن يكون الإرهابي ممَن يمارسون العنف ضد المجتمع الذي ينتمي إليه:

- إذ يصحب التشدد والغلو في الفكر عند الكثيرين استخدام القوة وممارسة العنف؛ لفرض هذا الفكر في المجتمع أو -على الأقل- التهديد بممارسة العنف أو استخدام القوة، أو التحريض علي العنف.  

- إن استخدام الأفراد للعنف والقوة ضد بعضهم البعض أمر شائع في المجتمع، ولكن ممارسة العنف عند الإرهابي له شأن آخر مختلف: إذ أن الإرهابي يمارس العنف انتصارًا لفكره المتطرف؛ يبتزُّ به المجتمع ليفرض بهذا العنف عليه ما يريده، فكل إرهاب معه عنف، وليس كل عنف يمارس في المجتمع يكون إرهابًا، فالنزاعات الشخصية والعائلية التي يصاحبها عنف داخل المجتمع الواحد ليستْ مِن الإرهاب؛ إذ ليس خلفها فكر متطرف يُراد جر المجتمع إليه.

- الإرهابي لا يهتم بشخصية الضحية لعنفه، فليستْ هي المقصودة لشخصها، فالضحية لا ذنب لها، والإرهابي لا يهمه في الغالب دينها أو جنسها أو عمرها؛ إذ أن الضحية عنده مجرد أداة يرسل بها رسالته للمجتمع أو الدولة أو السلطة الحاكمة.

إن الاعتداء على شخصٍ لاختلافٍ شخصي معه جريمة شخصية يعاقب عليها القانون، ولكن اعتداءَ الإرهابي اعتداءٌ على إنسان -أي إنسان- فهي جريمة إنسانية بشعة لا مبرر لها في حق مَن وقعتْ عليه، ومقترفها لا يكترث بالضحية، ولا يلتفت لما يوقعه عليها مِن ظلمٍ فادح بغدرٍ وخسةٍ، وبلا جريرة؛ مما يثير الاشمئزاز والاستنكار مِن الجميع، ويثير الاستهجان والتعجب مِن استحسانه لما فعل!

ومع ما ذكرناه مِن حال الإرهابي وأن وراءه فكرًا متطرفًا يحرّكه، فينبغي ألا نغفل أن للإرهاب الذي نواجهه مَن يُمَوِّلُه، ومَن يرعاه، وقبْل ذلك وبعده فهناك مَن يوظفه لإستراتيجيات قصيرة وبعيدة المدى.

ولهذا فمواجهة هذا الإرهاب تُحتم علينا:

- ضرورة تجفيف منابعه الفكرية والثقافية، وتفكيك ما بني عليه مِن مفاهيم خاطئة ينبغي التصدي لها وبيان بطلانها لمعتنقيها، ومَن نخشى أن تنتقل إليهم.

- إن الإرهاب ليس شخصًا يتعصب له الإرهابيون، ولكنه فكر يحرِّك صاحبه، وهذا الفكر لا يُقْضَى عليه بقتل صاحبه أو سَجنه، إنما يَقضِي عليه الفكر الصحيح الذي يَقدِر وحده على التغلب عليه واستئصاله.

- إن الإرهابي يسعى للموت ويريده، ويفجر نفسه قبْل أن يفجر الآخرين، ولا يُسيئه أن يعتزل الحياة ويعيش في الظلام، ولا تُبهره الحضارة المادية المتقدمة، ولكن يعيده إلى جادة الصواب أن يعلم أنه مخطئ فيما بنى عليه حياته وتوجهه.

- ضرورة تجفيف منابع تمويل الإرهاب.

- ضرورة تجفيف منابع الرعاية للإرهاب.

- ضرورة الكشف أمام الجميع عن مستغلي الإرهاب ومستثمريه الذين يوظفونه لخدمة أهدافهم القريبة والبعيدة.

- إن حصر مواجهة عنف الإرهاب على المواجهة الأمنية فقط لن يحقق المراد؛ فلقد دأبنا على الانتفاضة ضد الإرهاب إذا مسنا عنفه وصدمنا، وعلى التراخي في التعامل معه إذا خفَّ هذا العنف، بل ونظن أننا نجحنا في القضاء على الإرهاب بما قمنا به مِن مواجهاتٍ أمنية.

وقد أُنفقتْ مئات المليارات مِن الدولارات خلال العقود الماضية مِن العديد مِن الدول في كل بقاع الأرض على هذه المواجهات الأمنية، وقُتل فيها مِن الإرهابيين الآلاف، وقطعت للإرهاب رءوس وأذرع، لكنه رغم ذلك انتشر ولم ينحسر، فخرج مِن أفغانستان إلى الصومال، واليمن، والعراق، والشام، والمغرب العربي، ومالي، والساحل الإفريقي؛ فهل مِن معتبرٍ؟!

ولا نبالغ إن قلنا: إن مشايخ ودعاة "الدعوة السلفية" لهم باع طويل في مواجهة الفكر التكفيري المتطرف يمتد إلى السبعينيات مِن القرن العشرين الميلادي، وساهموا كثيرًا في وقف انتشاره بيْن الشباب في مصر، خاصة في مواجهة مَن يتمسحون بالمذهب السلفي منهم بزعمهم الانتساب إليه، ولكن مخالفتهم له بالفهم الخاطئ لبعض أصوله في قضايا الجهاد أو الحاكمية، أو قضايا التكفير، وضوابط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وغيرها، يُخرجهم مِن الانتساب للسلفية على الحقيقة، كما يُخرج المخالفين لأهل السُّنة مِن المبتدعة وأصحاب الأهواء في أصول مسائل الدين مِن الانتساب لأهل السُّنة؛ لذا يجب أن يُوضع "مشايخ الدعوة السلفية ودعاتها" في مقدمة المواجهة الفكرية للإرهاب، وبالطبع فإن هذا لا يعني قصر مواجهة الفكر المتطرف عليهم؛ إذ يحتاج الأمر إلى تكاتف الجميع.

ولا شك أن تفعيل "دور الأزهر" في هذه المواجهة مما لا غنى عنه؛ إذ أن "الأزهر" بإمكانياته الكبيرة، ومكانته العالية لم يُعطَ حتى الآن المساحة المطلوبة للتحرك "خاصة في الإعلام" للقيام بالدور المنوط به.

كما أن الباب ينبغي أن يبقى مفتوحًا أمام كل عالمٍ وداعيةٍ "أزهريًّا كان أو غير أزهري"؛ طالما  له القدرة على تقديم دورٍ في هذا الشأن، فالأمر جد خطير، ويحتاج إلى كل جهد ممكن بذله، ولا يحتمل الـتأجيل أو التحجيم في مواجهة تفلُّتٍ فكري، وأمية دينية فَشَتْ في المجتمع؛ خاصة الشباب.