الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ ياسر برهامي
الإثنين 04 مايو 2026 - 17 ذو القعدة 1447هـ

التفقد عبادة مفقودة

كتبه/ السيد سعيد

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فالتفقد عبادة وسنة نبوية رفيعة، فهي عبادة مظهرة للترابط والمحبة، وتجسيد للمجتمع المسلم المتماسك كالجسد الواحد، وهي تعكس كمال الإرادة والقيادة في السؤال عن أحوال الناس والاطمئنان عليهم.

معنى التفقد:

هو السؤال عن الشخص ومعرفة سبب غيابه، ومآل حاله، وتقديم يد العون له إذا احتاج، وهو خلق كريم يدعو إليه الإسلام وتحمله النفوس الطيبة، وكان من شمائل أخلاقه -صلى الله عليه وسلم- أنه: "يَتَفَقَّدُ أَصْحَابَهُ، وَيَسْأَلُ النَّاسَ عَمَّا فِي النَّاسِ" (رواه الطبراني في الكبير).

إن المتتبع لأحوال الناس وظروف عيشهم اليوم -في خِضَم هذه الحياة المادية الصعبة التي تموج بالتحديات موجًا- يكتشف دون عناء: أن ضغوطَ الحياة وشجونها وتشعباتها شغلت الناس وألهتهم عن تفقد أهلهم وقرابتهم، فضلًا عن أصدقائهم وجيرانهم ومعارفهم، فضعفت روابط الأخوة بينهم، وأواصر القرابة والعقيدة معًا، مما جعل السمة الغالبة عليهم -إلا من رحم الله- الأنانية وحب الذات، وعدم الاكتراث لحياة الآخرين، مرددين حالًا أو مقالًا مقولة: "نَفْسِي نَفْسِي" أو "أَنَا وَمَنْ وَرَائِيَ الطُّوفَان" للأسف الشديد.

ويأتي خلق التفقد كأدب جم جميل دعا إليه الإسلام ليقضي على أدواء النرجسية وعدم الاهتمام بالآخر.

التفقد فيما يعنيه هو السؤال عن الآخر، ومعرفة سبب غيابه في حاله ومآله، وتقديم يد العون له إذا احتاج إلى ذلك، والحفاوة به، وتعهده بالتواصل، والاطمئنان على أموره؛ قال -تعالى-: (وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِي لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ) (النمل: 20).

قال القرطبي في تفسير هذه الآية: "فيها دليل على تفقد الإمام أحوال رعيته والمحافظة عليهم؛ فانظر إلى الهدهد مع صغره، كيف لم يخفَ على نبي الله سليمان -عليه السلام- حاله؛ فكيف بمن هو أعظم وأكبر منه؟!".

وتفقد أحوال الناس يفتح بابًا واسعًا على الإنسان لجمع الحسنات ومحو السيئات؛ فإنه يعني عيادة المريض، والإحسان إلى المحتاج، والتفريج عن المكروب، وغير ذلك من أعمال البر والفلاح التي أقلها الاهتمام بأمر المسلم.

التفقد هدي نبوي:

التفقد من هدي نبينا المختار -صلى الله عليه وسلم-؛ إذ كان يتفقد أصحابه ويسأل عنهم مع عظيم انشغاله بالدعوة وهمومها، فهو لم يغفل عن غياب ثابت بن قيس عن مجلسه وفقده له، فتحرى خبره -صلى الله عليه وسلم- وفرَّج عنه كربته، وزاده بشارة عظيمة كبيرة. روى البخاري: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- افتقد ثابت بن قيس، فقال رجل: يا رسول الله أنا أعلم لك علمه، فأتاه فوجده جالسًا في بيته منكسًا رأسه، فقال: ما شأنك؟ فقال ثابت: شر، كان يرفع صوته فوق صوت النبي -صلى الله عليه وسلم-، فقد حبط عمله وهو من أهل النار، فأتى الرجل فأخبره أنه قال كذا وكذا، فقال: (‌اذْهَبْ ‌إِلَيْهِ ‌فَقُلْ ‌لَهُ: ‌إِنَّكَ ‌لَسْتَ ‌مِنْ ‌أَهْلِ ‌النَّارِ، ‌وَلَكِنْ ‌مِنْ ‌أَهْلِ ‌الْجَنَّةِ) (متفق عليه).

والناس كثيرًا ما تحتاج لمن يفرج كربها ويقضي حوائجها، وقد لا يكلفنا الأمر كله أكثر من كلمة، أو شيء يسير تجود به، فلا نفعل؛ لأننا أصلًا لا نتفقد أحوال إخواننا، ولا نهتم بغير ذواتنا وملذات نفوسنا، والنفوس الأبية قد تقبل يد العون، لكنها لا تسألها عادة وإن احتاجت إليها، فإن لم يلحظ حاجاتها المقربون منها، فمن؟!

ومن تفقده -صلى الله عليه وسلم-: ملاعبته لطفل صغير بقوله: (يَا أَبَا عُمَيْرٍ، مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ) (متفق عليه)، وفي الصحيحين: أن امرأة سوداء كانت تقم المسجد فماتت، فقال: هلا آذنتموني، فقال: دلوني على قبرها، فأتى قبرها، فصلَّى عليها -صلى الله عليه وسلم-. ففي هذا فضل السؤال عن الخادم والصديق وحسن رعايتهم وتفقدهم.

والنماذج من هديه -صلى الله عليه وسلم- كثيرة؛ منها: تفقده لكعب بن مالك في غزوة تبوك، والتي كان فيها ثلاثون ألف رجل، وتفقده لجليبيب، وكذا تفقده للغلام اليهودي الذي أسلم على يده في مرض موته، وقد سار على هذا الدرب أصحابه الكرام فضربوا في ذلك أروع الأمثلة.

وختامًا: فإن خلق التفقد والاهتمام هو خلق الأنبياء والصالحين ومَن اقتدى بهم وسلك دربهم، وحري بنا أن نتأسى بهم، ونتخلق بأخلاقهم، ونتأدب بآدابهم، ونتحلى بخلق التفقد؛ لأنه إذا سرى وانتشر في المجتمع يرقى بعلاقاته الاجتماعية، وينشر المحبة والثقة بين الناس ويملأ قلوبهم وعقولهم.

وليس تحري معرفة حال الأخ من الأخ من الفضول والتدخل فيما لا يعنيه، بل هو من حسن الإخاء وكرم الأخلاق ومقتضى المروءة.

هذا وبالله التوفيق.