كتبه/ سعيد محمود
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
المقدمة:
- التعرف على الله أجلُّ أبواب العلوم، والتعبد لله بأسمائه وصفاته أجلُّ أبواب التعبد: قال -تعالى-: (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا) (الأعراف: 180)، وقال: (قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى) (الإسراء: 110)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ) (رواه البخاري ومسلم).
الوقفة الأولى: في ذكر دلائل هذا الاسم الكريم:
- لم يرد اسم الله "الدَّيَّان" في كتاب الله -عز وجل-، وإنما ورد في السُّنَّة من حديث عبد الله بن أنيس -رضي الله عنه-، قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: (يَحْشُرُ اللَّهُ الْعِبَادَ -أَوْ قَالَ: يَحْشُرُ اللَّهُ النَّاسَ-) قَالَ: وَأَوْمَى بِيَدِهِ إِلَى الشَّامِ عُراةً غُرْلًا بُهْمًا، قُلْتُ: مَا بُهْمًا؟ قَالَ: (لَيْسَ مَعَهُمْ شَيْءٌ، فَيُنَادِي بِصَوْتٍ يَسْمَعُهُ مَنْ بَعُدَ كَمَا يَسْمَعُهُ مَنْ قَرُبَ: أَنَا الْمَلِكُ، أَنَا الدَّيَّانُ، لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ وَأَحَدٌ مِنْ أَهْلِ النَّارِ يُطَالِبُهُ بِمَظْلَمَةٍ، وَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ أَنْ يَدْخُلَ النَّارَ وَأَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ يُطَالِبُهُ بِمَظْلَمَةٍ)، قَالُوا: وَكَيْفَ وَإِنَّا نَأْتِي عُراةً غُرْلًا بُهْمًا؟ قَالَ: (بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ) (رواه ابن أبي عاصم، وحسنه الألباني). وزاد في رواية الحاكم والبيهقي وتلا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ) (غافر: 17). وجاء من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- مرفوعًا إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ اللَّهَ لَيُدِينُ النَّاسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ حَتَّى الشَّاةُ الْجَمَّاءُ مِنَ الْقَرْنَاءِ) (أخرجه مسلم والطبراني في الأوسط، واللفظ له). وورد في حديث أبي قلابة عن أبي الدرداء -رضي الله عنه-: "الْبِرُّ لَا يَبْلَى، وَالْإِثْمُ لَا يُنْسَى، وَالدَّيَّانُ لَا يَنَامُ، فَكُنْ كَمَا شِئْتَ، كَمَا تَدِينُ تُدَانُ" (رواه البيهقي في الأسماء والصفات، وأحمد في الزهد).
- معنى "الدَّيَّان" في حق الله -تعالى-: قال الخطابي -رحمه الله-: "الديان: هو المجازي، يقال: دنت الرجل، إذا جزيته أدينه، والديان أيضًا: الحاكم، ويقال: من ديان أرضكم؟ أي: من الحاكم بها" (شأن الدعاء).
الوقفة الثانية: من آثار التعبد لله باسمه "الديان":
1- إذا عرف العبد أن ربه هو "الدَّيَّان" يجازي ويحاسب، ويحكم بين العباد، وهو مالك يوم الجزاء والحساب، وأن الحساب دقيق، فعليه أن يحاسب نفسه قبل أن يُحَاسب: قال -تعالى-: (إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا . وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا . وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا . يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا . بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا . يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ . فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ . وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ) (الزلزلة: 1-8). وفي الأثر عن عمر -رضي الله عنه- قال: "حَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبُوا، وَزِنُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُوزَنُوا، فَإِنَّهُ أَهْوَنُ عَلَيْكُمْ فِي الْحِسَابِ غَدًا أَنْ تُحَاسِبُوا أَنْفُسَكُم، تَزَيَّنُوا لِلْعَرْضِ الْأَكْبَرِ، (يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ)" (أخرجه أحمد في الزهد).
ولما نزل قول الله -تعالى-: (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ . ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ) (الزمر: 30-31)، قال الزبير بن العوام -رضي الله عنه-: "يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتُكَرَّرُ عَلَيْنَا الخُصُومَةُ بَعْدَ الَّذِي كَانَ بَيْنَنَا فِي الدُّنْيَا؟ قَالَ: (نَعَمْ)، فَقَالَ: "إِنَّ الأَمْرَ إِذًا لَشَدِيدٌ؟!" (رواه الترمذي، وحسنه الألباني). وعن عائشة -رضي الله عنها-: أَنَّ رَجُلًا قَعَدَ بَيْنَ يَدَيِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لِي مَمْلُوكِينَ يُكَذِّبُونَنِي وَيَخُونُونَنِي وَيَعْصُونَنِي، وَأَشْتُمُهُمْ وَأَضْرِبُهُمْ فَكَيْفَ أَنَا مِنْهُمْ؟ قَالَ: (يُحْسَبُ مَا خَانُوكَ وَعَصَوْكَ وَكَذَّبُوكَ وَعِقَابُكَ إِيَّاهُمْ، فَإِنْ كَانَ عِقَابُكَ إِيَّاهُمْ بِقَدْرِ ذُنُوبِهِمْ كَانَ كَفَافًا، لَا لَكَ وَلَا عَلَيْكَ، وَإِنْ كَانَ عِقَابُكَ إِيَّاهُمْ دُونَ ذُنُوبِهِمْ كَانَ فَضْلًا لَكَ، وَإِنْ كَانَ عِقَابُكَ إِيَّاهُمْ فَوْقَ ذُنُوبِهِمُ اقْتُصَّ لَهُمْ مِنْكَ الْفَضْلُ). قَالَ: فَتَنَحَّى الرَّجُلُ فَجَعَلَ يَبْكِي وَيَهْتِفُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: أَمَا تَقْرَأُ كِتَابَ اللَّهِ: (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا)؟ فَقَالَ الرَّجُلُ: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَجِدُ لِي وَلَهُمْ شَيْئًا خَيْرًا مِنْ مُفَارَقَتِهِمْ، أُشْهِدُكَ أَنَّهُمْ أَحْرَارٌ كُلُّهُمْ. (رواه الترمذي، وصححه الألباني).
2- إذا عرف المظلوم والمقهور أن ربه هو "الدَّيَّان"، وأن هناك يومًا سيقتص فيه "الدَّيَّان" -سبحانه- من الظالمين، ويشفي صدور المظلومين ممَّن ظلمهم، فيأخذ لهم حقهم الذي ضاع في الدنيا؛ كان في ذلك أعظم تسلية لقلوبهم ونفوسهم في هذه الدنيا، قال -تعالى-: (وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ) (إبراهيم: 42). وقال -تعالى-: (أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ) (المطففين: 4)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ) (متفق عليه).
وفي حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- مرفوعًا: (أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ؟) قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ، فَقَالَ: (إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ، وَصِيَامٍ، وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا، فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ) (أخرجه مسلم).
ولما حَبَس هارون الرشيد أبا العتاهية، شاعر الزهد المعروف، قال أبياتًا مؤثرة:
أَمـَا وَاللَّهِ إِنَّ الــظُّــلْـمَ شُــؤْمٌ وَمَا زَالَ الْمُسِيءُ هُوَ الظَّلُومُ
إِلَى دَيَّانِ يَوْمِ الدِّينِ نَـمـْضِي وَعِنْدَ اللَّهِ تَجْتـَمـِعُ الـخُـصـُومُ
خاتمة: (كما تدين تدان!):
- الجزاء من جنس العمل، فمن يفعل خيرًا يجازَ به، ومن يظلم أو يسيء سيعامل بالمثل، وهي قاعدة كونية، وعدل إلهي في الدنيا قبل الآخرة، تدل على أن المرء سيحصد ما زرعه من أفعال: قال ابن قتيبة -رحمه الله-: "ويقولون: كما تدين تدان، أي: كما تفعل يُفعل بك، وكما تجازي تجازى، وهو من قولهم: دنته بما صنع، أي: جازيته".
قال -تعالى-: (الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (التوبة: 67)، وقال -تعالى-: (هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ) (الرحمن: 60)، وقال -تعالى-: (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ) (البقرة: 152).
فاللهم يا ديَّان يـوم الدين فرِّج هـمومًا في الـفـؤاد لها دبـيـب
وصل حبلنا بحبل رضاك وانظر إلينا وتب علينا عسانا نتوب