كتبه/ محمد صادق
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فالأزمات ليست دائمًا لعنة، بل قد تكون منحةً متنكرة في صورة محنة. فكما تصهر النار الذهب لتُنقيه، تمر الدعوات والأفراد بمواقف قاسية تكشف المعادن الحقيقية، وتُخرج من الصف رجالًا لم يكونوا ليظهروا لولا الشدة.
المشكلة ليست في الأزمة، بل في طريقة استقبالنا لها؛ هناك من تراها تكسره فينكفئ على نفسه، وهناك من تحوِّله إلى إنسانٍ آخر، أصلب عودًا، وأعمق وعيًا، وأكثر رسوخًا.
الأزمة اختبار كشف المعدن:
الراحة تخفي العيوب، أما الشدة فتفضحها، وتفرز الصادق من المدعي، (أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ) (العنكبوت: 2).
في كل صفٍ دعوي، هناك من يعمل في الظل بهدوء، لكنه عند الأزمة يتحول إلى ركنٍ من أركان الثبات.
شواهد من السيرة والتاريخ:
أُحُد ميلاد جيل جديد: رغم الجراح والقتل، كانت أُحد سببًا في تنقية الصف، وتمييز المؤمن الصابر عن المتخاذل.
الحديبية الانكسار الظاهري والنصر الحقيقي: الاتفاق كان في نظر بعض الصحابة -رضي الله عنهم- تنازلًا، لكنه كان فتحًا في الحقيقة، أعاد ترتيب الصف الداخلي وفتح باب الدعوة على مصراعيه.
شِعب أبي طالب: مدرسة الصمود:
الحصار الاقتصادي والاجتماعي كان أزمةً قاسية، لكنه صنع جيلًا لا تهزه العواصف.
كيف نصنع من أزمتنا فرصة؟
- إعادة تعريف الأزمة: ننظر لها كامتحانٍ إيماني وبنائي، لا كضربةٍ قاضية.
- البحث عن النخبة الصامدة: الأزمة تكشف من يُعتمد عليه في القادم.
- تعميق الوعي: قراءة أسباب ما جرى، واستخلاص العبر بموضوعية.
- تحويل الألم إلى طاقة: نضاعف النشاط الميداني والدعوي بدل الانكماش.
رسائل عملية للصف الدعوي:
- لا تتوقع أن يكون طريق الإصلاح مفروشًا بالورود، بل بالابتلاءات.
- إذا خرجت من الأزمة أكثر صبرًا ووعيًا، فقد ربحت أكثر مما فقدت.
- واجبك الآن أن تكون أنت من "الرجال الذين صنعتهم الأزمة"، لا من "الذين كسرتهم".
ختامًا:
الأزمات ليست نهاية الطريق، بل قد تكون بداية فصلٍ جديد؛ هي امتحانٌ يختبر الله به قلوبنا، ويُخرج لنا من الصف من يحملون الأمانة في أصعب اللحظات.
وتذكَّر:
الذهب لا يلمع إلا بعد أن يُصهر.