الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ ياسر برهامي
الإثنين 21 سبتمبر 2026 - 10 ربيع الثاني 1448هـ

(وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا)

كتبه/ محمد خلف

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فالله -تعالى- قَدَّر أن تكون هذه الحياة الدنيا دار بلاء وامتحان يُبْتَلَى فيها المرء بما يحب ليُعْلَم من يشكر وبما يكره ليُعْلَم مَن يصبر، ويبتلي الناس بعضهم ببعض، فيبتلي الرسل بالمرسل إليهم والعكس، والغني بالفقير، والقوي بالضعيف، والحاكم بالمحكوم، والزوج بالزوجة، والولد بالوالد، وغير ذلك، فكل منهم فتنة واختبار وامتحان للآخر في هذه الحياة الدنيا (وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا) (الفرقان: 20)، فجعل -سبحانه- الغاية من البلاء والامتحان للناس بعضهم ببعض هو الصبر.

وأخبر أنَّه في هذا وغيره كان ولم يزل بَصِيرًا، وذلك في الحقيقة من أعظم العون على تحقيق وإدامة الصبر الجميل الذي لا شكوى فيه إلا لله -عز وجل-.

فدوام استحضار العبد أنَّه في شتى شأنه وفي بلائه وحاجته أنَّ ربَّه به بصير، ذلك يثمر رضا به رَبًّا ومُدَبِّرًا وكافيًا، ويستعين ويستغني به عن كلِّ مَن سواه، وأن يكون العبد مُتَعَلِّقًا في كشف الضر وفي شتى شؤونه بالقريب المجيب -سبحانه- الذي بيده الأمر كله، وكذلك يثمر خَوْفًا من الظلم والتعدي على خلق الله بل يحسن إليهم ويعفو عنهم ويجتهد في نصحهم لله وحده.

ودوام استحضار علم وإحاطة وبصر ربه به، يثمر الإخلاص له وحده حتى في الصبر نفسه؛ فلربما صبر المرء ليقال عنه: إنَّه صبور وصالح ومتجلد، وغير ذلك، ومثل ذلك لا ينتفع به العبد لا في الدنيا؛ لأنَّه يفقد أسباب إعانة البصير المجيب، وكذلك في الآخرة فإنَّه مردود عليه ومكسبه الإثم والوزر.

أمَّا المؤمن الذي يداوم على استحضار أنَّ ربه العلي الكبير به بصير فإنَّه يستغني به عن كل ما سواه.  

وهذا أعظم شيء يحصل له من ملازمة ومداومة الصبر؛ أنه يرتقي لدرجة الإحسان ويحصل معية ومحبة القريب المجيب، وهي معية ومحبة خاصة تزداد بإخلاص الصبر له -سبحانه-، يحصل العبد بها أولًا شرف محبة ومعية ربه الكريم.

ومن ثمرتها: تحصيل توفيق وإعانة وتيسير ونصرة ربه، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) (البقرة: 153)، (وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ) (آل عمران: 146).

وكذلك المؤمن يوقن في عوض ربه الكريم الذي وَعَد الصابرين بأعظم الجبر والنعيم في الحياة الدنيا، وفي الآخرة: (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ) (الزمر: 10).

ويستحضر دخول الملائكة عليهم من كل باب مُحَيِّين ومُهَنِّئِين لهم بعوض الغني الكريم بداره السلام التي يَسلمون فيها من كل آفة ونقص وألم مِمَّا كان يصيبهم في الحياة الدنيا، وذلك بسبب صبرهم في الحياة الدنيا، (جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ . سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ) (الرعد: 23- 24).

فدوام سفر القلب إلى الدار الآخرة واستحضار نعيمها وكماله، وكذلك عذابها وشدته من أعظم ما يعين العبد على تحصيل وتكميل عبوديته وإخلاصه لربه -سبحانه-، وذلك بفضل وتوفيق الله لهم، فالله أمر بالصبر وأخبر أنَّه لا يوفق إليه ولا يناله إلَّا من وفقه الله: (وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ) (النحل: 127)، وهذا هو معنى (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) (الفاتحة: 5).

وذلك حتى يداوم العبد المؤمن على الفقر والاستعانة والخضوع وكثرة الابتهال والدعاء في تحصيل الصبر، وذلك من أعظم ما يُذْهِب العجب من القلوب، بل في الحقيقة يثمر إخباتًا وإنابةً لله للكريم المجيب.

فاللهم ربنا أفرغ علينا صَبْرًا وتوفنا مسلمين.