كتبه/ حسن حسونة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
ونحن نُقَلِّب صفحات سيرة الصحابة الأفذاذ في محبتهم، وتوقيرهم، وتعزيرهم لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- نطالع هذه الصفحة المشرقة، والتي يذكرها خادمه أنس بن مالك -رضي الله عنه- حينما أضاف رجل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على طعام، وهذا الطعام فيه دُبَّاء -أي: قَرْع- وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يحبه، يقول أنس -رضي الله عنه-: فجعلت أتتبع الدُّبَّاء من حول القصعة أضعه أمام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ثم قال أنس -رضي الله عنه-: "فَلَمْ أَزَلْ أُحِبُّ الدُّبَّاءَ مُنْذُ يَوْمَئِذٍ" (رواه البخاري ومسلم).
فأحب أنس -رضي الله عنه- الدُّبَّاء لمحبة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- له. وفي سياق هذه المحبة نجد صفحة أخرى مشرقة للصحابي الجليل أبي أيوب الأنصاري -رضي الله عنه- حينما قُرِّب طعام للنبي -صلى الله عليه وسلم- وفيه ثوم وكُرَّاث، فلم يأكل منه، فسأل أبو أيوب -رضي الله عنه- عن سبب عدم الأكل منه وهل هو حرام؟ فقال: (لَا، وَلَكِنِّي أَكْرَهُهُ)! فقال أبو أيوب -رضي الله عنه-: "فَإِنِّي أَكْرَهُ مَا كَرِهْتَ" (رواه مسلم).
فلك أن تتخيل أيها الحبيب إلى أي مدى كان الصحابة -رضوان الله عليهم- يحبون رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ويعظمونه، ويوقرونه، في العادات يحبون ما يُحِبّ، ويكرهون ما يكره، وفي العبادات، والمعاملات، والأخلاق يحبون ما يُحِبّ، ويكرهون ما يكره، بل فاقت هذه المحبة الخيال حتى وصلت إلى أن يفدوه بأرواحهم، وأهليهم، وأموالهم، وأولادهم؛ فأبو بكر الصديق -رضي الله عنه- يسير أمامه، وخلفه، وعن يمينه وشماله في رحلة الهجرة يفديه بنفسه! ويأتي بماله كله ويضعه أمام رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
حتى ذلك الخُلُق كان في نساء الصحابة: فبعد غزوة أُحُد وقد وقع فيها ما وقع من استشهاد سبعين صحابيًّا، فقيل للمرأة قُتِل أبوك، قُتِل زوجك، قُتِل ابنك، وهي تقول: وماذا فعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟ قيل: هو بخير حال، قالت: دعوني أنظر إليه، فلما رأته قالت: كل مصيبة دونك جَلَلٌ يا رسول الله -أي: هينة- وغير ذلك من المواقف التي تحتاج في تسطيرها لأسفار.
فالسؤال هنا، هل مع هذه المحبة والفداء له -عليه الصلاة والسلام- يحكم أحد أن الصحابة قد قصروا في الدفاع عنه، أو عن نصرته أو عن نصرة الإسلام؟ الإجابة قطعًا: لا، فقد شهد الأعداء قبل الأتباع بتعظيمهم له، حتى قال عروة بن مسعود -رضي الله عنه- -قبل أن يسلم-: فما وجدت أحدًا يُعَظِّم أحدًا كما يُعَظِّم أصحاب محمد محمدًا -صلى الله عليه وسلم-، وكان قد وَفَد على كسرى، وهرقل، والنجاشي.
وقد قام الصحابة بموجب هذه المحبة في حمل راية الإسلام بعد وفاته -عليه الصلاة والسلام- دعاةً إلى الله حتى دانت لهم المشارق والمغارب خلال ربع قرن من الزمن، وما وصلوا لذلك إلا بهذه المحبة المتألقة لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
ثم السؤال لنا الآن: هل نحن على هذا القدر العظيم من المحبة لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟ الإجابة قطعًا: أننا لن نسعد بحياتنا، ولن تكون للأمة الريادة والمكانة، ولن نصنع تاريخًا تليدًا، ولا عصرًا مجيدًا إلا إذا قدمنا محبة الله ورسوله على كل شيء، أنفسنا، وأهلينا، وأولادنا، وأموالنا، وهوى أنفسنا، وتكون هذه المحبة واقعًا عمليًّا وليس شعارًا كذابًا، بحيث إذا تعارضت مَحَابُّ الله ورسوله مع شهوات الدنيا الزائفة وحظوظ النفس الواهية، فأيهما نُقَدِّم؟ إذا كانت مَحَابُّ الله ورسوله فهذا المطلوب والمقصود، وإن كانت حظوظ النفس وهواها، فهي المحبة الزائفة!
فانتبه رعاك الله وقدِّم محبة الله ورسوله على هواك ونفسك وحب الظهور والعلو في الأرض كما فعل الصحابة الكرام تَفُز بخيري الدنيا والآخرة.