كتبه/ محمد صادق
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقال -تعالى-: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ) (الحج: 11).
فتخيل رجلًا يقف على حافة جرف، قدماه على الأرض، لكن الهواء تحته.
كل نسمة تهزه.
كل صوت يقلقه.
هكذا يقف بعض الناس مع الله.
هناك إيمان يقف على الحافة.
لا يستند إلى معرفة عميقة بالله، ولا إلى ثقة راسخة في حكمته، ولا إلى يقين ثابت بأنه رب في العطاء والمنع، في الفرج والابتلاء، في السعة والضيق.
إيمان يهمس لصاحبه في الخفاء: إن جاءت الدنيا كما تريد، رضيت، وإن تأخر ما تطلب، اضطربت. وإن أصابك بلاء، راجعت علاقتك بالله لا نفسك.
وإن ضاقت عليك الحياة، سألت: لماذا أنا؟ بدلًا من أن تقول: يا رب، ثَبِّتْنِي.
هذا هو الإيمان الذي يقف على حرف.
والحرف هو الطرف، والحافة، والمكان القلق الذي لا يحتمل هزة، صاحبه واقف عند باب الدِّين لا في داخله، ينتظر: ماذا سأربح؟
فإن أصابه خير، اطمأن به؛ ليس بالله، بل بالخير ذاته. اطمأن بالصحة، بالرزق، بالنجاح، بانفراج الطريق، فإذا جاءت الفتنة انقلب على وجهه؛ لم يسقط فحسب، بل انقلب، أي: أدار ظهره وانصرف.
لأن علاقته بالله كانت قائمة على شرط خفي لم يعلنه: يا رب، أعبدك ما دامت الحياة توافقني.
لكن الإيمان الحق ليس على حرف، بل إيمان راسخ فى قلب صاحبه رسوخ الجبال.
وهذا لا يعني أن صاحب هذا الإيمان لا يُصَاب، بل يُصَاب، لكنه لا يتساقط.
ولا يعني أنه لا يبكي، بل يبكي، لكن دموعه تسقط إلى الأمام لا إلى الوراء.
ولا يعني أنه لا يتألم، بل يتألم، لكنه يتألم داخل علاقته بالله لا خارجها.
صاحب هذا الإيمان يعبد الله؛ لأنه يعرفه، لا لأن الدنيا وافقته.
يثبت حين لا يفهم الحكمة، لأنه يثق بالحكيم.
يقول في قلب البلاء: يا رب، أنا ضعيف، لكنني لست منقلبًا عليك.
لا أفهم، لكنني لن أترك بابك.
لا أملك صبر الجبال، لكنني أملك ذُلَّ العبد بين يديك.
هذا هو الفارق بين سؤالين: من يقول: يا رب، لماذا فعلت بي هذا؟ ومن يقول: يا رب، لا أفهم، لكنني أثق بك، فثبت بقلبي.
الأول إذا مُنِع، ظن أن الله لا يحبه. والثاني إذا مُنِع، قال: لعل الله يحميني مما لا أرى.
الأول إذا تأخر الفرج، ترك الدعاء. والثاني إذا تأخر الفرج، تعلم طول الوقوف على الباب.
الأول يريد من الله دنيا مطمئنة. والثاني يريد قلبًا مطمئنًا بالله، ولو اضطربت الدنيا.
الأول يجعل البلاء نهاية علاقته بالله. والثاني يجعله بداية معرفة أعمق به.
يا صديقي، لسنا مطالبين أن نكون جبالًا لا تهتز، لكننا مطالبون ألا نعيش على الحافة.
إذا جاء البلاء، لا تجعل أول خسائرك علاقتك بالله.
لا تدع المرض يأخذ منك الثقة، ولا الفقر يأخذ منك الرضا، ولا الفقد يأخذ منك اليقين، ولا تأخر الإجابة يأخذ منك الدعاء.
اثبت ولو مرتجفًا.. اسجد ولو باكيًا.
وقل بكلِّ ما تملك من ضعف: يا رب، لا أملك فهمًا كاملًا، لكنني أملك بابك، ولن أتركه.
فمن عبد الله على حرف، أسقطته أول فتنة، ومن عرف الله حَقًّا، صار له من اليقين جبل يأوي إليه كلما عصفت به الحياة.
فاسأل نفسك اليوم: هل تقف مع الله على حافة المصالح أم فوق جبل الثقة واليقين؟