كتبه/ ياسر برهامي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
قال الله -عز وجل- في سورة الشعراء: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ . إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ . قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ . قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ . أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ . قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ . قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ . أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ . فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ . الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ . وَالَّذِي هُو يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ . وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ . وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ . وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ . رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ . وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ . وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ . وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ . وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ . يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ . إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) (الشعراء: 69- 89).
الفائدة الثامنة:
بعد أن بَيَّن إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- عداوته لما يَعْبُدُون من دون الله واستثنى ربَّه رب العالمين، شرع يَذْكُر أدلة توحيد الربوبية التي تستلزم وتَقْتَضِي توحيد الألوهية وإفراده -سبحانه وتعالى- بالعبادة، وجعل يَلْفِت أنظارهم إلى أفعاله -سبحانه وتعالى- التي انْفَرَد بها، وكلُّ مَن تَأَمَّل ما يَقَع في هذا الوجود عَلِم أن أحدًا لا يَفْعَل هذه الأشياء إلا الله؛ ولذا وَجَب على العبد أن يَتَوَجَّه إليه ويَدْعُوه وحده ويَسْتَغْفِرُه، ويَطْمَع في مغفرة ذنوبه يوم القيامة فقال: (الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ . وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ . وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ . وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ . وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ).
وكل عاقل يَجْزِم أنه لم يَفْعَل لنفسه شيئًا منها، ولا آباؤهم ولا أمهاتهم، ولا أحد من الخَلْق، بل الله -سبحانه- الذي انْفَرَد بذلك، وأكثر الخلق عند هذه المسألة يُقِرُّون ويَعْتَرِفُون بذلك حتى مشركي العرب عَبَدَة الأوثان الذين بُعِث فيهم النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ قال -تعالى-: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ) (الزخرف: 9)،وقال -تعالى-: (وَلَئِنْ سأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ) (الزخرف: 87)، وقال -تعالى-: (قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمْ مَنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمَنْ يُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ) (يونس: 31). أي: أفلا تَتَّقُون الشرك به في العبادة.
وإنه لَمِن أعظم مصائب الزمان أن يُوجَد أناس يَنْتَسِبُون إلى الإسلام ثم هم يُخَالِفُون في هذه المسائل التي أَقَرَّ بها المشركون من أقوام الأنبياء: فَنَجِد في زماننا مَن يَنسب إلى الأولياء الخَلْق والرزق والملك، بل وأن لا يَكُون لهم شريك في الملك، وتدبير الأمر، ومغفرة الذنوب، وشفاء الأمراض، وكشف الكُرُبَات، وتدبير الأكوان، بمخالفة النصوص القرآنية الصريحة، بل للمعلوم من الدين بالضرورة.
بل ويَحْتَجُّون على اعتقادهم الشركي الكفري بآيات فيها الاشتراك اللفظي لكلمة الخَلْق والرزق، والتدبير والدعاء؛ مثل: احتجاجهم بقوله -تعالى- عن عيسى -عليه السلام-: (أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ) (آل عمران: 49)، مع أن المعنى الذي لا إشكال فيه هو: أن عيسى -عليه السلام- يُشَكِّل من الطين على هيئة الطير، والله -سبحانه- هو الذي يَخْلُقُها طيرًا عند نفخ عيسى، فما هو فِعْل لله -عز وجل- من تحويل الطين المُشَكَّل إلى طير حي لا يَشْتَبِه عند عاقل بفعل المخلوق الذي شَكَّل الطين أو نَفَخ من فمه نفخة لا يَمْلِك بها شيئًا، وإنما الله -عز وجل- الذي أَرَاد أن يَخْلُق هذا الطير عند هذه النفخة.
وكذلك في معنى إحياء الموتى: فالله الذي يُحْيِيهم عند دعاء عيسى -عليه السلام-؛ فإنه كان يَدْعُو الله -عز وجل- ثم يَدْعُو الموتى فَيُخْرِجُهم الله -عز وجل- أحياء.
بل النصارى اعتقادهم في ذلك خير من اعتقاد هؤلاء المنتسبين إلى الإسلام زورًا وبهتانًا، ويُخَالِفُون في أوضح مسائل التوحيد: ففي (أعمال الرسل) من (العهد الجديد) في رسالة بطرس قال: "يسوع -أي: المسيح- رجل تَبَرْهَن من قِبَل الرب بقواتٍ وعجائب صَنَعَها الله بيده".
ثم إن القاعدة التي قَعَّدُوها أن كل ما كان معجزة لنبي صَحَّ أن يَكُون كرامة لولي، لا دليل على عمومها حتى تُصْبِح قاعدة؛ فَنَسَبُوا من أجل ذلك إلى الأولياء خَلْق الأجنة في بطون النساء، وطَلَبُوا منهم أن يُحبِّلوا النساء، وأن يَخْلُقُوا الأجنة -والعياذ بالله!-.
وكذا نَسَبُوا لهم أنهم يُحْيُون ويُمِيتُون بقوله: "مُت أو اخْرُج حيًّا، أو نحو ذلك"، وهذا هو الضلال المبين، وكذلك قضية الأرزاق يَحْتَجُّون بقول الله -عز وجل-: (وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا) (النساء: 8)؛ الذي يَعْلَم كل عاقل أن المقصود بذلك العطاء، كما يُقَال: أرزاق العمال ونحو ذلك أي: العطايا التي يَأْخُذُونها، وأما ما انْفَرَد الرب -عز وجل- به من الرزق، فهو أنه -سبحانه وتعالى- يَخْلُق الأرزاق في السماوات والأرض، وأنه هو الذي يُوصِلُها إلى خلقه مما يَعْجِز عنه جميع الخَلْق، بل هو -سبحانه وتعالى- يُدَبِّر هذا الرزق في أجساد عباده من الأنبياء والأولياء؛ فضلًا عن غيرهم بقدرته وحده لا شريك له.
وكذلك في أمر التدبير الذي انْفَرَد الله -عز وجل- به: فاستدلوا على مشاركة الأولياء والأنبياء بتدبير الأكوان وتدبير الأمر بقوله -عز وجل-: (وَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا) (النازعات: 5)، وفرق بين (وَيُدَبِّرُ الْأَمْرَ) التي فيها الألف واللام الاستغراقية، وبين تدبير أمرٍ من الأمور؛ فالإنسان يُدَبِّر أمر أسرته ومصاريف شركته، ونحو ذلك، والملائكة تُدَبِّر أمورًا كَلَّفَها الله -عز وجل- بها وهم يَفْعَلُون ما يُؤْمَرُون، والله الذي أَقْدَرهم على ذلك؛ فكيف يُقَال: هذا التدبير يَنْتَقِل إلى تدبير الأكوان، وأن الأكوان بيدي النبي -صلى الله عليه وسلم- أو بيد علي أو بيد القطب الغوثي الذي تَحْصُل جميع الحركات والسكنات والأرزاق بأمره؟! تعالى الله عن قولهم علوًّا كبيرًا.
فالذي يَقْدِر على تدبير الأكوان، وتدبير الأمر كله هو الله -عز وجل- لا يَقْدِر على ذلك إلا هو، الملك الذي له مُلك السماوات والأرض.
وأما احتجاجهم على دعائهم الأموات بنحو قوله -عز وجل-: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا) (البقرة: 260).
فقالوا: طيور صَارَت أمواتًا ودَعَاهُنَّ إبراهيم، فأجابته! وهل هذا إلا اشتراك لفظي في كلمة الدعاء بين دعاء الطلب في قضاء الحاجات، وكشف الكُرُبَات، وشفاء الأمراض الذي لا يَقْدِر عليه إلا الله، وهو فِعْلُه -سبحانه وتعالى- الذي ذَكَرَه إبراهيم في الاحتجاج عليهم، وبين دعاء الشيء للحضور، وقد أَحْيَا الله له الطيور بنصِّ القرآن: (رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى) فأَتَتْه؛ فهل طَلَب إبراهيم منها قضاء حاجة أو شفاء مرض، أو هداية أو مغفرة، أو تدبير أمر؟!
بل هي بمنزلة نداء السيد لعبدِه أن يَحْضُر بين يديه، وأن يَدْعُوه للحضور، وليس أن ذلك يَدْعُوه لقضاء الحاجات؛ فيا للعجب! كل العجب الذي تَضْحَك منه عقول العالم على التسوية بين المختلفين، والتفرقة بين المتساويين!
فالمخلوقون كلهم متساوون في الضعف والعجز إلا ما أقْدَرهم الله -عز وجل- عليه، والعجب أن هؤلاء يُضَلِّلُون أهلَ السُّنة والتوحيد، ويَدَّعُون أنهم أهل الحق، تعالى الله عن قولهم علوًّا كبيرًا.
وللحديث بقية -إن شاء الله-.