الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ ياسر برهامي
الثلاثاء 04 يونيو 2024 - 27 ذو القعدة 1445هـ

همسات

كتبه/ محمد صلاح الإتربي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فقد ذكر ابن الجوزي في كتابه المنتظم بسنده عن عبد الله بن المبارك أنه قال: "سفه رجل على حمدون، فسكت حمدون ثم قال: يا أخي لو نقصتني كل شيء ما نقصتني كنقصي عندي! ثم قال: سفه رجل على إسحاق الحنظلي فاحتمله، وقال: لأي شيء تعلمنا العلم؟!".

وبغض النظر عن صحة الإسناد من عدمه، فهذا المنقول هو حال العلماء جميعًا؛ إذ إنه هو التطبيق العملي لكلمة السلف: العلم يهتف بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل.

قدمت حديثي بهذه الكلمة؛ إذ إنني أود أن أهمس بها في أذن ذلك الأخ الداعية والخطيب الذي إذا ما حصل نزاع بينه وبين آحاد الناس وجدته يتبجح بأنه يمكنه أن يقلب على الوجه الآخر ليري محدثه أسوأ أنواع الشتائم والألفاظ، وأنه لا يخدع ولا يؤكل حقه!

أود أن أهمس بها في أذن طالب العلم الذي يحرص على مجالس العلم ويتحسر على ما فاته منها، وتجد منه كل الحرص على تعلم العلم، ثم إذا ما مات أحد من أقاربه أو أحبابه وجدت من الجزع والهلع ما لا تتوقعه من آحاد الناس، وكأن العلم الذي تعلمه لم يكن له أثر في سلوكه في هذا الموقف!

أود أن أهمس بها في أذن التاجر طالب العلم وصاحب المال الذي ينبغي أن تجد أثر طلب العلم في معاملاته المادية؛ فلا أقل من اجتناب الحرام والبعد عن الشبهات؛ فضلًا عن أن يكون نموذجا يحتذى به في الجمع بين العلم والعمل، لا أن يكون مثالًا نكدًا للانفصام بين العلم والعمل، ونموذجًا يشار إليه بالبنان كلما تحدث متحدث عن الغش والخداع والمراوغة!

أود أن أهمس بها في أذن طالب الجامعة المستن بهدي النبي -صلى الله عليه وسلم- في سلوكه المتحدث دائمًا مع أقرانه بقال الله وقال الرسول، فإذا جاءت الامتحانات وجدته داخل اللجنة لا يتورع عن غش ولا شيء محرم.

أود أن أهمس بها في أذن كل طالب علم وداعية... أين أثر العلم في أخلاقك وفي معاملاتك مع الناس؟! ما الذي غيره طلب العلم فيك؟ ما هي الأخلاق التي جاهدت نفسك على تعلمها تطبيقًا لما تعلمته وابتغاء الأجر الذي كنت حديث العهد بالعلم به؟

أود أن أهمس بها في أذن كل زوج يطلب العلم لأقول له: هل كان لطلب العلم أثر على زوجك وأهل بيتك؟ هل غيرك طلب العلم للأفضل؟ هل صرت أكثر صبرًا، أكثر حلمًا، أكثر رفقًا، أم صرت غضوبًا عجولًا؛ لأنك مشغول تعمل في الدعوة لا وقت عندك لبيتك ولا لزوجتك ولا لأولادك؟!

وكذلك أود أن أهمس بها في أذن كل زوجة متسننة لبست النقاب طاعة وقربة لله -تعالى-، ورغبت في أن تلتزم بأوامر الشرع ونواهيه، ثم هي مع أول خلاف مع زوجها تخرج من داخلها المارد النسوي القابع في أعماق قلبها والذي ينتظر حرارة الخلاف الزوجي لتحك له مصباح علاء الدين النسوي! والذي لا يعلم أن طاعة المرأة لزوجها قربة وعبادة لربها في حد ذاتها، بل وشرط في قبول طاعاتها الأخرى.

إني لأعجب والله من كثير من التصرفات التي أراها تصدر من أناس تصدروا لتعليم العلم أو ممن زعموا الانصياع لسلطان الشرع وكان اللائق بهم تجنبها، وكثيرًا ما أود أن أختلي بمن أراه لأقول له: حنانيك.. أربع على نفسك.. أي جرأة هذه على قلبك؟! أوما تفكرت مرة: لِمَ تعلمت العلم؟!

أخي الكريم... إن من أهم ما ينبغي أن تدركه؛ أن طلبك للعلم أو حرصك على تعلم ما يلزمك تعلمه، لا بد أن يكون لأجل أن تعمل به، لا لأجل شيء آخر، فقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ ‌لِيُبَاهِيَ ‌بِهِ ‌الْعُلَمَاءَ، وَيُجَارِيَ بِهِ السُّفَهَاءَ، وَيَصْرِفَ بِهِ وُجُوهَ النَّاسِ إِلَيْهِ، أَدْخَلَهُ اللَّهُ جَهَنَّمَ) (رواه ابن ماجه، وحسنه الألباني).

أختي الكريمة.. هلا راجعتِ نفسك فحاسبتيها؟! أين موقعك من زوجك؟! وأين طاعتك لزوجك الذي هو جنتك ونارك -كما قال النبي صلى الله عليه وسلم-؟! فإن الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت.

أسأل الله لي ولكم السلامة، وما أبرئ نفسي، والله المستعان.