الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ ياسر برهامي
الأربعاء 12 يوليه 2006 - 16 جمادى الثانية 1427هـ

(الانفصام بين الفكر والسلوك) وظاهرة الإرجاء

كتبه/ عبد المنعم الشحات

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد،

فما أكثر مظاهر الانفصام بين الفكر والسلوك في حياتنا! إلا أن أكثر هذه المظاهر وضوحاً تكون عندما تصاب الأمة بنكبات وتلم بها ملمات، فمن المفترض أن النكبات تمثل حالات استثنائية تستلزم مزيداً من الجهد والبذل إلا أنك تفاجأ بأن الأمور تسير على نفس الوتيرة، تكرار لنفس المعاني بطريقة رتيبة مما يسميه بعضهم بالأفكار المستهلكة.

تجد هذه الآفة عند طوائف من أبناء الصحوة الإسلامية، كما أنها موجودة بطبيعة الحال عند غيرهم، ومن النماذج السافرة لذلك التصريحات المتكررة التي تصدر عن القوميين والوطنيين بإزاء قضايا الأمة، لاسيما قضية فلسطين التي تمثل بالنسبة لنا إحدى هموم الأمة الإسلامية، بينما تمثل عندهم إحدى قضايا الأمة العربية.

وليس المقام هنا مقام بيان عور دعوة القومية العربية ومخالفتها للكتاب والسنة وما جرته على الأمة من ويلات، ولكننا نريد أن ننوه أننا لا نجد لهؤلاء القوميين في كل موجة من موجات العربدة الإسرائيلية إلا الشجب والإدانة للعدوان، والتأكيد على "عدالة القضية الفلسطينية" وعلى "الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني" وغيرها من العبارات المستهلكة التي يملك أصحابها من الناحية النظرية على الأقل وسائل لتحويلها إلى واقع، ولكنهم يأبون إلا الاقتصار على التأكيد على الفكرة دون أن يظهر لهذه  الفكرة أي أثر على السلوك.

وليس هنا مقام بيان عور دعوة القومية العربية ومخالفتها للكتاب والسنة وما جرته على الأمة من ويلات، ولكننا نريد أن ننوه أننا لا نجد لهؤلاء القوميين في كل موجة من موجات العربدة الإسرائيلية إلا الشجب والإدانة للعدوان

وربما ظهر له أثر ضعيف باهت على طريقة "تمخض الجبل فولد فأراً"، ولكن الآفة أن الذين اعتادوا على المخاض الوهمي عادة ما يرون هذا الفأر أكبر من الجبل.

ومن أمثلة ذلك ما قام به المشجعون لمنتخب مصر لكرة القدم في بطولة إفريقيا الماضية حيث ارتدى بعض اللاعبين قمصاناً مكتوب عليها "نحن فداؤك يا رسول الله" واستقطع الجمهور من وقت التشجيع خمس دقائق ليهتفوا فيها للنبي ـصلى الله عليه وسلم- هتاف لمدة خمس دقائق، علماً بأن المشجع يحتاج في مثل هذه المباريات الكبرى إلى أن ينفق وقت قد يقترب من اثني عشر ساعة منها ساعتان هما زمن المباراة.

وعندما تنظر إلى الشعار الذي وضعه اللاعبون "نحن فداؤك يا رسول الله" ندرك تماماً أن واضع هذا الشعار لم يسأل نفسه ويعلم أن غيره لن يسأله عن أي خطوة عملية لتنفيذ هذا الشعار، وعلى الرغم من أن حال هؤلاء أحسن حالاً ممن لم يعر الأمر أي اهتمام، ولكن المشكلة تكمن في اعتبار رافع الشعار قد أدى كل ما عليه تجاه أمته بمجرد شعار يرفعه.

وثمة سؤال هام لابد من طرحه وهو: لماذا يحصل هذا الانفصام بين الفكر والسلوك؟

قد يكون هذا لعدم اقتناع صاحب الفكرة بها وإنما يرددها لاعتبارات أخرى، وقد يكون صاحب الفكرة مقتنعاً بها، بل موقناً بها، ولكن ليس عنده الحب والعزم والإرادة التي تهون عليه المشاق وتذلل له الصعاب فتبقى الفكرة حبيسة الألفاظ، ولا يحاول صاحبها أن يجد لها واقعاً عملياً.

وهذا الكلام ينطبق على ظاهرة تخلف السلوك عن الفكر في أي قضية تمس الإنسان سواء كانت حقاً أو باطلاً.

وإذا انتقلنا من هذا التعميم إلى قضية خاصة تهم كل دارس لدين الله، ألا وهي قضية الإيمان، وجدنا هذا الأمر في غاية الوضوح؛ فالإيمان قول وعمل كما بيَّن النبي -صلى الله عليه وسلم- ذلك بقوله: (الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ) متفق عليه.

وكما قال الحسن البصري: "ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي، وإنما الإيمان ما وقر في القلب وصدَّقه العمل".

وقد يعلن الإنسان اعتناقه لهذا الدين، ولكن هذا لا يكفي لكي يعد من المؤمنين صادقي الإيمان، حتى يكون السلوك نابعاً من هذا الإيمان، وهذا لن يتم إلا عبر القلب (قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ)(الحجرات:14)، وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (أَلاَ وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ. أَلاَ وَهِيَ الْقَلْبُ) متفق عليه.

ولذلك نهى الله المؤمنين أن يتخلف سلوكهم عن فكرهم فقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُونَ)(الصف:2-3)، وكان من أبلغ الزجر عن مخالفة شرائع الإيمان نفي اسم الإيمان عن فاعل الذنب ترهيباً (لاَ يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْني وَهْوَ مُؤْمِنٌ، وَلاَ يَسْرِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهْوَ مُؤْمِن) متفق عليه، فنفى النبي -صلى الله عليه وسلم- عنه الإيمان لعل ذلك يكون تنبيهاً له على حالة الانفصام التي يعيشها.

وبدلاً من أن يدفع ذلك المسلمين للتخلص من هذه الآفة الخبيثة، استحوذ الشيطان على بعضهم فوجد مخرجاً من حالة الانفصام التي وسمه الشرع بها ترهيباً وتنفيراً، فإذا به يدعي أنه لا مجال لوصف المقصر بأنه ناقص الإيمان؛ لأن الإيمان ليس إلا التصديق والإقرار في زعمهم مما عرف عند العلماء ببدعة الإرجاء -لأنهم أرجئوا العمل أي أخروه عن الوضع الذي وضعه الله فيه-، وعلى الرغم من المصادمة الواضحة في ذلك لنصوص لا تـُحصى كثرة في الكتاب والسنة، إلا أن هذه البدعة لم تحل لهم الإشكال من كل وجه، إذ أنهم ما زالوا يعترفون عليه بالذنب وإن سموه مؤمناً كامل الإيمان، مما دفع بعضهم إلى ادعاء أنه ليس بمذنب أصلاً وهم "المرجئة المستحلة" الذين انتقلوا من البدعة إلى الكفر الصراح.

وعلى الرغم من خطورة هذه البدعة، بل بالرغم من تحول ظاهرة الانفصام بين الفكر والسلوك إلى ظاهرة عامة في حياتنا المعاصرة، إلا أن كثيراً من المنتسبين إلى الدعوة لا يقدر لهذه البدعة خطرها، ولا يقوم بالجهد اللازم لردها.

بل إن بعض المنتسبين إلى السنة قد يؤصل لقضايا يظن أنه ينصح بها الأمة وهو يفتح بذلك باباً إلى الإرجاء حينما يدعى بعضهم أن الحكم بغير ما أنزل الله لا يكون كفراً مخرجاً من الملة إلا إذا نسبه صاحبه إلى الشرع، وأما من لم ينسبه إلى الشرع -وإن ألزم الناس به وأوجبه عليهم وحرم عليهم مخالفته- فلا يكون عندهم كافراً ولا مستحلاً، ولو أنهم بينوا الحكم الشرعي وذكروا معها شروط تكفير المعين، أو حذروا الشباب عموماً من الخوض في الكلام على المعينين -الذي لا يجر على الأمة في ظروفها الراهنة إلا المفاسد- لكان الأمر حسناً فضلاً عن أن يفرع من هذه القاعدة لزوم القعود عن الممكن والمستطاع من نصرة دين الله إذا لم يأذن بذلك المضيع له، وهذا يلتقي مع بدعة الإرجاء -وإن لم يكن فيها صراحة- في تأخير بعض الأعمال بغير عذر شرعي تعبداً، ولو اقتصر نهيهم على الأعمال التي تستجلب مفسدة على المسلمين لكان رأيهم صواباً.

على الرغم من خطورة هذه البدعة، بل بالرغم من تحول ظاهرة الانفصام بين الفكر والسلوك إلى ظاهرة عامة في حياتنا المعاصرة، إلا أن كثيراً من المنتسبين إلى الدعوة لا يقدر لهذه البدعة خطرها، ولا يقوم بالجهد اللازم لردها.

الحاصل أن بعض المنتسبين إلى السنة رغم أنه يرى أن العمل داخل في مسمى الإيمان، لكنه ينظر إلى كثير من الأعمال الشرعية -التي يمكن أن تتم على وجه مشروع ويمكن أن تتم على وجه غير مشروع- فيؤاخذ هذا بذنب ذاك، وينهى عن الجميع، وتكون النتيجة القعود عن نصرة دين الله مع وجود وسائل متيسرة لذلك.

وعلى النقيض الآخر يوجد بعض من تدفعه الغيرة والشعور بالخطر الكامن وراء هذه البدعة إلى أن يدرج أقوالاً لبعض أهل السنة، بل قد تكون قول جمهورهم كعدم تكفير تارك الصلاة تكاسلاً ضمن أقوال المرجئة، ولكن هل تم له ما أراد؟

لقد قدم هذا الناصح فيما نظن هدية من ذهب حينما نسب إليهم أبا حنيفة ومالكاً والشافعي، بل والإمام أحمد أيضاً بناء على ما رجحه أشهر تلامذته ابن بطة، وابن حامد، وبناء على ما قرره ابن قدامة أشهر مصنفي مذهبه.

ونسب إليهم من المتأخرين الشوكاني والشنقيطي والألباني ناهيك عن ابن باز وابن عثيمين الذين وإن رأوا أن ترك الصلاة كفراً أكبر إلا أنهم يرون الخلاف في المسألة سائغاً مما يدخلهم تحت طائلة الإرجاء عند بعض الغيورين.

وعلى الصعيد الواقعي، انصرفت همة من أراد محاربة الإرجاء -من المتأثرين بهذا الكلام- إلى محاربة إخوانهم في العقيدة، بل إلى محاربة أئمة هذا المنهج كمجدد شباب الحديث وناصر الدين والسنة العلامة الألباني.

بينما الإرجاء الحقيقي يملأ السهل والوادي، منه ما ينتسب إلى الدين ومنه ما ينتسب إلى الدنيا، مما يقتضي منا وقفة جادة لمواجهة الأخطار الحقيقية التي تحيط بالأمة الإسلامية.

اللهم هل بلغت؟ اللهم فاشهد!