الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ ياسر برهامي
السبت 08 يونيو 2019 - 5 شوال 1440هـ

الفساد (14)

فساد خصخصة القطاع العام في عهد مبارك

كتبه/ علاء بكر

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فيُعد بيع القطاع العام أو خصخصته أحد الوسائل التي تلجأ إليها بعض الحكومات لتخفيف الأعباء الاقتصادية عليها، وهي تعد أيضًا خطوة في اتجاه السوق الحر وتشجيع التنافس فيه، وترتبط عملية الخصخصة بقضية هامة تتعلق بدور الدولة في المجتمع، وهي: هل الخصخصة تقليص وتهميش لهذا الدور أم أنها إعادة هيكلة لاقتصاد الدولة يساعدها على إعادة توزيع وتوجيه طاقاتها فيما هو أفضل لها، إلى جانب الاستفادة مِن القطاع الخاص في تقوية اقتصاد الدولة بمشاركته وتفاعله مع الدولة في إدارة وحدات الإنتاج ورفع كفاءتها؟

وظيفة الدولة:

لا تقتصر وظيفة الدولة على إنشاء وإدارة وحدات الإنتاج العام، بل وظيفتها أكبر مِن ذلك، فالقطاع العام جزء مِن وظيفة الدولة يقوم فيها بدوره في خدمة المجتمع، الذي هو الواجب الملقى على عاتقها، وبناءً على هذا الدور يكون التعامل الأنسب مع القطاع العام وقضية الخصخصة.

فالدولة من الناحية الاقتصادية تحتاج إلى تملك وسائل للإنتاج العام، وإقامة اقتصاد قوي وزيادة الموارد حتى تستطيع أن تكفل حدًّا أدنى مِن المعيشة الكريمة لكل أفراد المجتمع ومواطنيه، وهي المهمة الرئيسية للدولة التي ينبغي أن تسعى إليها. واقتصاد الدولة عرضة من دولة إلى أخرى -بل ومن فترة إلى أخرى في نفس الدولة- للتبدل والتغير مِن حيث الحجم والقوة، وفي جميع هذه الأحوال ينبغي أن تقوم الدولة بدورها في رعاية المجتمع والحفاظ عليه وخدمته، بشتى الوسائل والطرق المناسبة والممكنة.

إن على الدولة توفير الخدمات الأساسية للمجتمع: مِن الدفاع عنه، وحفظ الأمن، وتحقيق العدل، وإيجاد المرافق العامة ذات الخدمات الضرورية التي لا غنى عنها من شبكات الطرق والجسور، ووسائل المواصلات والاتصالات والمياه والكهرباء، وكذلك توفير ما تمس الحاجة إليه مِن التعليم والرعاية الصحية العامة والعلاج، وعلى الدولة كذلك وضع الإطار العام المناسب للنشاط الاقتصادي في المجتمع مِن خلال سياسات مالية ونقدية، وسياسات تجارية داخلية وخارجية؛ لكونها المسئولة عن توفير الأوضاع الكفيلة بإقامة اقتصاد كفء للدولة.

ومع السماح بوجود أنشطة للقطاع الخاص في المجتمع تتحمل الدولة مسئولية الإشراف على هذا القطاع الخاص والنظر في شئونه من باب الإعانة له والتقويم، ولحماية المجتمع أيضًا من أي سلبيات تتعلق بزيادة وتضاعف أنشطة القطاع الخاص، مِن الاحتكار والغش والتعاملات التي يشوبها خلل؛ إذ إن القطاع الخاص له دوره وحقوقه وحريته، ولكن بما لا يتعارض مع سياسات الدولة ووظيفتها وصالح المجتمع.

ومِن خلال ذلك: تحقق الدولة التوازن الاقتصادي والاجتماعي مع تشغيل كل الطاقات واستغلال كل الموارد وتنمية وسائل تقوية الاقتصاد.

ضوابط عامة للخصخصة:

اللجوء إلى خصخصة أي وحدة مِن وحدات القطاع العام أو مشروع مِن مشروعاته الاقتصادية كوسيلةٍ للإصلاح، يستلزم مراعاة أمور؛ لئلا تتحول الخصخصة إلى وسيلة للإفساد لا الإصلاح، ومنها:

1- أن تكون هذه الخصخصة للوحدة أو المشروع هي الحل الأمثل، لتعذر الإصلاح بدونها، أو أن هذا الإصلاح إن وُجد فلن يحقق العائد الذي ستحققه الخصخصة، مع الأخذ في الاعتبار أن لا يمثِّل هذا المشروع العام أهمية قومية بالنسبة للمجتمع.

2- أن تتم هذه الخصخصة بالأسلوب الأمثل من حيث التقويم الجيد، وعقد صيغ عقود بيع أو إيجار أو إدارة جادة، مع إتاحة الفرصة للجميع للمشاركة في هذه الخصخصة، ولو عن طريق طرح أسهم مناسبة في بعض هذه الوحدات، خاصة للعاملين فيها، مع التجنب التام لأي شبهة للمحاباة أو المجاملة أو الرشوة أو الهدايا، وهذا يتطلب حسن اختيار القائمين على هذا الأمر، ومتابعتهم ومراقبتهم، ومراجعة ما فعلوه، ومحاسبتهم على ما قدموه.

3- أن يتم التصرف الحكيم في الأموال المأخوذة من هذه الخصخصة، وذلك باستثمارها فيما يحقق أقصى درجة من الاستفادة الممكنة، وذلك بتوجيهها إلى مشروعات إنتاجية أخرى جديدة يعود نفعها على الاقتصاد القومي، مِن تطوير تكنولوجي، وزيادة حجم الإنتاج وجودته، والتخفيف من مشكلة البطالة، وبالتالي لا توجَّه هذه الأموال في سد عجز للمديونية أو سداد لديون أو نفقات حكومية أو زيادة الاحتياطي في البنك المركزي، ونحو ذلك، فهذا توجه قاصر يقدم حلًّا وقتيًّا سريعًا عاجلًا، ولا ينظر للمستقبل، ويساهم في إضعاف الاقتصاد القومي لا في تقويته؛ لذا لا يكون التوجه إليه إلا عند الحاجة الشديدة وفي أضيق الحدود.

4- ألا يترتب على خصخصة الوحدة أو المنشأة تضييع حق الأمة، سواء للجيل الحالي فيها أو للأجيال القادمة.

الخصخصة في عهد مبارك:

للأسف الشديد جاءت الخصخصة للقطاع العام في عهد حكم مبارك بصورةٍ سيئةٍ للغاية، ترتب عليها التفريط غير المقبول في حقوق الأمة، في وقت كانت هي فيه في أشد الحاجة لهذه الحقوق الضائعة.

بدأت عملية الخصخصة بعد عام 1991م استجابة لاتفاقٍ جرى مع صندوق النقد الدولي مقابل إسقاط نصف ديون مصر الدولية بعد موقف مصر مِن حصار العراق ومحاربته عام 1991م عقب غزوه للكويت.

جاءت البداية باستقدام مكاتب وشركات لتقييم وتثمين أصول 380 شركة مِن شركات القطاع العام، وقد شاركت في عملية التقويم مكاتب من أوروبا وأمريكا، وتم إخفاء طابعها مِن خلال مشاركة بعض خبراء وأساتذة اقتصاد وإدارة أعمال ومحاسبة مصريين، وقد تفاوتت التقديرات لهذه الشركات حول القيمة السوقية لأصول وممتلكات تلك الشركات فتراوحت بين 300 مليار جنيه و500 مليار جنيه بأسعار ذلك الوقت، وعلى ذلك فهي في أقل التقديرات لا تقل عن 300 مليار جنيه.

وقد أسفرت التجربة بعد مرور أكثر من 17 سنة على عمليات البيع والخصخصة كما أشارت التقارير الرسمية الصادرة عن الجهاز المركزي للمحاسبات عن بيع 194 شركة من هذه الشركات بنحو 1و50 مليار جنيه، أي أن تقريبًا نصف عدد الشركات المعروضة للبيع (194 شركة من 380 شركة معروضة)، وهي الشركات الأكثر ربحية فيها، قد تم بيعها بأقل من نصف أقل قيمة مقدرة لها (1و50 مليار جنيه) بدلًا من (150 مليار جنيه هي نصف الـ300 مليار جنيه المقدرة لكل الشركات المعروضة)، بما يعني إهدار نحو 100 مليار جنيه مِن المال العام، في مقابل عمولات وهدايا وما شابهها ذهبت لكبارٍ مِن المسئولين في الوزارات، ومِن رجال البورصة، ومن رؤساء شركات قابضة؛ وهو ما دفع الجهاز المركزي للمحاسبات للقول في تقريره: "إن بيع الأصول المملوكة للدولة كان يتم بأقل مِن قيمتها الحقيقية، مما يمثِّل إهدارًا للمال العام" (تقرير الجهاز المركزي للمحاسبات عن حصيلة الخصخصة وأوجه التصرف فيها منذ بدايتها حتى 30 / 6 / 2006 م)، راجع في ذلك: (اقتصاديات الفساد في مصر: كيف جرى إفساد مصر والمصريين 1974 م – 2010 م؟) - عبد الخالق فاروق - ط. مكتبة الأسرة 2012 م - الهيئة المصرية العامة للكتاب، ص: 47 - 48).

وزاد مِن سوء الأمر: أن هذه الشركات التي تم بيعها كان الكثير منها يتم عن طريق تمويل بقروضٍ مِن المصارف المصرية، بما يعني عدم زيادة جادة في سوق الاستثمارات والاستفادة من رؤوس أموال ومدخرات، وارتبطت هذه القروض بقضايا فساد ونصب في بعضها. هذا إلى جانب ما تم مِن تشريد وتسريح لعمالة منها أصحاب خبرات ومهارات؛ بالإضافة إلى ما تم من تسقيع أراضي وحدات منها لبيعها بعد سنوات بأسعارٍ مرتفعة تفوق بكثير الثمن الذي تم شراؤها به.

يقول الأستاذ عبد الخالق فاروق: "وتتمثل عمليات نهب الممتلكات العامة في موضوع الخصخصة من خلال ثلاث آليات متكاملة، هي:

الأولى: تقييم الأصول الإنتاجية والممتلكات - بما فيها الأراضي الفضاء والعقارات - بأقل من قيمتها السوقية.

الثانية: تمويل معظم عمليات الشراء من خلال قروض البنوك.

الثالثة: تسقيع الأراضي والعقارات المملوكة لهذه الشركات تمهيدا لبيعها" (المصدر السابق، ص:48). ويضيف معلقًا: "إنها أكبر عملية احتيال ونصب وإهدار للمال العام منذ عهد الخديوي إسماعيل!".

ويقول د.مصطفى السعيد مبينًا الأثر السلبي للخصخصة التي تمت في عهد مبارك: "صاحب الاتجاه نحو اقتصاديات السوق وتحرير التجارة والاندماج في الاقتصاد العالمي الدعوة إلى خصخصة القطاع العام، وتبنت الحكومة هذه الدعوة... إلا أن التطبيق العملي لسياسات الخصخصة لم يكن متفقًا مع هدف تعظيم الاستثمار، وفي حالات كثيرة أدى إلى انخفاض في حجم الموارد المتاحة للاستثمار" (راجع: الاقتصاد المصري وتحديات الأوضاع الراهنة، د. مصطفى السعيد، ط. مكتبة الأسرة - دار الشروق - 2003 م - ص: 49).

ويوضِّح ذلك بأن: "الحكومة لجأت إلى سياسة تجميد القطاع العام إلى أن يتم خصخصته، فتوقفت استثمارات القطاع العام، وتوقف تحديثه وتوسيعه، مما أدَّى إلى تعطيل طاقاته الإنتاجية وتخلف إنتاجياته، وعدم قدرته على تحقيق فائض، بل وزيادة خسارة الكثير مِن وحداته. وكان أحرى بالحكومة أن تبادر إلى خصخصته لتحميل القطاع الخاص مسئولية تطويره وتحديثه، ولكنها لم تفعل، وتركت الكثير من وحدات القطاع العام تتدهور اقتصادياتها دون خصخصتها، ويصدق ذلك على قطاع الغزل والنسج".

ويضيف: "أن الحكومة تصرفت في عائد الخصخصة، أي عائد ما تم بيعه، على نحو من شأنه أن يقلل الموارد المالية المتاحة للاستثمار... ففيما عدا الحالات القليلة التي تم تمويل شرائها عن طريق موارد من الخارج، فإن معظم ما تم خصخصته من شركات قد تم تمويله محليًّا من مدخرات أو عن طريق تسهيلات ائتمانية من البنوك المصرية، ومِن ثَمَّ لم تؤدِ هذه المدخرات أو التسهيلات الائتمانية إلى خلق طاقات إنتاجية جديدة، بل اُستخدمت لتمويل طاقات إنتاجية قائمة بالفعل... هذا في الوقت الذي عقمت فيه الحكومة ما حصلت عليه مِن أموال نتيجة ما تم خصخصته مِن وحدات القطاع العام، وذلك باستخدامها في تمويل المعاش المبكر أو سداد قروض القطاع العام أو تحويلها إلى حساب البنك المركزي. وهكذا لم تعد هذه الأموال للتدفق مرة أخرى في شرايين الاقتصاد في صورة استثماراتٍ جديدةٍ".

ويعلق على ذلك بقوله: "وبذلك تكون النتيجة النهائية لسياسات الخصخصة التي اتبعتها الحكومة هي تخفيض الموارد المتاحة للاستثمار، مما ساهم فيما نعانيه من ركود وبطالة" (المصدر السابق: 49 - 50).

ويؤكد د.مصطفى السعيد على ذلك في موضعٍ آخر فيذكر: "إن سياسات الخصخصة التي طُبقت في مصر منذ أوائل التسعينيات يرد عليها تحفظان أساسيان.. هما:

أ- أنه منذ بدء تطبيق هذه السياسات توقفت الغالبية من شركات قطاع الأعمال العام عن القيام باستثمارات جديدة أو حتى استثمارات للإحلال والتجديد، وذلك دون أن تنتقل ملكية الكثير من هذه الشركات، خصوصًا في قطاعات مهمة: كقطاع الغزل والنسج، وقطاع السلع الهندسية، حتى الآن إلى القطاع الخاص... الأمر الذي أدى إلى تدهور وإهلاك أصول هذه الشركات وضعف إنتاجيتها، وأفقد الاقتصاد قدرًا لا يُستهان به مِن طاقاته الإنتاجية.

ب- أن حصيلة وعائد الخصخصة لم يتم إعادة ضخه بالكامل في استثماراتٍ تزيد مِن الطاقات الإنتاجية المتاحة، ولكن تم تعقيمه بإنفاقه على المعاش المبكر لتقليل العمالة في وحدات قطاع الأعمال العام التي تجري خصخصتها، أو تحويله إلى البنك المركزي لاستخدامه في الحد مِن عجز الموازنة العامة، أو في تمويل زيادة الاحتياطي من النقد الأجنبي... الأمر الذي ساهم في تقليل الموارد المتاحة للاستثمار" (المصدر السابق، ص 97- 98).

ولتصحيح تلك الأوضاع يقترح د.مصطفى السعيد بعد النصح بالتريث والتروي -مع عدم البطء والتلكؤ؛ حفاظًا على حقوق العاملين، ولمنع التسرع بالبيع بأقل من السعر العادي-:

1- عدم توقف استثمارات شركات قطاع الأعمال العام إلى أن يتم خصخصتها، بل يتعين الاهتمام بتطويرها وزيادة كفاءتها الإنتاجية بضخ استثمارات جديدة بها دون التوقف، حتى يتم انتقال ملكيتها للقطاع الخاص... ويعلل ذلك بقوله: "إن ذلك يساعد على الحفاظ على أصول هذه الشركات وتطورها إلى الأفضل، ويمنع تدهورها كما هو حادث بشكل صارخ بالنسبة لقطاع الغزل والنسج على الرغم مِن أهميته البالغة، كما أنه يساعد على بيع هذه الشركات بشروط أفضل مِن حيث السعر، ويتيح الفرصة ليتنافس عدد أكبر من المستثمرين على شرائها، لما تتمتع به هذه الشركات من قوة لحداثتها وكفاءتها الإنتاجية.. كما يزيد مِن حجم الاستثمارات الكلية، وبعائدٍ أفضل نسبيًّا، حيث إن هذه الاستثمارات ستستخدم لتشغيل طاقات قائمة فعلًا، ولكنها معطلة، ولتحقيق توسعات لا تحتاج إلى أصول ثابتة كبيرة".

2- إعادة النظر في استخدامات حصيلة أو عائد الخصخصة بما يحول دون تعقيم هذه الحصيلة، وذلك بإعادة استثمارها في مشروعاتٍ جديدة يتم دراستها بدقةٍ وعنايةٍ، مع إعطاء الأولوية للمشروعات التي يصعب على القطاع الخاص حاليًا القيام بها مع أهميتها، أي استمرار الدولة كمستثمر إلى أن يستطيع القطاع الخاص أن يتحمل هذه المسئولية.

3- أن تدار شركات قطاع الأعمال العام التي مازالت في حوزة الدولة وفقًا لأساليب الإدارة الحديثة من مرونة وشفافية، ووفقًا لاقتصاديات السوق بعيدا عن البيروقراطية.

4- أن يكون البيع بالسعر العادل الذي يراعي مصلحة المشتري دون إضاعة حق الدولة، مع متابعة الحكومة للشركات بعد خصخصتها لتساعدها على تخطي ما يواجهها مِن عقبات إدارية بيروقراطية وما يتطلبه تطويرها (راجع في ذلك المصدر السابق، ص: 98 - 100).

فساد الخصخصة أمام البرلمان:

ومما يبين ما كان مِن نية تعمد الفساد والإفساد في قضية الخصخصة في عهد حكم مبارك ما شهده البرلمان مِن تعنت رجال الدولة في مواجهة مَن عارض فساد عمليات الخصخصة في عهد مبارك وتصدَّى لها داخل البرلمان وفي جلساته، وهذا البرلمان كان يسيطر عليه دائمًا قيادات ورجال الحزب الوطني الحاكم الذي يرأسه مبارك.

وهذا ما تعرض له الكاتب محمد المصري الذي كان يعمل في مجلة أكتوبر في القسم البرلماني حيث قال: "وأشهد أن حكومات النظام السابق مِن نهاية الثمانينيات وحتى سقوط النظام كله في 25 يناير 2011م كانت تشن حربًا شرسة وضارية ضد شركات القطاع العام... وكانت تضع أمامها العقبات والعثرات لتكبيلها بالديون... وكان عاطف عبيد منذ كان وزيرًا لقطاع الأعمال العام وحتى رئاسته للوزراء ومِن ورائه مختار خطاب... كان يضعون على رأس شركات القطاع العام كل القيادات الفاشلة والفاسدة التي تتولى إدارتها... ويسمحون لهم بالسحب على المكشوف لتغطية العجز في شركاتهم بدلًا مِن البحث عن أسبابه... ومحاولة تطوير هذه الشركات التي كانت في يومٍ مِن الأيام مِن الشركات الرابحة، واستطاع عاطف عبيد ومكتبه الفني التلاعب في تقييم أصول هذه الشركات وتنفيذ خطة بيعها" (كواليس الفساد في برلمان مبارك، ط. كتاب اليوم - أغسطس 2014 م، ص: 40).

ويقول: "وأذكر أن هذا الكلام قاله النائب د.إبراهيم الجعفري في استجوابه في عام 2007 م لوزير الاستثمار الأسبق دكتور محمود محيي الدين. فالنائب الجعفري يؤكد: إن بعض الأوساط الحكومية قدَّرت قيمة أصول القطاع العام بنحو 500 مليار جنيه، ولكن حكومات النظام الأسبق باعت نصف القطاع العام بنحو 25 مليار جنيه، وأنها كانت تجفف منابع التمويل عن القطاع العام عن طريق وقف التسهيلات الائتمانية لإعسار هذه الشركات وهدمها... وأن البيع يتم بثمنٍ بخسٍ، وبيع الشركات الرابحة أولًا.. وخنق باقي شركات القطاع العام حتى إنه في عام 2003م حصلت هذه الشركات على 12 % فقط مِن الائتمان المصرفي، في حين أن القطاع الخاص حصل على 76%... وأنهم كانوا يضعون القطاع العام في منافسة غير عادلة مع القطاع الخاص والأجنبي" (راجع المصدر السابق، ص 40 - 41).

ويؤكد الكاتب على أن نواب التسعينيات كانوا أول مَن نبهوا إلى خطورة هذه الخصخصة على الاقتصاد المصري وانعكاساتها السلبية على المواطن، ومنهم: النائب خالد محيي الدين في بيان له عاجل في ديسمبر 1993م حول توقف مصنع الحرير الصناعي بشركة أسكو بشبرا الخيمة، والنائب محمود الطويل حول الشركة العامة للبطاريات، والنائب البورسعيدي البدري الفرغلي في يناير 1990 م في استجوابه لعاطف عبيد حول قيام وزارته ببيع بعض شركات قطاع الأعمال بغير قيمتها الحقيقية، ودون اتباع أساليب البيع القانونية، لكن عن طرق بالبيع بأسلوب المفاوضة، مما يمكن بعض قيادات المكتب الفني بالوزارة وبعض مستشاري الوزير الاقتصاديين بإقامة علاقات غير مشروعة مع بعض المؤسسات المالية الأجنبية التي تقوم بعقد صفقات البيع، وتقديم تسهيلاتٍ لها مقابل مكاسب مادية. (المصدر السابق، ص 41 - 43).

يقول الكاتب محمد المصري: "وأذكر في إحدى الجلسات التي عُقدت لمحاكمة الخصخصة ومحاسبة الحكومة أن النواب كانوا يتساءلون عن حصيلة الخصخصة وأين ذهبت أموالها؟!" (المصدر السابق، ص 56).