إشراف الشيخ ياسر برهامي
السبت 26 مايو 2018 - 11 رمضان 1439هـ

الطريق طويل!

كتبه/ ياسر برهامي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛ 

فإن أطماع اليهود في المسجد الأقصى وهدمه لبناء الهيكل مكانَه لا تخفى، وهم يعلنونها، والأمريكان كلهم يعاونون على هذه الأطماع بما لا يدع مجالًا لأحدٍ في إحسان الظن بأحدٍ منهم على الإطلاق؛ وإلا فهو يعيش في أحلامٍ لا حقيقة لها!

وهذا الهدف لا يتحقق إلا بهدم الدول والمجتمعات الإسلامية -وخاصة العربية- وفقدان الهوية الإسلامية، والتفرق والتشرذم والاحتراب الداخلي، وسيطرة العلمانية وقيم الغرب المنحطة التي يجاهدون لفرضها على العالم بالحديد والنار، والسياسة والمال، والإعلام، وبكل الوسائل!

ولنكن صرحاء مع أنفسنا: إن الأجيال الحالية لا تستطيع تحرير المسجد الأقصى وفق السنن الشرعية والكونية التي لا تُصادَم؛ وليس معنى هذا أبدًا أن نيأس، ولكن لا نعيش عالم الخيال، ولا ندفع شبابنا لأنواعٍ مِن الصدام محسوم عاقبته ضدنا.

فهي مسؤولية الساسة والدعاة والعلماء: أن لا يساهِموا في الغيبوبة، ولكن يجب الدفع في الطريق الصحيح الصعب الطويل المضني الشاق، وهو عودة الأمة إلى هويتها الإسلامية التي يسعى الأعداء إلى طمسها.

إن وجود الطائفة المؤمنة التي تتكون مِن الأفراد ذوي الشخصية المسلمة المتكاملة -إسلامًا وإيمانًا وإحسانًا، وعِلمًا وعبادةً ومعاملةً وسلوكًا وخُلُقًا وترابطًا وتعاونًا على الدعوة إلى الله والبر والتقوى- لم يَعُد بالمهمّة السهلة -ابتداءً واستمرارًا- في ظل عقباتٍ صعبةٍ وأشواكٍ مؤلمةٍ، ولكن لا بديل عن ذلك.

إن المسؤولية في الضعف والهوان الذي وصلت إليه الأُمَّة -حتى ينشر اليهود في نفس الأسبوع الذي نُقلت فيه سفارة أمريكا للقدس صورةً للسفير الأمريكي يتلقى -مبتسمًا- "ماكيت" للقدس وقد أزيل المسجد الأقصى وقبة الصخرة وحل محله "الهيكل" المزعوم - مسئولية مشتركة بيْن الحكام والشعوب؛ يتحملها كل مَن حارب قيم التدين بالإسلام، لصالح القيم الغربية، في الحريات ووضع المرأة والعلاقة مع الرجل، ومساواة الملل -المستحيلة عقلًا وشرعًا وتاريخًا-.

- يتحملها كل مَن ساهم في كبت توجه الشباب نحو العبادة والالتزام والعلم النافع.

- يتحملها كل مَن سره إغلاق المساجد وكونها خاوية على عروشها، لصالح امتلاء الشواطئ بالعري والفساد.

- يتحملها كل مَن ضيع أولاده وأسرته، ورضي بالانقطاع عنهم، وتركهم فريسة لوسائل التواصل المدمرة التي قطعت أوصال الأُسَر؛ حتى صار الأب تمر عليه الشهور بلا جلسة حوار أو نقاش مع أولاده.

- يتحملها مَن شَوَّهَ صورة الحق في نفوس أبناء الأمة؛ حتى صارت "داعش" وأمثالها مِن الجماعات التكفيرية هي أمل اليائسين، وهي في الحقيقة دمار اليقظة وخراب رجاء العودة!

- يتحملها مَن نَشَر الخرافات والبدع على أنها الدين الوسطي، وأراد أن يُنزع الكتاب والسُّنة عن سلطان الحُكْم بيْن الناس -في العقائد والأحكام وأحوال القلوب والأخلاق-؛ باسم محاربة الإرهاب والتطرف والوهابية والتيمية.

- يتحملها مَن عاش حياته بلا هدفٍ ولا غايةٍ، إلا الشهوات مِن الجنس والمال والسلطة والشهرة، وسعى في نشر ذلك باسم الفن والأدب والحرية والتقدم والتمكين للشباب والتمكين للمرأة والنوع المجتمعي وغيرها مِن أهداف منظمات المجتمع المدني الهادمة للمجتمع وبنائه.

- يتحملها المرتشون والمُرَابون والمُفسدون والمُخَرِّبون، الظالمون للناس، المعتدون على حقوقهم الشرعية والإنسانية، المدمرون لمعاني الإنسانية السَّوِيَّة؛ لتنشأ الأفكار المنحرفة الحاقِدة على المجتمع المُكَفِّرَة له الساعية في تدميره.

ومع هذا كله فلا نيأس... ولكن: مِن أين نبدأ؟ وما الحل؟!

- الحَلُّ في أن نرتفع بالقرآن ولا نخلد إلى الأرض؛ فإن الله يرفع العبد بآياته إن شاء، ولا يتركه لهواه حتى يخلد إلى الأرض؛ فعند ذلك نرى الحياة كلها لهوًا ولعبًا، ونرى قُواها ودُوَلَها ذَرَّةً وهباءً إذا رأينا (أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا) (البقرة:165)، ونرى خريطة البشرية وصراعاتها محسومة لانتصار الحق.

- حينما نقترب إلى الله ونبتعد عن الإخلاد إلى الأرض تصغر العقبات والأسوار، وتنطلق القلوب والأرواح إلى أعلى؛ فتتغير موازين الحياة؛ يغيرها الله لهم بإحسانهم، (ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا) (الإسراء:6).

- نبدأ مِن الصلاة؛ العباد يوهبون في الصلاة ما تتغير به شكل الحياة بالكلية، (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ) (الأنفال:9).

- بصلاة ليلةٍ حتى الصباح تحت شجرة، وَهَب الله رسولَه نصرَ بدر؛ فعُبِد الله في الأرض إلى يوم القيامة.

- وبقيامه ليلة الأحزاب -وسط البرد والخوف والجوع والريح والظلمة، وتَفَرُّق الناس، وعدم طاعة أخص الأصحاب إلا بعد الأمر المباشر- (... رَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا) (الأحزاب:25)؛ هزم الأحزاب وحده.

- في صلاته في محرابه وُهِب زكريا يحيى -وريث الهداية في آل يعقوب- (وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ) (آل عمران:39).

- بالصلاة والقنوت والسجود، والركوع مع الراكعين؛ وُهِبت مريم وهيِّئت لولادة المسيح -عليه السلام-، الذي غَيَّر -وسيُغَيِّرُ- وجه الحياة على الأرض قبْل القيامة، ويحكم الأرض بالإسلام ولا يقبل دينًا سواه، (يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ) (آل عمران:43).

- نبدأ مِن الفاتحة، السبع المثاني  والقرآن العظيم، الذي أوتيه النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.

- نبدأ مِن (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) (الفاتحة:5).

- نبدأ مِن التضرع، (فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا) (الأنعام:43).

- نبدأ مِن رمضان وما فيه؛ فقد تتغير موازين هائلة وأوضاع مستقرة بدعوةٍ مِن صادق في صيامه أو في وقت السَّحَر.

- نبدأ مِن الزكاة والحج والعمرة رغم العقبات؛ فكثير مِن الناس لا يفهمون سر التغيير.

- نبدأ مِن تحقيق التوحيد والإيمان وتعلق القلوب بالملك الحق؛ فنرى مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ونكون مِنَ الْمُوقِنِينَ.

- ونتغير في أحوالنا وأقوالنا ومعاملاتنا وأخلاقنا، واهتماماتنا ومقاصدنا، وحُبِّنَا وبُغضِنا؛ حتى يُصبَغ ذلك كله بصبغة الله، وتتشكل قلوبنا لَيِّنَةً لذكر الله، على وفق شرعه.

فعند ذلك يغير الله ما بنا؛ (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) (الرعد:11).

ورغم أن الطريق طويلٌ إلا أن نهايتَه محسومة؛ والنصر واقع لا محالة، والقدس عائدة، بل والأرض كلها عائدة، (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ) (الأنبياء:105).

ولكن... فلنحذر أن نسير في غير الطريق؛ فرغم طوله فهو أقصر الطرق.