إشراف الشيخ ياسر برهامي
الأحد 15 أبريل 2018 - 29 رجب 1439هـ

لا تكن مِن أهل الغفلة!

كتبه/ جمال فتح الله عبد الهادي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فعن أسامة بن زيد -رضي الله عنهما-، قال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَمْ أَرَكَ تَصُومُ شَهْرًا مِنَ الشُّهُورِ مَا تَصُومُ مِنْ شَعْبَانَ، قَالَ: (ذَلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَانَ، وَهُوَ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الْأَعْمَالُ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ) (رواه أحمد والنسائي، وحسنه الألباني).

قال ابن رجب -رحمه الله-: "وقد ظهر بما ذكرناه وجه صيام النبي -صلى الله عليه وسلم- لشعبان دون غيره مِن الشهور، وفيه معانٍ أخر، وقد ذكر منها النبي في حديث أسامة معنيين: أحدهما: أنه شهر (يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَانَ)، يشير إلى أنه لما اكتنفه شهران عظيمان الشهر الحرام وشهر الصيام اشتغل الناس بهما عنه فصار مغفولًا عنه، وكثير مِن الناس يظن أن صيام رجب أفضل مِن صيامه؛ لأنه شهر حرام وليس كذلك... وفي قوله: (يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَانَ) إشارة إلى أن بعض ما يشتهر فضله مِن الأزمان أو الأماكن أو الأشخاص قد يكون غيره أفضل منه إما مطلقًا أو لخصوصيةٍ فيه لا يتفطن لها أكثر الناس فيشتغلون بالمشهور عنه، ويفوتون تحصيل فضيلة ما ليس بمشهورٍ عندهم.

وفيه دليل على استحباب عمارة أوقات غفلة الناس بالطاعة، وأن ذلك محبوب لله -عز وجل- كما كان طائفة مِن السلف يستحبون إحياء ما بيْن العشاءين بالصلاة، ويقولون: "هي ساعة غفلة"؛ ولذلك فُضل القيام في وسط الليل المشمول الغفلة لأكثر الناس فيه عن الذكر، وقد قال الرسول: (فَإِنْ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَكُونَ مِمَّنْ يَذْكُرُ اللَّهَ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ فَكُنْ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني).

وفي إحياء الوقت المغفول عنه بالطاعة فوائد:

منها: أنه يكون أخفى، وإخفاء النوافل وإسرارها أفضل؛ لا سيما الصيام، فإنه سـر بيْن العبد وربه؛ ولهذا قيل: إنه ليس فيه رياء، وقد صام بعض السلف أربعين سنة لا يعلم به أحدٌ، كان يخرج مِن بيته إلى سوقه ومعه رغيفان فيتصدق بهما ويصوم، فيظن أهله أنه أكلهما ويظن أهل السوق أنه أكل في بيته، وكانوا يستحبون لمَن صام أن يظهر ما يخفي به صيامه.

فعن ابن مسعود قال: "إذا أصبحتم صيامًا فأصبحوا مدهنين"، وقال قتادة: "يستحب للصائم أن يدهن حتى تذهب عنه غبرة الصيام!"، وهو دليل على صدق الإخلاص.

ومنها: أنه أشق على النفوس، وأفضل الأعمال أشقها على النفوس، وسبب ذلك: أن النفوس تتأسى بما تشاهد مِن أحوال أبناء الجنس، فإذا كثرت يقظة الناس وطاعاتهم كثر أهل الطاعة لكثرة المقتدين بهم فسهلت الطاعات، وإذا كثرت الغفلات وأهلها تأسى بهم عموم الناس فيشق على نفوس المستيقظين طاعاتهم لقلة مَن يقتدون بهم فيها.

ومنها: أن المفرد بالطاعة مِن أهل المعاصي والغفلة قد يدفع البلاء عن الناس كلهم؛ فكأنه يحميهم ويدافع عنهم.

- وكذلك اهتمام ومتابعة أسامة بن زيد لعبادة النبي -صلى الله عليه وسلم-.

وسئلت عائشة عن صيام رسول الله، فقالت: "كَانَ يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ قَدْ صَامَ، وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ قَدْ أَفْطَرَ، وَلَمْ أَرَهُ صَائِمًا مِنْ شَهْرٍ قَطُّ أَكْثَرَ مِنْ صِيَامِهِ مِنْ شَعْبَانَ، كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ، كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ إِلا قَلِيلًا"، وبكل حال فكان عمل النبي ديمة، وكان إذا فاته مِن نوافله قضاه كما كان يقضي ما فاته مِن سنن الصلاة، وما فاته مِن قيام الليل بالنهار فكان إذا دخل شعبان وعليه بقية مِن صيام تطوع لم يصمه قضاه في شعبان حتى يستكمل نوافله قبل دخول رمضان، فكانت عائشة حينئذٍ تغتنم قضاءه لنوافله فتقضي ما عليها مِن فرض رمضان حينئذٍ لفطرها فيه بالحيض.

وقد قيل في صوم شعبان معنى آخر: أن صيامه كالتمرين على صيام رمضان؛ لئلا يدخل في صوم رمضان على مشقةٍ وكلفةٍ، بل قد تمرن على الصيام واعتاده، ووجد بصيام شعبان قبله حلاوة الصيام ولذته، فيدخل في صيام رمضان بقوةٍ ونشاطٍ.

ولما كان شعبان كالمقدمة لرمضان شرع فيه ما يشرع في رمضان مِن الصيام وقراءة القرآن ليحصل التأهب لتلقي رمضان، وترتاض النفوس بذلك على طاعة الرحمن" (انتهى بتصرف مِن لطائف المعارف).

وقد قال -تعالى-: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) (الأحزاب:21).

والحمد لله رب العالمين.