كتبه/ عبد العزيز خير الدين
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فكفران العشير هو: أن يُحسِن الزوج إلى زوجته، ويعاملها معاملة طيبة، ثم يُقصِّر أو يقع في تقصيرٍ ما، فتقول له: ما رأيت منك معروفًا أو خيرًا قط، وتتجاهل كل ما بينهما من معروف، ولا تذكر أو تتذكر غير السيئة، وهذا يُوسِّع بينهما الفجوة والخلاف، ويُحبِط الزوج، فلا يجعله بعد ذلك مهتمًّا ومسارعًا لفعل الخير.
وليس الأمر مقتصرًا على المرأة وحدها، بل نجد في بعض الرجال مَن يكفر بالعشرة والعشير متعمدًا ذلك لغرض في نفسه، لكن ذكرنا هنا المرأة لأنه الغالب فيها؛ حيث إن عاطفتها تسبق عقلها، وتندفع بسرعة؛ لذا ذكرها النبي -صلى الله عليه وسلم-، وحذَّرها من هذه الصفة التي تكون سببًا في دخولها النار.
كما جاء عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (أُرِيتُ النَّارَ فَإِذَا أَكْثَرُ أَهْلِهَا النِّسَاءُ يَكْفُرْنَ). قِيلَ: أَيَكْفُرْنَ بِاللَّهِ؟ قَالَ: (يَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ، وَيَكْفُرْنَ الْإِحْسَانَ؛ لَوْ أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ، ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئًا، قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ) (رواه البخاري ومسلم، واللفظ للبخاري).
طاعة الزوج والإحسان إليه، والاعتراف بجميله وشكره، من الأمور التي تُوجِب رضا الله، ومخالفة هذه الأمور تجلب سخطه -سبحانه- وعذابه؛ كما جاء في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (لَا يَنْظُرُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى إِلَى امْرَأَةٍ لَا تَشْكُرُ لِزَوْجِهَا، وَهِيَ لَا تَسْتَغْنِي عَنْهُ) (أخرجه النسائي في السنن الكبرى، وصححه الألباني).
فلتعلم الزوجة أن الله لا ينظر نظرةً فيها رحمة (إِلَى امْرَأَةٍ لَا تَشْكُرُ لِزَوْجِهَا، وَهِيَ لَا تَسْتَغْنِي عَنْهُ)؛ أي: إن أحسن إليها، وقام بأمورها لدرجة تصل إلى عدم الاستغناء عنه، ومع ذلك هي لا تشكره، وتكفر معروفه، وتؤذيه بمساوئ الأفعال والأخلاق والخصال، فتكفر بالعشرة والعشير، بل الشكر هنا مطلوب، وهو الثناء عليه باللسان والأفعال من إظهار السرور، والراحة بالحياة في كَنَفه، والقيام على أموره وأمور ولده، وخدمته، وعدم التخلِّي عنه في مِحَنه، وعدم تتبُّع عثراته، وترك الإساءة إليه في مواطن خلله، وزللـه وقصوره.
كما أن المسلم عمومًا مُطالَب بألَّا يكفر بنعم الله عليه، ومن هذه النعم تسخير الخلق لخدمته؛ لذا وصَّانا بألَّا ننسى هذا الفضل، كما قال -تعالى-: (وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) (البقرة: 237).
ومما يلفت الانتباه والتفكر: أن الآية جاءت في سياق الحقوق والواجبات بين الزوج والزوجة حتى قبل الدخول بها؛ فمن باب أولى عدم نسيان المعروف بعد العشرة والحياة الزوجية.
وإذا وجد الزوج من زوجته نوعًا من الإساءة أو التقصير، والعكس؛ فليتذكر كل واحد منهما للآخر كل معروف قدَّمه، ويقابل الإساءة بالإحسان، والغضب بالحلم، وإذا كان أجر من يفعل ذلك مع الناس ومع الأرحام مطلوبًا، فهو أرغب وأرقى في التعامل مع الزوجين، فعن أبي هريرة -رضي الله عنه-: أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ لِي قَرَابَةً أَصِلُهُمْ وَيَقْطَعُونِي، وَأُحْسِنُ إِلَيْهِمْ وَيُسِيئُونَ إِلَيَّ، وَأَحْلُمُ عَنْهُمْ وَيَجْهَلُونَ عَلَيَّ. فَقَالَ: (لَئِنْ كُنْتَ كَمَا قُلْتَ، فَكَأَنَّمَا تُسِفُّهُمُ الْمَلَّ، وَلَا يَزَالُ مَعَكَ مِنَ اللَّهِ ظَهِيرٌ عَلَيْهِمْ مَا دُمْتَ عَلَى ذَلِكَ) (رواه مسلم).
وهناك صفة ربما يجهلها كثيرٌ من الأزواج، وهي: صفة (المداراة)، وهي تعني الملاطفة، والملاينة، وحُسن التعامل، وخفض الجناح، ولين الكلام، وتجنب الإغلاظ في القول، بهدف تأليف القلوب وكسب الود، أو لدفع الأذى والفتنة دون التنازل عن المبادئ.
وهذه من الأساليب المهمة في التعامل، وهناك فرق بينها وبين المداهنة.
وقد بيَّنها ابن القيم -رحمه الله- فقال: "وكذلك المداراة صفة مدح، والمداهنة صفة ذم. والفرق بينهما: أن المداري يتلطَّف بصاحبه حتى يستخرج منه الحق أو يردَّه عن الباطل، والمداهن يتلطَّف به ليُقِرَّه على باطله ويتركه على هواه. فالمداراة لأهل الإيمان، والمداهنة لأهل النفاق" (الروح).
ما أجمل الشهامة والكرم والإحسان والاعتراف بالجميل، وما أسوأ الخسة والنذالة والجحود مع مَن يصنع معك معروفًا!