كتبه/ سعيد محمود
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
المقدمة:
- التعرف على الله أجل أبواب العلوم، والتعبد لله بأسمائه وصفاته أجل أبواب التعبد: قال -تعالى-: (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا) (الأعراف: 180)، وقال: (قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى) (الإسراء: 110)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ) (رواه البخاري ومسلم).
الوقفة الأولى: مواضع ورود اسم الله (الحي) ومعناه:
- وَرَد اسمه -سبحانه- (الحَي) خمس مرات في كتاب الله -عز وجل- وذلك في قوله -تبارك وتعالى-: (اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ) (البقرة: 255)، وقوله -سبحانه-: (الم . اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) (آل عمران: 1- 2)، وقوله -عز وجل-: (وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا) (طه: 111)، وقوله -عز وجل-: (وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا) (الفرقان: 58)، وقوله -سبحانه-: (هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (غافر: 65).
- وورد في السنة قوله -صلى الله عليه وسلم- في دعائه: (يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ بِرَحْمَتِكَ أَسْتَغِيثُ) (رواه الترمذي، وحسنه الألباني)، وقوله -صلى الله عليه وسلم-: (اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ، وَبِكَ خَاصَمْتُ، أَعُوذُ بِعِزَّتِكَ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ أَنْ تُضِلَّنِي، أَنْتَ الْحَيُّ الَّذِي لَا يَمُوتُ، وَالْجِنُّ وَالْإِنْسُ يَمُوتُونَ) (رواه مسلم).
- معنى (الحي) في حق الله -تعالى-: الله -عز وجل- هو الحي الباقي الذي لا يجوز عليه الموت ولا الفناء، -عز وجل- وتعالى عن ذلك علوًّا كبيرًا، ولا تعرف العرب عن الحي والحياة غير هذا. (ينظر: اشتقاق أسماء الله للزجاج).
وقال ابن القيم -رحمه الله-: "وحياته -سبحانه- أكمل الحياة وأتمها، وهي حياة تستلزم جميع صفات الكمال، وتنفي أضدادها من جميع الوجوه" (شفاء العليل). قال الله -تعالى-: (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ . وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ) (الرحمن: 26- 27).
الوقفة الثانية: من آثار التعبد لله بهذا الاسم العظيم (الحي):
أولًا: محبة الله -عز وجل- وإجلاله وتوحيده:
إن العبد إذا علم بأن لربه -تعالى- الحياة الكاملة المطلقة والتي تتضمن جميع صفات الكمال، فإن ذلك يثمر في القلب الابتهاج، واللذة، والسرور مما تندفع به الكروب، والهموم، والغموم: قال ابن القيم -رحمه الله-: "فعِلم القلب ومعرفته بذلك توجب محبته وإجلاله وتوحيده، فيحصل له من الابتهاج، واللذة، والسرور ما يدفع عنه ألم الكرب، والهم، والغم" (شفاء العليل).
ولذا كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يتوسل بحاله وفقره واستسلامه لربه -عز وجل- ويتوسل بعزته -سبحانه- وباسمه (الحي) الذي لا يموت في حفظ إيمانه، والاستعاذة بهذا الاسم العظيم من الضلال والغواية، فكان يقول: (اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ، وَبِكَ خَاصَمْتُ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِعِزَّتِكَ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ أَنْ تُضِلَّنِي، أَنْتَ الْحَيُّ الَّذِي لَا يَمُوتُ، وَالْجِنُّ وَالْإِنْسُ يَمُوتُونَ) (رواه مسلم).
ثانيًا: التوكل الصادق على الله -عز وجل-:
فمن آمن بأن ربه -سبحانه- هو الحي الذي له الحياة الكاملة، يكون توكله في جميع أموره عليه وحده -سبحانه-، ويقطع تعلقه ورجاءه بالمخلوقين الضعاف الذين يموتون وينامون ويغفلون وينسون، ولا يملكون لأنفسهم ضرًّا ولا نفعًا فضلًا عن أن يملكوه لغيرهم: يقول الله -عز وجل-: (وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ) (الفرقان: 58).
ثالثًا: الزهد في هذه الحياة الدنيا الفانية وعدم الاغترار بها:
لأنه مهما أُعْطِي العبد من العمر فلا بد من الموت، أما الحياة الدائمة التي يهبها (الحي) لعباده المؤمنين فهي في الدار الآخرة في جنات النعيم، وهذا الشعور يدفع المسلم إلى الاستعداد للآخرة والسعي لنيل مرضات الله -عز وجل- في الحياة السرمدية في جنات النعيم، قال -سبحانه-: (وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) (العنكبوت: 64)(1).
رابعًا: تعظيم قدر الحياة الموهوبة من الحي -سبحانه-:
وذلك بعدم التجرؤ على حق الله في الإماتة والإحياء، وذلك بتعظيم حرمة النفس التي حرَّم الله قتلها إلا بالحق، قال -تعالى-: (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا) (النساء: 93)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ يَتَرَدَّى فِيهِ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ تَحَسَّى سُمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَسُمُّهُ فِي يَدِهِ يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ يَجَأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا) (رواه البخاري)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ، فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ مُتَمَنِّيًا فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتِ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي) (رواه مسلم).
خامسًا: الإكثار من سؤال الله بهذا الاسم العظيم (الحي) لا سيما إذا أضاف إليه اسم (القَيُّومُ) فإن لذلك تأثيرًا خاصًّا في إجابة الدعوات وكشف الكربات:
فعن أنس -رضي الله عنه-، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان إذا كربه أمر قال: (يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ بِرَحْمَتِكَ أَسْتَغِيثُ) (رواه الترمذي، وحسنه الألباني). وعنه -رضي الله عنه- قال: كنت مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- جالسًا في الحلقة، ورجل قائم يصلي، فلما ركع وسجد فتشهد، ثم قال في دعائه: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنَّ لَكَ الْحَمْدَ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ الْمَنَّانُ، يَا بَدِيعَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ، إِنِّي أَسْأَلُكَ)، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (أَتَدْرُونَ بِمَا دَعَا اللَّهَ؟)، فقالوا: الله ورسوله أعلم، قال: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! لَقَدْ دَعَا اللَّهَ بِاسْمِهِ الْأَعْظَمِ، الَّذِي إِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ، وَإِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى) (رواه أحمد بسند صحيح). وكان من دعاء رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِعِزَّتِكَ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ أَنْ تُضِلَّنِي، أَنْتَ الْحَيُّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَالْجِنُّ وَالْإِنْسُ يَمُوتُونَ) (رواه مسلم). وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ قَالَ: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ، غُفِرَ لَهُ وَإِنْ كَانَ فَرَّ مِنَ الزَّحْفِ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني).
فاللهم إنا نعوذ بعزتك، لا إله إلا أنت أن تضلنا، أنت الحي الذي لا يموت، والجن والإنس يموتون.
اللهم أحينا مسلمين، وأمتنا مسلمين، وألحقنا بالأنبياء والشهداء والصالحين.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) فائدة: حياة الإنسان في الجنة أبدية هبة من الحي -سبحانه-، إلا أنها ليست مطلقة؛ لأنها سُبِقَت بالعدم، وتخللها الموت، قال الحي -سبحانه-: (هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا) (الإنسان: 1)، وقال -تعالى-: (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ . وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ) (الرحمن: 26- 27).
قال ابن جرير الطبري -رحمه الله-: "وأما قوله: الحي فإنه يعني: الذي له الحياة الدائمة والبقاء، الذي لا أول له يُحَدّ ولا آخر له يُؤَمَّد، إذ كان كل ما سواه فإنه وإن كان حيًّا فلحياته أول محدود، وآخر مأمود، ينقطع بانقطاع أمدها وينقضي بانقضاء غايته" (جامع البيان).