كتبه/ علاء بكر
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
توجه الفريق الشاذلي إلى قيادة الجيش الثاني بعد ظهر يوم 18 أكتوبر، وبعد أن ألمَّ بالموقف تمامًا عاد مساء يوم 20 أكتوبر بالرأي الذي يراه لمواجهة تهديد العدو الموجود في غرب القناة- حيث رأى ضرورة سحب أربعة ألوية مدرعة من شرق القناة إلى الغرب خلال 24 ساعة للدخول في معركة ضد قوات العدو غرب القناة، وأن ذلك من وجهة نظره لا يؤثر في كفاءة دفاعاتنا في شرق القناة، ولخطورة الموقف طلب حضور رئيس الجمهورية لشرح الموقف أمامه.
وكانت قوات العدو غرب القناة قد تقدمت خلال يومي 19 و20 أكتوبر غربًا وجنوبًا في اتجاه (فايد)، في ظل تفوق جوي إسرائيلي، وقد بذلت القوات الجوية المصرية مجهودًا كبيرًا خلال هذه الفترة الصعبة لحماية قوات الجيش المصري بالتعاون مع الدفاع الجوي.
وقد بلغ متوسط المجهود الجوي للقوات الجوية المصرية في منطقة الثغرة 330 طلعة طائرة كل يوم خلال المدة من 15 - 18 أكتوبر، وبمتوسط 250 طلعة طائرة كل يوم خلال المدة من 19 - 22 أكتوبر، وكان ذلك دورًا بارزًا للقوات الجوية المصرية التي اسْتُخْدِمَت في طلعاتها كل أنواع الطائرات المتيسرة.
ونظرًا للتفوق البري والجوي الذي أصبح للعدو في غرب القناة كان من الضروري وضع الفرقة الرابعة المدرعة تحت القيادة المباشرة للقيادة العامة حتى يمكن استخدامها -باعتبارها القوة الرئيسية- إما في قطاع الجيش الثاني أو الثالث غرب القناة حسب تطور الموقف.
اجتماع مركز العمليات ليلة 20/ 21 أكتوبر:
شارك في هذا الاجتماع الذي عُقِد في مركز العمليات مساء يوم 20 أكتوبر الفريق الشاذلي، واللواء محمد حسني مبارك واللواء محمد علي فهمي واللواء فؤاد نصار مدير المخابرات الحربية، واللواء سعيد الماحي مدير المدفعية بالإضافة إلى الجمسي.
حضر الرئيس السادات حوالي الساعة العاشرة، واجتمع أولًا مع الفريق أول أحمد إسماعيل على انفراد لمدة حوالي ساعة قبل بدء الاجتماع مع كل الحاضرين في غرفة المؤتمرات داخل مركز العمليات. كانت وجهة نظر الوزير أحمد إسماعيل التي قدمها للرئيس السادات بعد بيان الموقف تتعارض مع رأي الفريق الشاذلي- كانت نقطة الخلاف الرئيسية هي أن الشاذلي يرى سحب أربعة ألوية مدرعة من شرق القناة إلى الغرب، أما أحمد إسماعيل فيرفض ذلك.
دخل الرئيس غرفة العمليات ومعه الوزير أحمد إسماعيل ومعهما المهندس عبد الفتاح عبد الله وزير الدولة لشؤون رئاسة الجمهورية، وطلب الرئيس من المجتمعين رأيهم واحدًا بعد واحد. شرح مدير المخابرات موقف العدو ونواياه من معركته غرب القناة باحتلال الإسماعيلية أو السويس، وهو يحقق له هدفًا سياسيًّا بالإضافة لتأثير ذلك في الموقف العسكري لقواتنا.
وقال الجمسي في مذكراته: "وكنت أنا المتحدث الثاني، حيث شرحت في حديثي موقف قواتنا، أبرزت فيه أن قواتنا في شرق القناة قوية بالقدر الكافي الذي يجعل منها صخرة تتحطم عليها أي محاولات العدو ضدها، ونظرًا لأن الإنجاز العسكري الكبير الذي تحقق بوجود قواتنا في سيناء لا يجب التنازل عنه أو تعريضه للخطر؛ لذلك فإن المحافظة على قواتنا شرق القناة كما هي دون سحب أي قوات رئيسية منها أمر واجب. وكان رأيي أن سحب الألوية المدرعة المصرية من الشرق إلى الغرب يترتب عليه اهتزاز دفاعات قواتنا في الشرق الذي لا يمكن قبوله؛ فضلًا عن ذلك فإن التأثير المعنوي في القوات بعد سحب الألوية المدرعة من الشرق يصبح شديدًا بطريقة سلبية.
وأتذكر أني قدمت أعداد الأسلحة الرئيسية الموجودة في الشرق موضحًا أنها تكفي لتحقيق مهمة الاحتفاظ بمواقع قواتنا في سيناء بكفاءة، وبعد أن استمع الرئيس لرأي باقي القادة لاحظت أن الفريق الشاذلي لم يتكلم، وقرر الرئيس: (عدم سحب أي قوات من الشرق مع احتواء قوات العدو في الغرب).
وأضاف الجمسي: "ويفسر الشاذلي الموقف الذي اتخذه بعدم إبداء رأيه في المؤتمر -كما جاء في مذكراته- فيقول: طلب الرئيس الكلمة من المجتمعين واحدًا بعد الآخر، وقد قام كل منهم بشرح موقف القوات بأمانة تامة، وبعد أن استمع إليهم جميعًا لم يطلب مني الكلمة، وعلق قائلًا: لن نقوم بسحب أي جندي من الشرق. لم أتكلم ولم أعلق، غمزني المهندس عبد الفتاح عبد الله، وهمس في أذني: (قل شيئًا)، ولكني تجاهلت نصيحته. ماذا أتكلم وقد اتخذ الرئيس القرار، ولا يريد أن يسمعني. إنني أريد أن أسحب 4 ألوية مدرعة من الشرق، وهو يعارض سحب جندي واحد، إنه لم يتخذ هذا القرار عن جهل بل عن معرفة تامة بالموقف، إنه يعرف الحقائق كلها عن الموقف، وهذا هو قراره) (راجع مذكرات المشير الجمسي، ص 402 - 403).
وللتاريخ يقول الجمسي: (لقد عاصرت الفريق الشاذلي خلال الحرب، وقام بزيارة الجبهة أكثر من مرة، وكان بين القوات في سيناء في بعض هذه الزيارات. وأقرر أنه عندما عاد من الجبهة يوم 20 أكتوبر لم يكن منهارًا كما وصفه السادات في مذكراته (البحث عن الذات، ص 348) بعد الحرب. لا أقول ذلك دفاعًا عن الفريق الشاذلي لهدف أو مصلحة، ولا مضادًّا للرئيس السادات لهدف أو مصلحة، ولكنها الحقيقة أقولها للتاريخ).
وأضاف: (لقد كان هناك خلاف في فكر رئيس الأركان (يعني الشاذلي) وفكر القائد العام (يعني السادات) على الطريقة التي نواجه بها موقفًا عسكريًّا أمامنا، وهذا واجب وحق لكل مسؤول في جهاز القيادة أن يُبْدِي رأيه واقتراحه في الموقف. ولكن القرار في النهاية الذي يتحتم على الجميع الالتزام به هو قرار القائد العام المسؤول عن إدارة العمليات. لقد التزمت القيادة العامة بالقرار الذي اتخذه القائد العام مؤيدًا من القائد الأعلى للقوات المسلحة في هذا الموقف. وما زلت أقول حتى اليوم إن هذا القرار -من وجهة نظري- كان صحيحًا وسليمًا لمواجهة الموقف الذي كان يواجهنا. وعندما انتهى الاجتماع غادر الرئيس السادات مركز العمليات) (المصدر السابق، ص 403 - 404).
غادر السادات مركز العمليات وقد قرر الموافقة على وقف إطلاق النار دون أن يذكر ذلك في الاجتماع، بعد أن تكرر رفضه لوقف إطلاق النار أكثر من مرة خلال الحرب.
موافقة السادات على وقف إطلاق النار:
بعد العودة من مركز العمليات ليلة 20/ 21 أكتوبر قرر السادات الموافقة على وقف إطلاق النار، مبررًا ذلك بأن أمريكا دخلت الحرب لإنقاذ إسرائيل:
- فهي التي أخطرت إسرائيل عن طريق القمر الصناعي الأمريكي بنقل الفرقة 21 المدرعة من الضفة الغربية للقناة إلى الضفة الشرقية.
- إنها بكل صراحة تستخدم مطار العريش المصري الذي يقع خلف جبهة القتال لمد إسرائيل بمزيد من الدبابات والمعدات لتحويل الهزيمة الإسرائيلية إلى انتصار.
- تبين أنه أُطْلِق صاروخان أمريكيان على بطاريتين مصريتين للصواريخ فعطلا البطاريتين تعطيلًا كاملًا. وهذا النوع من الصواريخ صاروخ جديد يسمى (القنبلة التلفزيونية) لا يزال تحت الاختبار في أمريكا، أمدت به أمريكا إسرائيل مع أسلحة أخرى؛ أي: أن أمريكا دخلت الحرب بأسلحتها الحديثة التي لم يُسْتَخْدَم أغلبها من قبل لإنقاذ إسرائيل من الهزيمة.
- كان رأي السادات المعلن أنه لا يخاف مواجهة إسرائيل، ولكنه يرفض مواجهة أمريكا حتى لا يسمح بتدمير القوات المصرية مرة أخرى.
وفي الساعات الأولى من صباح يوم 21 أكتوبر استدعى السادات مستشاره للأمن القومي محمد حافظ إسماعيل حيث أبلغه أنه قرر طلب وقف إطلاق النار في ضوء تطور الموقف على الجبهة العسكرية. وفي تسجيله لهذه الأحداث يقول حافظ إسماعيل: (لم أكن أعرف تمامًا ماذا حدث حتى نتحرك بهذه السرعة نحو قبول وقف إطلاق النار .... غير المشروط بالانسحاب الإسرائيلي) (ينظر: المصدر السابق، ص 407).
صدور أول قرار لوقف إطلاق النار:
اتفقت أمريكا والاتحاد السوفيتي على قرار يصدر من مجلس الأمن بوقف إطلاق النار. وقد صدر القرار 338 صباح يوم 22 أكتوبر يدعو جميع الأطراف المشتركة في الحرب إلى:
- وقف إطلاق النار في موعد لا يزيد على 12 ساعة من لحظة صدور القرار، على المواقع التي تحتلها الأطراف الآن.
- البدء فورًا عقب وقف القتال بتنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 242 بجميع أجزائه.
- البدء فورًا بالتزامن مع وقف القتال بمفاوضات بين الأطراف المعنية تحت إشراف مناسب بهدف إقامة سلام عادل ودائم في الشرق الأوسط.
- وعندما صدر القرار وافقت كل من مصر وإسرائيل على وقف إطلاق النار في يوم 22 أكتوبر اعتبارًا من الساعة السادسة و52 دقيقة مساءً بتوقيت القاهرة.
تقييم الموقف بعد صدور قرار وقف إطلاق النار:
لم تحقق إسرائيل هدفًا سياسيًّا أو هدفًا عسكريًّا إستراتيجيًّا، فهي فشلت في محاولتها للوصول إلى مدينة الإسماعيلية واحتلالها. وهي لم ترغم مصر على سحب قواتها من شرق القناة إلى غربها. كما أنها لم تكن في وضع يمكنها من تهديد أو قطع خطوط مواصلات وإمداد الجيشين الثاني والثالث أو أحدهما.
وعسكريًّا فهي في منطقة الدفرسوار في موقف عسكري ضعيف إذا اسْتُؤْنِف القتال مرة أخرى.
فعند توقف القتال مساء 22 أكتوبر:
كان لإسرائيل رأس كوبري على الضفة الغربية للقناة في مساحة محدودة من الأرض، بعد أن نجحت تكتيكيًّا في ثغرة الدفرسوار. كانت قوات العدو موجودة في غرب القناة في قطاع من جنوب ترعة الإسماعيلية شمالًا، وجبل (جنيفة) جنوبًا، والبحيرات المرة شرقًا، والفرقة الرابعة المدرعة غربًا، وتربطها بقواتها الرئيسية شرق القناة ثغرة مساحتها حوالي سبعة كيلومترات.
وبالنسبة لمصر فقد كانت قوات الجيشين الثاني والثالث في أوضاعهما شرق القناة سليمة من الناحية التعبوية، ولم يكن في قدرة إسرائيل زحزحتها. أما في غرب القناة فقد كانت هناك وحدات إسرائيلية منتشرة ومتداخلة مع القوات المصرية التي بدأت تعمل على احتواء قوات العدو.
لقد دخلت مصر يوم 14 أكتوبر معركة تطوير الهجوم في اتجاه المضايق لتخفيف الضغط على الجبهة السورية، لكنها خسرت 220 دبابة، وكان هذا التطوير للهجوم المقدمة للاختراق الإسرائيلي في منطقة الدفرسوار. وقد حقق الإسرائيليون ذلك نتيجة تدفق الإمداد الأمريكي المباشر حيث كانت طائرات نقل الجسر الجوي الأمريكي تهبط في مطار العريش. وأعلن السادات أنه ليس على استعداد لاستمرار هذا القتال ضد أمريكا خشية تدمير قواته المقاتلة.
ومع صدور قرار وقف إطلاق النار وبدء العمل به كان هناك تعهد من الاتحاد السوفيتي بأن تضمن القوتان الأعظم تنفيذ قرار مجلس الأمن، وأن على رأس المسائل موضوع الانسحاب الإسرائيلي.
إسرائيل لم تحترم وقف إطلاق النار:
لتحقيق قدر من المكاسب السياسية أو العسكرية قبل الالتزام بوقف إطلاق النار دفعت إسرائيل بقوات جديدة إلى غرب القناة ليلة 22/ 23 أكتوبر وليلة 23/ 24 أكتوبر لتعزيز قواتها في منطقة الدفرسوار رغم صدور قرار مجلس الأمن 338 بوقف إطلاق النار ووقف كافة العمليات العسكرية وموافقة إسرائيل على تنفيذه. استمرت إسرائيل في القتال، وتقدمت قواتها جنوبًا للوصول إلى مؤخرة الجيش الثالث لقطع طريق مصر السويس الصحراوي والاستيلاء على مدينة السويس.
استئناف القتال من جديد:
على المستوى السياسي أبلغت مصر الولايات المتحدة بتجاهل إسرائيل للقرار 338 وطالبت مصر بإعادة الوضع على ما كان عليه عند صدور قرار وقف إطلاق النار يوم 22 أكتوبر إلا أن الولايات المتحدة من خلال إطالة المبادلات الدبلوماسية كانت تسعى إلى إتاحة الوقت حتى تتيح لإسرائيل الفرصة لتحقيق هدفها العسكري غرب القناة.
دار القتال خلال المدة من 22 إلى 24 بعنف، وتعددت الهجمات والمعارك الجوية بين الطرفين، وقد بذلت الفرقة الرابعة كل جهدها في القتال ضد العدو والضغط عليه حتى لا يتمكن من زيادة وتوسيع المساحة التي تعمل فيها قواته، وكذلك تعطيل تقدمه تجاه مدينة السويس.
نظرًا لاستفادة العدو من تفوقه العسكري ومن أن المبادأة كانت من جانبه، بالإضافة إلى وجود الكثير من المستودعات ومن المخازن الإدارية في منطقة القناة، والتي لا يتيسر لها بحكم عملها وتنظيمها التسليح الكافي للدفاع ضد قوات مدرعة معادية، كانت هذه الفترة من أصعب الفترات التي واجهت القوات المصرية أثناء القتال غرب القناة تحملت فيها الكثير من الخسائر البشرية والمادية.
ونتيجة للعمل السياسي وبناءً على طلب مصر أصدر مجلس الأمن مساء يوم 23 أكتوبر قراره رقم 339 بتأكيد مضمون قراره السابق رقم 338 وحث الأطراف على العودة إلى الخطوط السابقة. ووافقت مصر وإسرائيل على الالتزام به اعتبارًا من الساعة السابعة صباح يوم 24 أكتوبر.
مرة أخرى إسرائيل لا تحترم قرار وقف إطلاق النار الجديد:
رغم الموافقة على القرار 339 رسميًّا تركت إسرائيل لجيشها حرية العمل العسكري على أمل احتلال مدينة السويس وتحقيق هدف عسكري له تأثيره السياسي والإعلامي الكبير.
حاول لواءان من فرقة آدان المدرعة اقتحام مدينة السويس من الشمال ومن الغرب بعد قصف المدينة بالمدفعية والطيران مدة طويلة لتحطيم الروح المعنوية للمقاتلين داخل المدينة. دارت معركة السويس من يوم 24 أكتوبر بمقاومة شعبية من أبناء السويس مع قوة عسكرية من الفرقة 19 مشاة داخل المدينة. دار القتال في بعض الشوارع وداخل المباني. وأمكن بجهود رجال السويس ورجال الشرطة والسلطة المدنية مع القوة العسكرية المحدودة هزيمة قوات العدو التي تمكنت من دخول المدينة، وكبدتها الكثير من الخسائر بين قتلى وجرحى. وفشلت الدبابات الإسرائيلية في الاستيلاء على المدينة، واضطرت القوات الإسرائيلية إلى الانسحاب من المدينة وتمركزت خارجها.
استمرت إسرائيل في عدم احترام قرار مجلس الأمن رقم 339 وتقدمت قواتها إلى ميناء الأدبية جنوب السويس واستولت عليه. وتمكنت القوات الإسرائيلية من قطع طريق مصر السويس الصحراوي الذي أصبح الورقة التي تستغلها أمريكا سياسيًّا بعد الحرب مباشرة. كان من الضروري على القيادة الإسرائيلية أن تؤمن قواتها الموجودة في قطاع محدود من الأرض وذلك بالانتشار والاستيلاء على أكبر مساحة ممكنة من الأرض، واستتبع ذلك الدفع بقوات أكبر إلى غرب القناة.
توقف القتال:
أصدر مجلس الأمن قراره رقم 340 مساء يوم 25 أكتوبر بناءً على مشروع تقدمت به دول عدم الانحياز. وقضى القرار بإنشاء قوة طوارئ دولية لمراقبة تنفيذ إيقاف القتال، والتأكيد على قراره بعودة القوات إلى خطوط وقف إطلاق النار يوم 22 أكتوبر. وبجهود سياسية تمت موافقة مصر وإسرائيل على إجراء مباحثات لتثبيت وقف إطلاق النار وإجراء الإمدادات لقوات الجيش الثالث. وتمت تحت إشراف الأمم المتحدة مباحثات عسكرية عند الكيلو 101 على طريق مصر السويس لمناقشة الاعتبارات العسكرية لتطبيق قراري مجلس الأمن 338 و339 والسماح بمرور قوافل عربات تحمل إمدادات غير عسكرية إلى الجيش الثالث. وبدأت المباحثات بين الوفدين المصري والإسرائيلي في صباح يوم 28 أكتوبر.
وبذلك توقف القتال يوم 28 أكتوبر.
الموقف عند انتهاء القتال:
كان الجيشان الثاني والثالث في سيناء في أوضاع عسكرية سليمة، ولديهما من الأسلحة والمعدات ما يعطيهما القدرة على القتال طويلًا. وكانت القوات الإسرائيلية في سيناء تقف دون تأثير في مواجهة قوات الجيشين.
وفي غرب القناة كانت القوات المصرية تحتوي القوات الإسرائيلية. وقد تمكنت القوات الإسرائيلية من قطع طريق مصر السويس الصحراوي، وهو الطريق الرئيسي لإمداد مدينة السويس وقوات الجيش الثالث الموجودة في سيناء شرق القناة.
بدأت عملية استنزاف القوات الإسرائيلية غرب القناة التي اتخذت أوضاعًا دفاعية في انتظار الهجمات المصرية من أي مكان أو اتجاه وفي أي وقت، خاصة مع توقع أن يتم القتال بمعرفة القوات المصرية لفتح طريق مصر السويس. كانت القوات الإسرائيلية تتعرض لخسائر تتزايد ولإخلاء للخسائر لا ينقطع، مع عدم القدرة على تحقيق أي هدف آخر، فلا تتمكن من العودة إلى شرق القناة، ولا تتمكن من تحقيق نجاح آخر غرب القناة. كان الإمداد لهذه القوات الإسرائيلية يتم من ثغرة الدفرسوار وعرضها حوالي سبعة كيلومترات أو يتم الإمداد بالطائرات.
ركزت وسائل الإعلام الإسرائيلية والغربية على نجاح الجيش الإسرائيلي في عمل ثغرة الدفرسوار لإبراز نجاح إسرائيل في معركة الدفرسوار وفي قتالها غرب القناة، وكان من الواجب على مصر أن تقوم بحملة مضادة توضح حقائق الموقف المصري والموقف الإسرائيلي وإيجابيات وسلبيات كل منهما.
الموقف العسكري الضعيف للقوات الإسرائيلية في الثغرة:
أصبح لإسرائيل قوات كبيرة (حوالي 6 إلى 7 ألوية) موجودة في منطقة محدودة من الأرض، ومحاطة من جميع الجهات إما بموانع طبيعية أو صناعية أو بقوات مصرية.
تعاني القوات الإسرائيلية غرب القناة من مصاعب الإمداد والإخلاء وطول خطوط المواصلات، مع الاستنزاف اليومي للأفراد والمعدات.
اضطرار القيادة الإسرائيلية إلى تخصيص قوات بنحو (4 إلى 5 ألوية) لحماية المداخل إلى الثغرة عند الدفرسوار. ولتثبيت رؤوس الكباري المصرية الموجودة في سيناء خصصت القيادة الإسرائيلية عشرة ألوية في مواجهة رؤوس كباري الجيشين الثاني والثالث مع احتفاظ بالاحتياطي الإستراتيجي في أقصى درجات التعبئة. وهكذا كانت إسرائيل مضطرة للاحتفاظ بكل قواتها المسلحة لمدة طويلة إلى انتهاء حالة الحرب تمامًا، لأن توقف القتال ليس معناه انتهاء الحرب. وهذا أمر لا يتحمله اقتصاد إسرائيل القومي.
مارست القوات المصرية غرب القناة حرب استنزاف ضد القوات الإسرائيلية حتى لا تُعْطِي تلك القوات الفرصة لتثبيت أقدامها في مواقع دفاعية، وكذا لتكبيدها أكبر خسائر ممكنة في الأفراد والمعدات إلى أن يحين الوقت المناسب لمهاجمتها وتصفيتها. وقد وقع 452 اشتباكًا بالنيران منذ إيقاف إطلاق النار طبقًا للقرار 340 وحتى توقيع اتفاقية فض الاشتباك الأول بين مصر وإسرائيل في 18 يناير 1974م.
وهكذا تحولت القوات الإسرائيلية الموجودة غرب القناة من سلاح للضغط على مصر إلى رهينة تضغط بها مصر على إسرائيل، ومصدر استنزاف لأرواح ومعدات واقتصاد إسرائيل. وجاء الاتفاق المصري الإسرائيلي للفصل بين القوات وطلب إسرائيل في النهاية ترك الثغرة وسحب قواتها شرقًا بعيدًا عن القناة، لتتأكد بذلك حقيقة ثغرة الدفرسوار، وأنها في النهاية لم تحقق لإسرائيل ما كانت تسعى إليه.
للاستزادة حول ثغرة الدفرسوار راجع:
- مذكرات حرب أكتوبر للجمسي.
- مذكرات حرب أكتوبر للشاذلي.
- مذكرات حرب أكتوبر لموشى دايان.
- حرب أكتوبر كأنك تراها: د. علاء بكر.