الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ ياسر برهامي
الإثنين 24 أغسطس 2026 - 11 ربيع الأول 1448هـ

اتبعوا ولا تبتدعوا (خير الهدي هدي محمد -صلى الله عليه وسلم-)

كتبه/ ياسر عبد رب الرسول

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فالعبد في طريقه إلى الله يحتاج إلى قوتين: قوة عملية تدفعه على الطريق، وقوة علمية تضيء له الطريق، حتى يصل إلى الله، فكل الطرق إلى الله مسدودة إلَّا طريق النبي -صلى الله عليه وسلم-.

ومن سعادة أهل السُّنَّة أنَّ أعمالهم مقبولة ولو كانت يسيرة، بينما أهل البدع أعمالهم مردودة ولو أفنوا أعمارهم فيها؛ قال الله -تعالى-: (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ) (الشورى: 21)، فكل ما اتخذ دينًا لا بد أن يكون الله قد شرعه في كتابه أو على لسان رسوله -صلى الله عليه وسلم-، وإلَّا فإنَّ الله لم يأذن به.

وقال -تعالى-: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ) (المائدة: 3)، فما لم يكن يومئذٍ دينًا فليس اليوم بدين، وإذا كان الله -سبحانه- قد أكمل لنا الدين في كتابه العربي المبين وعلى لسان نبيه الأمين، فإنَّ المبتدع كأنَّه يستدرك على الشرع ويُكْمِله من عند نفسه؛ قال الله -تعالى-: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ) (النحل: 89). قال القرطبي -رحمه الله-: "أي: ما تركنا شيئًا من أمر الدين إلَّا وقد دللنا عليه".

وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ قَبْلِي إِلَّا كَانَ حَقًّا عَلَيْهِ أَنْ يَدُلَّ أُمَّتَهُ عَلَى خَيْرِ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ، وَيُنْذِرَهُمْ شَرَّ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ) (رواه مسلم). ولمَّا سئل سلمان الفارسي -رضي الله عنه-: (عَلَّمَكُمْ نَبِيُّكُمْ كُلَّ شَيْءٍ؟) قال: (أَجَلْ) (رواه مسلم).

وقال -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ أَحْيَا سُنَّةً مِنْ سُنَّتِي فَعَمِلَ بِهَا النَّاسُ، كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا لَا يَنْقُصُ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَنْ ابْتَدَعَ بِدْعَةً فَعَمِلَ بِهَا، كَانَ عَلَيْهِ أَوْزَارُ مَنْ عَمِلَ بِهَا لَا يَنْقُصُ مِنْ أَوْزَارِ مَنْ عَمِلَ بِهَا شَيْئًا) (رواه ابن ماجه، وصححه الألباني).

وقد قال -تعالى-: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) (الحشر: 7)، والرسول -صلى الله عليه وسلم- حذَّر من الابتداع في الدين، فقال: (مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ) (رواه البخاري ومسلم). (مَنْ أَحْدَثَ): يعني أوجد شيئًا لم يكن. في أمرنا: أي ديننا وشريعتنا. ما ليس منه: أي ما لم يشرعه الله ورسوله. فهو رد: يعني مردود عليه.

قال الإمام النووي -رحمه الله-: "قال أهل العربية: الرد هنا بمعنى المردود، ومعناه: فهو باطل غير معتد به". وقال: "وهذا الحديث قاعدة عظيمة من قواعد الإسلام، وهو من جوامع كلمه -صلى الله عليه وسلم-، فإنَّه صريح في ردِّ كل البدع والمخترعات"، وقال: "وهذا الحديث ممَّا ينبغي حفظه واستعماله في إبطال المنكرات، وإشاعة الاستدلال به".

قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "وما خالف النصوص فهو بدعة باتفاق المسلمين".

وقال الإمام الشاطبي -رحمه الله-: "والرأي إذا عارض السُّنَّة فهو بدعة وضلالة".

وقال الحافظ ابن رجب -رحمه الله-: "فمَن تقرَّب إلى الله بعمل لم يجعله الله ورسوله قربة إلى الله، فعمله باطل مردود".

حتى لو كان مخلصًا، فالنية الصالحة لا تصلح العمل الفاسد المخالف للسُّنَّة؛ قال -تعالى-: (فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا) (الكهف: 110)، فلا بد أن يكون العمل خالصًا صوابًا، ولا يكون صوابًا حتى يوافق السُّنَّة في أصله وهيئته، فإذا أمر الشرع بالصلاة لا بد أن تكون صلاتنا وفق الشرع أيضًا في صفتها.

فلا بد أن توافق العبادة السُّنَّة في أوصافها، في: سببها، وكيفيتها، وجنسها، وقدرها، وزمانها، ومكانها، فيحرم اختراع شيء في دين الله ولو عن حسن قصد، ولو كان القلب يرق لذلك ويُقْبِل عليه، فهذا من تزيين الشيطان؛ لأنَّ حلاوة الإيمان الحقيقية لا تُتَذَوَّق إلَّا بالرضا والاكتفاء بالرسول مُبَلِّغًا للدين والشرع: (ذَاقَ طَعْمَ الْإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا) (رواه مسلم)، فكل ما أحدثه الناس من العبادات المخترعة في الدين، فهي مردودة غير مقبولة عند الله، أمَّا ما عفا عنه الشرع من وسائل الحياة فهو الذي قال فيه -صلى الله عليه وسلم-: (أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ) (رواه مسلم)، لمَّا كلموه عن تأبير النخل، ولم يُوحَ إليه -صلى الله عليه وسلم- فيه شيء، فردَّ هذا الشأن إلى الناس.

فلو أنَّ إنسانًا لبَّس على الناس وقال إذا كنتم تلزمون الناس بترك ما تركه النبي -صلى الله عليه وسلم- = فلا تركبوا السيارات والطائرات ولا تستعملوا مكبرات الصوت ولا تستعملوا المراوح والتكييفات، لأنَّ الرسول لم يفعل ذلك! نقول: ضلَّ من قال ذلك، وضلَّ مَن لبَّس على الناس في ذلك؛ لأننا نترك ما ترك -صلى الله عليه وسلم- في أمور الدين، نترك ما ترك في العقيدة، نترك ما ترك في العبادة، في الأخلاق، فما تركه -صلى الله عليه وسلم- من الدين والقربات نتركه، فليست البدع في التجارات والصناعات وأنماط الحياة، وإنَّما البدع فعل ما تركه النبي -صلى الله عليه وسلم- من الدين: كاتخاذ ما تركه -صلى الله عليه وسلم- في العقائد؛ فإننا نجزم ونقطع أنَّ الرسول -صلى الله عليه وسلم- لم يستعمل الفلسفة في بيان العقيدة، وإنَّما بيَّنها بآيات الله وبالأدلة التي تثير في قلوب الناس الفطرة السوية، كقوله -تعالى-: (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ . أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ . أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ) (الطور: 35- 37)، سمعها جبير بن مطعم -رضي الله عنه- قبل أن يسلم، فقال: "كَادَ قَلْبِي أَنْ يَطِيرَ" (رواه البخاري).

القرآن هو الذي يصحح العقيدة، وليست الفلسفة ولا علم الكلام. قال الإمام الشافعي -رحمه الله-: "حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد والنعال، ويطاف بهم في العشائر والأسواق، ويقال هذا جزاء من ترك الكتاب والسُّنَّة واشتغل بعلم الكلام" يعني اشتغل به في تقرير عقائد الدين، فهذه بدعة ضلالة.

فلو أنَّ رجلًا تعبد لله بشيء وأنكرت عليه، فقال: ما الدليل على أنَّه حرام؟ فالجواب: الدليل: هو أنَّ الأصل في العبادات المنع والحظر، حتى يقوم دليل على أنَّها مشروعة، أمَّا المعاملات فالأصل فيها الحِلِّ، إلَّا ما منعه الشرع.

وقد دخل الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- على جماعة في المسجد، متحلقين وعلى رأسهم رجل، فيقول لهم الرجل: سبحوا مائة فيسبحون، احمدوا مائة فيحمدون، كبروا مائة فيكبرون. فقال لهم ابن مسعود -رضي الله عنه-: لأنتم على ملة هي أهدى من ملة رسول الله، أو أنَّكم مفتتحو باب ضلالة.. قالوا: والله ما أردنا إلَّا الخير؟ قال: وكم من مريد للخير لا يبلغه؟

فلا تكفي النية حتى يكون العمل صالحًا، بل لا بد من اتباع السُّنَّة، لا بد أن يكون العمل على سُنَّة النبي -صلى الله عليه وسلم-.

وقال لهم: عليكم بأصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

لذلك فَهْم الكتاب والسُّنَّة لا بد أن يكون بفهم سلف الأمة، أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الذين فهموا الدِّين من النبي -صلى الله عليه وسلم- مباشرة والتابعين وتابعيهم، وهم القرون الثلاثة الذين قال النبي -صلى الله عليه وسلم- فيهم: (خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ) (رواه البخاري ومسلم)، فهذا الذي بيَّنه عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-، أنَّ الصحابة لم يفهموا الدين بهذه الطريقة في ذكر الله كما فعل أولئك الذين أنكر عليهم، من أن نخترع من عند أنفسنا طريقة معينة للأذكار نجتمع عليها، أو نُرَتِّب لها أعدادًا معينة، فلمَّا فعلوا ذلك وجعلوا لهم شيخًا لطريقتهم يأمرهم بهذه الأوامر، جعلهم مُفْتَتِحِي باب ضلالة.

وصدق ابن مسعود -رضي الله عنه-، فقد ذكر راوي الحديث عنه، أنَّه رأى عامة أولئك الذين أنكر عليهم بعدها صاروا يقاتلون الصحابة مع الخوارج، تدرجت بهم البدعة الصغيرة في العبادة، إلى البدعة الغليظة في الاعتقاد، حتى التحقوا بالخوارج وكفَّروا المسلمين وقاتلهم علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- وانتصر عليهم يوم النهروان.

التروك النبوية:

ترك النبي -صلى الله عليه وسلم- فعل أشياء، فكان الصحابة يتركون ما ترك؛ لأنَّ فعله -صلى الله عليه وسلم- سُنَّة تُتَّبَع، وكذلك تركه -صلى الله عليه وسلم- لشيء من الدين سُنَّة تُتَّبَع في الترك. وكانوا ينهون من خالف ذلك كما فعل ابن مسعود، وابن عمر -رضي الله عنهم- مع الرجل الذي يصلي على النبي عند العطس.

وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- لا يتنفَّل قبل الصبح إلَّا بركعتين خفيفتين، فرأى سعيد بن المسيب -رحمه الله- رجلًا يصلي بعد طلوع الفجر أكثر من ركعتين، فنهاه، فقال له: أيعذبني الله على الصلاة؟ قال: "لا، ولكن يعذبك على خلاف السُّنَّة".

فمَن شرَّع للناس في الدين شرعًا جديدًا، أو قال لهم: لن تصلوا إلى الخير إلَّا من خلال هذه الأذكار التي اخترعها لكم، رددوها ثلاثمائة وثلاثًا وثلاثين مرة! فهذا قد أحدث في الدين ما ليس منه، وخالف سبيل المؤمنين، وضلَّ عن إجماع الصحابة والتابعين؛ قال -تعالى-: (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) (النساء: 115).

ومن ظنَّ أنَّه يزيد في التقرب إلى الله بأن يحرم على نفسه أشياء يشق بها على نفسه، كما قال -تعالى-: (وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا) (الحديد: 27)، فهذه الرهبانية ابتدعوها، لم يشرعها لهم، ما كتبناها عليهم، ولم يكتب عليهم إلَّا ابتغاء رضوان الله، فهذا استثناء منقطع، معناه: لم نكتب عليهم الرهبانية، لم نكتب عليهم إلَّا ابتغاء رضوان الله.

وقد ذهب ثلاثة نفر على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فسألوا عن عبادته، فكأنَّهم تقالوها، فقال بعضهم لبعض: وأين نحن من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فقال أحدهم: أمَّا أنا فأصوم ولا أفطر، وقال الثاني: وأمَّا أنا فأقوم ولا أنام الليل أبدًا، وقال الثالث: وأمَّا أنا فلا أتزوج النساء، وفي رواية أنَّ أحدهم قال: ولا آكل اللحم، فبلغ النبي -صلى الله عليه وسلم- مقالتهم، فقال: (أَمَّا إِنِّي أَتْقَاكُمْ لِلَّهِ، وَأَشَدُّكُمْ لَهُ خَشْيَةً، وَلَكِنِّي أَنَا أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأَقُومُ وَأَنَامُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، وَآكُلُ اللَّحْمَ. فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي) (رواه البخاري ومسلم). فالسُّنَّة تُتَّبَع في الفعل وفي الترك.

كيف تعرف البدعة؟

البدعة هي: طريقة في الدِّين مخترعة، يُقْصَد بها التعبد لله -سبحانه-، تضاهي الطريقة الشرعية. وهي كل عمل تركه النبي -صلى الله عليه وسلم- مع وجود المقتضي له، وعدم المانع له، ففعله بعد ذلك بدعة.

وبذلك فإنَّ صلاة التراويح ليست بدعة، فإنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يستمر على فعلها (جماعة) لوجود المانع، وهو الخوف من أن تُفْرَض، فلمَّا زال المانع بانقطاع الوحي، وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- قد صلاها جماعة ثلاث مرات، كان فعلها بعد ذلك إحياءً للسُّنَّة، وليست بدعة، فلا يمكن أن تكون التراويح حجة لفتح الباب للبدع، فإنَّ هناك فارقًا.

وكذلك جمع القرآن في كتاب واحد لم يكن بدعة، فإنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يفعله، لعدم وجود المقتضي فإنَّ الله تكفل له بحفظه في صدره، ولوجود مانع فإنَّ القرآن لا يزال ينزل وتوضع الآية في السورة وتنسخ بعض الآيات. فلمَّا اكتمل نزوله زال المانع، ثمَّ لمَّا كثر الناس وقل عدد الحفاظ منهم، وُجِد المقتضي، فجمعوا القرآن.

أمَّا خلاف ذلك ممَّا تركه النبي -صلى الله عليه وسلم- مع وجود المقتضي وانتفاء المانع فإنَّ فعله بعد ذلك بدعة، كالتزام عبادات أو أذكار معينة في أوقات معينة، على سبيل الاستحسان العام للناس، كاستحسان صيام يوم 27 من رجب وقيام ليلته، وكالذكر الجماعي بصوت واحد، واتخاذ يوم غير الفطر والأضحى عيدًا سنويًّا -كالموالد، وغيرها-.

ما أتى مقيدًا في الشرع لا يجوز إطلاقه وما أتى مطلقًا لا يجوز تقييده:

مثلًا:

- الذكر المطلق، طاقة إنسان معين قد تتوقف عند 400 مرة استغفار، فإذا حَضَّ جميع الناس على ذلك، تحول فعله إلى بدعة.

- كذلك صيام يوم معين تهيأ للإنسان صيامه كالثلاثاء، فإذا حض جميع الناس على ذلك اليوم بعينه صار بدعة.

- وكذلك التزام ثلاثة أيام للخروج للتبليغ والدعوة على سبيل التعبد.

- وكذلك قراءة أذكار معينة أو آيات معينة أو دعاء معين في وقت مخصوص على سبيل إظهاره للناس كأنَّه سُنَّة عامة تُفْعَل في ذلك الموطن خصيصًا فهذه بدعة.

والبدعة خطرها عظيم على صاحبها، وعلى الناس، وعلى الدين؛ قال -صلى الله عليه وسلم-: (وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلُّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ) (رواه النسائي، وصححه الألباني)، جملة موجبة كلية تشمل جميع البدع.

فأي عبادة قبل أن تفعلها ابحث عن الدليل، هل وردت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أم لا؟

قال -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي) (رواه البخاري ومسلم).

من محبته -صلى الله عليه وسلم- اتباعه في جميع أمره وطاعته -صلى الله عليه وسلم- (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ) (آل عمران: 31) فكل متبع محب، وغير المتبع ليس بمحب ولو أقسم بالأيمان الغلاظ أنَّه محب.

لو كان حبك صادقًا لأطعـتـه                 إنَّ المـحـب لمن يحب مطيع

ومن محبته -صلى الله عليه وسلم- تقديم قوله على قول أي أحد غيره (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) (الحجرات: 1). يوم القيامة لن تُسْأَل لماذا لم تسمع كلام الشيخ أو العالم الفلاني، إنَّما سيُسْأَل الناس كلهم: (مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ) (القصص: 65)؟

وكل الأئمة الأربعة قال: "إذا صح الحديث فهو مذهبي".

قال الإمام أبو حنيفة -رحمه الله-: "حرام على من لم يعرف دليلنا أن يتبع مذهبنا".

وقال الإمام مالك -رحمه الله-: "كل يؤخذ منه ويُرَد عليه إلَّا صاحب هذه الحجرة"، وأشار إلى قبر النبي -صلى الله عليه وسلم-.

وقال الإمام الشافعي -رحمه الله-: "إذا رأيتم قولي يخالف قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فاضربوا بقولي عرض الحائط". وسأل رجل الشافعي -رحمه الله- عن حديث، فقال له صحيح، فقال: أتستدل به؟ فأنكر عليه قائلًا: أتراني مشركًا؟ أتراني خارجًا من كنيسة؟ أقول قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولا أعمل به؟ بل نعم على العين والرأس.

وقال الإمام أحمد -رحمه الله-: "لا تكتبوا عني شيئًا ولا تقلدوني ولا تقلدوا فلانًا وفلانًا وخذوا من حيث أخذوا".

ونقل الإمام الشافعي -رحمه الله- الإجماع فقال: " أجمع المسلمون على أنَّ من استبان له سُنَّة عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ لم يحل له أن يدعها لقول أحد".

من أين تنشأ البدع؟

البدعة تكون بسبب اتباع الهوى؛ لأنَّ من عاند السُّنَّة فقد اتبع الهوى (فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ) (القصص: 50)، وتكون البدعة بسبب التقليد والتعصب للأشخاص أو الصالحين فيما أخطأوا فيه، (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا) (البقرة: 170)، وتنشأ البدع بسبب التشبه بالكفار، قال -صلى الله عليه وسلم-: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَرْكَبُنَّ سُنَّةَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني).

وهذا هو نفس الواقع اليوم، فإنَّ كثيرًا من المسلمين قلَّدوا الكفار في عمل أعياد الموالد، والاحتفال بمناسبات دينية اخترعوها ونسبوها للشرع ولم يحتفل بها صاحب الشريعة -صلى الله عليه وسلم-، وإقامة المآتم والأربعين والذكرى السنوية والبناء على القبور، بل والشركيات كدعاء أصحاب القبور.

قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (كُلُّ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ أَبَى). قالوا: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: (مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أَبَى) (رواه البخاري).

فلا يمكن أن يكون الإنسان عابدًا لله إذا عبده بطريقة مخترعة على هواه، ويقول: أنا سأعبد الله وأتقرب إليه من خلال هذا الأمر المحدث!

إنَّ من دلائل نبوته -صلى الله عليه وسلم-: إخباره ما حدث بعده من تفرق الآراء والاختلاف الكثير، ولكنَّه أرشد إلى الحل، فقال: (وَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ مِنْ بَعْدِي، عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ) (رواه أبو داود والترمذي، وصححه الألباني).

فمن أراد أن يحتفل بمولده -صلى الله عليه وسلم- فليحتفل به كل أسبوع كما قال -صلى الله عليه وسلم- في يوم الاثنين: (ذَاكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ وَأُنْزِلَ عَلَيَّ فِيهِ، فَأُحِبُّ أَنْ أَصُومَهُ) (رواه مسلم)، فهذه هي السُّنَّة؛ أسبوعيًّا وليس مرة في السنة.

نريد احتفالًا حقيقيًّا برسول الله -صلى الله عليه وسلم- كل يوم وليس مرة في العام، احتفِل يعني اهتم. فليكن لكل واحد منَّا نصيب من الاهتمام بسُنَّته -صلى الله عليه وسلم-.

كيف تهنأ ويمر عليك يوم لم تسمع أو تقرأ فيه: قال رسول الله صلى الله عليه وسمل؟

فاللهم ثبتنا على الإسلام والسُّنَّة، وألحقنا بالصالحين.