الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ ياسر برهامي
الإثنين 27 يوليه 2026 - 13 صفر 1448هـ

ازهد في الدنيا زهد العابر الغريب

كتبه/ علاء بكر

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فقد روى البخاري وغيره عن الصحابي الجليل عبد الله بن عمر بن الخطاب -رضي الله عنهما- أنه قال: أخذ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بمنكبي فقال: (كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ).

وهذا الحديث أصل عظيم في حث المسلم على قصر الأمل وعدم الركون إلى الحياة الدنيا، ويتضمن الحثَّ على الزهد في الدنيا، وعدم الاستكثار منها أو التلهي بها عن الآخرة.

وفي زيادة للترمذي وابن ماجه: (وَعُدَّ نَفْسَكَ فِي أَهْلِ الْقُبُورِ)، وعند أحمد والطبراني والبيهقي: (وَاعْدُدْ نَفْسَكَ) بَدَلًا من (وَعُدَّ)، وعند البيهقي في رواية: (مِنَ الْمَوْتَى وَأَهْلِ الْقُبُورِ).

- وعبد الله بن عمر هو: عبد الله بن عمر بن الخطاب -رضي الله عنهما- راوي الحديث يُعَدُّ من كبار الزهَّاد، ومن أشد المتمسكين بهديه -صلى الله عليه وسلم- وسنته، وفي مقدمة المقتدين به -صلى الله عليه وسلم- في العبادة والعمل. أسلم صغيرًا بمكة قبل الهجرة، وهاجر مع أبيه إلى المدينة. أراد الخروج والمشاركة في القتال يوم أُحُد، ورَدَّه النبي -صلى الله عليه وسلم- لصغر سنه، ثم أجازه في غزوة الخندق وهو ابن خمس عشرة سنة، ولم يتخلف بعدها عن مشاركة النبي -صلى الله عليه وسلم- في غزواته.

هذا عن جهاده، أمَّا عن علمه فقد اشتهر بالعلم والفُتْيا، فهو أحد العبادلة الأربعة المشهورين بالعلم والفُتْيا في المدينة، وهم عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن الزبير -رضي الله عنهم أجمعين-. ويُعَدُّ ابن عمر سادس الصحابة -رضي الله عنهم- في كثرة الرواية عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، بعد كل من أبي هريرة، وابن عباس، وعائشة، وجابر، وأنس -رضي الله عنهم-، حيث روى ابن عمر ألفًا وستمائة وثلاثين حديثًا. قيل: حج البيت ستين مرة، واعتمر نحو ألف عمرة، وأعتق نحو ألف رقبة. وقد توفي -رضي الله عنه- عام 73 أو 74 هجريًّا عن عمر ناهز 84 أو 86 عامًا.

مفردات الحديث:

- قول ابن عمر -رضي الله عنهما-: "أخذ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بمنكبي" أي: تناول منكبيه بيديه الشريفتين. والمنكب: مجمع العضد والكتف. فَعَل -صلى الله عليه وسلم- ذلك مع ابن عمر ليتفطن وينتبه لما سيقوله له ويلقيه عليه النبي -صلى الله عليه وسلم- من النصح والإرشاد. ففيه استحضار للقلب وتنبيه؛ ليكون الأمر بذلك أبعد عن النسيان، على ما في ذلك من تأنيسه لقلبه وإظهار الشفقة عليه، وفيه دليل على محبة النبي -صلى الله عليه وسلم- لابن عمر -رضي الله عنهما-.

- قوله -صلى الله عليه وسلم- لابن عمر: (كُنْ فِي الدُّنْيَا)؛ أي: خلال مدة إقامتك في الدنيا، (كَأَنَّكَ غَرِيبٌ)؛ أي: كن متشبهًا فيها بحال الغريب. والغريب إذا حل في دار غربة بعيدًا عن وطنه وأهله وأرضه لا يتعلق بدار الغربة، بل يتقلل منها، إذ هو في النهاية راحل عنها ولا بُدَّ، وعائد إلى وطنه طال الوقت أم قصر؛ لذا يقلل من مخالطة أهلها إلا ما احتاج إليه من مخالطتهم، ويزهد في كل ما حوله من المفاتن والزينة ولا ينشغل بها، ولا ينافس أهلها فيما هم فيه، ولا يشاركهم في خصوماتهم حولها، مُعْرِضًا عن رأيهم فيه ونظرتهم إليه إن عابوا ذلك منه.

والمراد من طلب التشبه بالغريب في الدنيا التخفف والإقلال من حطام الدنيا ومتاعها، وعدم الانشغال بها عن الآخرة، وذلك بطلب الأعمال الصالحات، واغتنام الصحة وأوقات الفراغ في الطاعات المقربة إلى الله تعالى، والحذر من طول الأمل وتسويف التوبة.

- قوله -صلى الله عليه وسلم-: (أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ): أو للعطف، أو تكون بمعنى بل، وهو الأقرب. وعابر السبيل: هو مجتاز الطريق. وعابر السبيل أشد من الغريب في ترك التعلق بما حوله إذ المكث عنده قليل والرحيل أسرع. وهذا من باب عطف الخاص على العام، فكل عابر سبيل هو غريب، وليس كل غريب بعابر سبيل، أو هو من باب الترقي في المعنى والمراد، إذ حال عابر السبيل أشد بُعْدًا عن التعلق بما حوله.

وقد استوعب ابن عمر -رضي الله عنهما- المراد من هذا الحديث فكانت حياته كلها -رضي الله عنه- أشبه بتطبيق مستمر لهذا الحديث في أحواله وأعماله وأقواله، فكان -رضي الله عنه- من ناحية العمل من كبار العبَّاد والزهَّاد، شديد الاقتداء بهدي النبي -صلى الله عليه وسلم- ومتابعته. وفي الأقوال جاء عنه -رضي الله عنه- أنه كان يقول: "إِذَا أَمْسَيْتَ فَلَا تَنْتَظِرِ الصَّبَاحَ، وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَلَا تَنْتَظِرِ الْمَسَاءَ، وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ، وَمِنْ حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ" (رواه البخاري).

ومراده: انتظر الموت في أي وقت وعلى كل حال، واعمل بمقتضى هذا الانتظار، إذا دخلت في المساء فلا تنتظر الصباح، وإذا دخلت في الصباح فلا تنتظر المساء، أي: اجعل الموت دائمًا نصب عينيك، واغتنم العمل حال صحتك وعافيتك قبل أن تدهمك الأمراض، واغتنم حياتك قبل أن يدركك الموت. وكلام ابن عمر هذا فيه حث واضح على قصر الأمل وترك التعلق بالدنيا والزهد في متاعها الموصل للمراد من حديث النبي -صلى الله عليه وسلم- الذي رواه ابن عمر عنه. فمن قصر أمله زهد، ومن طال أمله رغب، ومن رغب في الدنيا ساء عمله فيها. يقول الحسن البصري -رحمه الله- في ذلك: "ما أطال العبد الأمل إلا أساء العمل"، وعنه قال: "رحم الله امرءًا نظر لنفسه وبكى على ذنوبه، (إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا) (مريم: 84)".

وروى الترمذي أيضًا عن ابن عمر أنه كان يقول: "إِذَا أَصْبَحْتَ فَلَا تُحَدِّثْ نَفْسَكَ بِالْمَسَاءِ، وَإِذَا أَمْسَيْتَ فَلَا تُحَدِّثْ نَفْسَكَ بِالصَّبَاحِ، وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ قَبْلَ سُقْمِكَ، وَمِنْ حَيَاتِكَ قَبْلَ مَوْتِكَ، فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي يَا عَبْدَ اللَّهِ مَا اسْمُكَ غَدًا" (رواه الترمذي، وصححه الألباني). يريد: أنك لا تدري أتكون في الغد مع الأحياء أو مع الأموات. والمراد: احرص دائمًا على الأعمال الصالحات، بما يليق من الوظائف المتعلقة بالوقت الذي أنت فيه.

وعلى هذا كان هديه -صلى الله عليه وسلم- دائمًا، فكان في هذا الباب الإمام والقدوة والأسوة الحسنة لمن حوله قولًا وعملًا، وكان على الدوام يحث أصحابه -رضي الله عنهم- عليه، والشواهد على ذلك كثيرة:

- قال -صلى الله عليه وسلم-: (مَا لِي وَلِلدُّنْيَا، إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رَاكِبٍ قَالَ) (من القيلولة) (فِي ظِلِّ شَجَرَةٍ ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا) (رواه أحمد، والترمذي عن ابن مسعود -رضي الله عنه-، وصححه الألباني). ومدة هذه القيلولة تحت الشجرة تنتهي بزوال ظلها وهي بالطبع مدة قصيرة. وعمر الإنسان يتناقص كما يتناقص ظل الشجرة حتى ينتهي بالموت، ولا يتبقى للإنسان إلا ما عمله وما قدمه، فالحياة أشبه بزيارة ضيف أو سحابة صيف، وحياة المؤمن فيها كحياة العابر الغريب.

- وعن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: نام رسول الله على حصير، فقام وقد أثَّر في جنبه. قلنا: يا رسول الله لو اتخذنا لك وطاءً! فقال -صلى الله عليه وسلم-: (مَا لِي وَلِلدُّنْيَا؟ مَا أَنَا فِي الدُّنْيَا إِلَّا كَرَاكِبٍ اسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ، ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا) (رواه الترمذي، وصححه الألباني).

- وقال -صلى الله عليه وسلم-: (مَا الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مِثْلُ مَا يَجْعَلُ أَحَدُكُمْ إِصْبَعَهُ فِي الْيَمِّ، فَلْيَنْظُرْ بِمَ يَرْجِعُ) (رواه مسلم).

- وقال -صلى الله عليه وسلم-: (الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ، وَجَنَّةُ الْكَافِرِ) (رواه مسلم).

- وقال -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا بِحَذَافِيرِهَا) (رواه الترمذي، وحسنه الألباني).

- وعن عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَسْلَمَ، وَكَانَ رِزْقُهُ كَفَافًا، وَقَنَّعَهُ اللَّهُ بِمَا آتَاهُ) (رواه مسلم).

- وعن فضالة بن عبيد الأنصاري -رضي الله عنه- أنه سمع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: (طُوبَى لِمَنْ هُدِيَ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَكَانَ عَيْشُهُ كَفَافًا، وَقَنِعَ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني).

- وعن فضالة بن عبيد -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يصلي بالناس فيخر رجال من قامتهم في الصلاة من الخصاصة (الفاقة والجوع الشديد) -وهم من أهل الصفة- حتى يقول الأعراب: هؤلاء مجانين، فإذا صلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- انصرف إليهم، فقال: (لَوْ تَعْلَمُونَ مَا لَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى لَأَحْبَبْتُمْ أَنْ تَزْدَادُوا فَاقَةً وَحَاجَةً) (رواه الترمذي، وصححه الألباني)).

- وعن عبد الله بن الشخير -رضي الله عنه- قال: أتيت النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو يقرأ (أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ) (التكاثر: 1)، قال: (يَقُولُ ابْنُ آدَمَ: مَالِي مَالِي، وَهَلْ لَكَ يَا ابْنَ آدَمَ مِنْ مَالِكَ إِلَّا مَا أَكَلْتَ فَأَفْنَيْتَ، أَوْ لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ، أَوْ تَصَدَّقْتَ فَأَمْضَيْتَ؟) (رواه مسلم).

- وعن جابر -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- مر بالسوق، والناس في كنفتيه (جانبيه)، فمر بجدي أسك (أي صغير الأذن) ميت، فتناوله فأخذ بأذنه، ثم قال: (أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنَّ هَذَا لَهُ بِدِرْهَمٍ؟) فقالوا: ما نحب أنه لنا بشيء، وما نصنع به؟ قال -صلى الله عليه وسلم-: (أَتُحِبُّونَ أَنَّهُ لَكُمْ؟) قالوا: والله لو كان حيًّا لكان عيبًا فيه لأنه أسك، فكيف وهو ميت؟ فقال -صلى الله عليه وسلم-: (وَاللَّهِ لَلدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ هَذَا عَلَيْكُمْ) (رواه مسلم).

- وعن سهل بن سعد الساعدي -رضي الله عنه-: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني).

- وعن أبي هريرة -رضي الله عنه-: "خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مِنَ الدُّنْيَا وَلَمْ يَشْبَعْ مِنْ خُبْزِ الشَّعِيرِ" (رواه البخاري). وفي رواية: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا شَبِعَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ تِبَاعًا مِنْ خُبْزِ حِنْطَةٍ حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا" (متفق عليه).

- وعن أبي هريرة -رضي الله عنه-: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (اللَّهُمَّ اجْعَلْ رِزْقَ آلِ مُحَمَّدٍ قُوتًا) (متفق عليه). ومعنى قوتًا: أي ما يسد الرمق.

- وعن النعمان بن بشير -رضي الله عنهما- قال: ذكر عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- ما أصاب الناس من الدنيا، فقال: (لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَظَلُّ الْيَوْمَ يَلْتَوِي مَا يَجِدُ مِنَ الدَّقَلِ) (رديء التمر) (مَا يَمْلَأُ بِهِ بَطْنَهُ) (متفق عليه).

- وعن ابن عباس -رضي الله عنهما-: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَبِيتُ اللَّيَالِيَ طَاوِيًا، وَأَهْلُهُ لَا يَجِدُونَ عَشَاءً، وَكَانَ أَكْثَرُ خُبْزِهِمْ خُبْزَ الشَّعِيرِ" (رواه الترمذي، وحسنه الألباني).

- وعن أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- أنها قالت لعروة بن الزبير: "وَاللَّهِ يَا ابْنَ أُخْتِي إِنْ كُنَّا لَنَنْظُرُ إِلَى الْهِلَالِ، ثُمَّ الْهِلَالِ، ثُمَّ الْهِلَالِ، ثَلَاثَةَ أَهِلَّةٍ فِي شَهْرَيْنِ، وَمَا أُوقِدَ فِي أَبْيَاتِ رَسُولِ اللَّهِ نَارٌ". فقلت (أي عروة): يا خالة فما كان يعيشكم؟ قالت -رضي الله عنها-: "الْأَسْوَدَانِ: التَّمْرُ وَالْمَاءُ، إِلَّا أَنَّهُ كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- جِيرَانٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، وَكَانَتْ لَهُمْ مَنَائِحُ، فَكَانُوا يُرْسِلُونَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مِنْ أَلْبَانِهَا فَيَسْقِينَا" (متفق عليه). والمنائح: جمع منيحة، وهو ما يحلب.

- وعن أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه- قال: أخرجت لنا عائشة -رضي الله عنها- كساءً وإزارًا غليظًا، فقالت: "قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي هَذَيْنِ" (متفق عليه).

- وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: "كَانَ فِرَاشُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَدَمٍ حَشْوُهُ لِيفٌ" (رواه البخاري).

- وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: "تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا فِي بَيْتِي مِنْ شَيْءٍ يَأْكُلُهُ ذُو كَبِدٍ إِلَّا شَطْرُ شَعِيرٍ" (أي: شيء من شعير) (متفق عليه).

- فإن قيل: هل يعارض ما ورد في الشرع من ذم طول الأمل ما جاء في الشرع من الحث على السعي والعمل وعمارة الأرض؟

فالجواب: أنه لا تعارض بينهما.

- فالإنسان مكلف بالعمل والسعي والأخذ بالأسباب والتكسب لينفق على نفسه وعلى من يعول ولا يكون عالة على غيره، وهو مأجور على اجتهاده في ذلك العمل. وفي الحديث المرفوع: (إِنْ قَامَتِ السَّاعَةُ وَبِيَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَلَّا يَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَفْعَلْ) (رواه أحمد، وصححه الألباني). فيؤجر المرء على الأعمال عند الله تعالى يوم القيامة حتى وإن لم يحصد ثمارها في الدنيا ويدرك نتائج ما قام به، جزاء أنه استجاب لما أمر به من العمل والكد. ولكونه لا يدري متى يدركه الأجل فلا يغفل عن العمل للآخرة، فيقصر بذلك أمله، ولا يستكثر من طلب الدنيا ويتلهى بها. فيأخذ منها ما يكفيه، ويدع منها ما يطغيه.

- فعمارة الأرض مطلوبة شرعًا، وترك التهافت والاستكثار من حطام الدنيا أيضًا مطلوب شرعًا.

- والبعد عن طول الأمل الذي يؤدي إلى إيثار الدنيا والرضا بها والركون إليها مطلوب.

- ولا يمنع الزهد في الدنيا المرء من العمل والتكسب والإنفاق من هذا الكسب على النفس والأهل. فالمطلوب أن تكون الدنيا في يد الإنسان يتملك منها ما قُدِّر له لكنها لا تتملك شغاف قلبه، فلا يستولي حب الدنيا على قلب العبد فيرديه. وفي هذا المعنى ورد عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قوله: "اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدًا، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدًا".

فوائد من الحديث:

- الحرص على الأوقات، فالوقت رأس مال الإنسان، ينبغي ألَّا ينفقه إلا فيما يعود عليه بالنفع في الدنيا والآخرة.

- تجنب فضول المخالطة غير المرغوب فيها، وتجنب فضول الكلام والقيل والقال وفضول الطعام والشراب.

- من تيقن جواز رحيله من الدنيا في أي وقت لا يربط أعماله بجني ثمارها، ولا يتطلع إلى الحصاد القريب.

- الإكثار من ذكر الآخرة وعدم الغفلة عن العمل لها ليل نهار.

- على الإنسان الأخذ بالأسباب والرضا بالنتائج مهما كانت.

- الدنيا دار عمل لا دار جزاء، والآخرة هي دار القرار.

- ضرورة إعداد الزاد الجيد ليوم المعاد باغتنام الخيرات. وقصر الزاد في الدنيا على ما لا يزيد عن زاد الراكب.

- الحياة الحقيقية هي الحياة الآخرة. كما قال الله تعالى: (وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) (العنكبوت: 64). وكما قال تعالى: (يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى . يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي) (الفجر: 23-24)، أي: قدمتُ للآخرة، إذ هي الحياة الحقيقية.