الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ ياسر برهامي
الأربعاء 03 يونيو 2026 - 17 ذو الحجة 1447هـ

الوقفات الإيمانية مع الأسماء والصفات الإلهية (18) اسم الله (السِّتِّير) (موعظة الأسبوع)

كتبه/ سعيد محمود

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

المقدمة:

- التعرف على الله أجلُّ أبواب العلوم، والتعبد لله بأسمائه وصفاته أجلُّ أبواب التعبد: قال -تعالى-: (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا) (الأعراف: 180)، وقال: (قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى) (الإسراء: 110)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِئَةً إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ) (متفق عليه).

- لم يَرِد هذا الاسم الكريم "السِّتِّير" في كتاب الله -عز وجل- وإنما ورد في السُّنة النبوية: فعن يعلى بن أمية -رضي الله عنه-، أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رأى رجلًا يغتسل بالبراز، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ اللَّهَ -عَزَّ وَجَلَّ- حَيِيٌّ سِتِّيرٌ يُحِبُّ الْحَيَاءَ وَالسِّتْرَ، فَإِذَا اغْتَسَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَتِرْ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني)(1).

معنى "السِّتِّير" في حق الله -تعالى-:

- قال البيهقي -رحمه الله-: "وقوله: (سِتِّير) يعني أنه ساتر يستر على عباده كثيرًا ولا يفضحهم في المشاهد، كذلك يحب من عباده الستر على أنفسهم واجتناب ما يشينهم. والله أعلم" (الأسماء والصفات).

- وقال في اللسان: "والسِّتِّير: فعِّيل بمعنى فاعل، أي: من شأنه وإرادته حب الستر والصون، وفي الحديث: (إنَّ الله حيي سِتِّير يحب الستر)" (لسان العرب).

الوقفة الأولى: نعمة الستر من الله:

- الستر من الله -تعالى- من أعظم النعم: قال -تعالى-: (وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً) (لقمان: 20). قال الضحاك -رحمه الله-: "أمَّا الظاهرة: فالإسلام والقرآن، وأمَّا الباطنة: فما يستر من العيوب".

- ماذا لو كشف الله ستره عنا؟ وماذا لو كان للذنوب رائحة؟(2): عن عطاء قال: سألت ابن عباس -رضي الله عنهما- عن قوله -تعالى-: (وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً)، فقال: "أمَّا الظاهرة: فما سَوَّى من خَلْقك، وأمَّا الباطنة: فما سَتَر من عَوْرتك"، وفي رواية: "فما سَتَر من مساوئ عملك، ولو أبداها لقلاك أهلك فمن سواهم" (أخرجه البيهقي في شعب الإيمان). وقال محمد بن واسع -رحمه الله-: "لو كان للذنوب ريح ما قَدَر أحد أن يجلس إليَّ".

- ولهذا عاقب الله -تعالى- من يكشف ستره عليه: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (كُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى إِلَّا الْمُجَاهِرِينَ، وَإِنَّ مِنَ الْمُجَاهَرَةِ أَنْ يَعْمَلَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ عَمَلًا ، ثُمَّ يُصْبِحَ وَقَدْ سَتَرَهُ اللهُ عَلَيْهِ، فَيَقُولَ: يَا فُلَانُ ، عَمِلْتُ الْبَارِحَةَ كَذَا وَكَذَا، وَقَدْ بَاتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ ، وَيُصْبِحُ يَكْشِفُ سِتْرَ اللهِ عَنْهُ) (متفق عليه).

بل انظر إلى عظيم ستره يوم تُبلى السرائر!: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ اللَّهَ -تَعَالَى- يُدْنِي الْمُؤْمِنَ فَيَضَعُ عَلَيْهِ كَنَفَهُ وَسِتْرَهُ مِنَ النَّاسِ، وَيُقَرِّرُهُ بِذُنُوبِهِ فَيَقُولُ: أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا؟ أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ أَيْ رَبِّ، حَتَّى إِذَا قَرَّرَهُ بِذُنُوبِهِ وَرَأَى فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ قَدْ هَلَكَ قَالَ: فَإِنِّي قَدْ سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ، ثُمَّ يُعْطَى كِتَابَ حَسَنَاتِهِ بِيَمِينِهِ، وَأَمَّا الْكَافِرُ وَالْمُنَافِقُ فَيَقُولُ الْأَشْهَادُ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ) (متفق عليه).

الوقفة الثانية: من آثار التعبد لله باسمه سبحانه (السِّتِّير):

أولًا: محبة الله "السِّتِّير" الذي يستر على عباده ولا يفضحهم، ولا يحاسبهم إلا على ما ظهر من أفعالهم أو أقوالهم(3): قال الحسن البصري -رحمه الله-: "لو تكاشفتم لَما تدافنتم". ولما نزل قول الله -تعالى-: (لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (البقرة: 284)، اشتد ذلك على أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وقالوا: إنَّ ذلك لا يطيقونه، فقال لهم النبي -صلى الله عليه وسلم-: (أَتُرِيدُونَ أَنْ تَقُولُوا كَمَا قَالَ مَنْ قَبْلَكُمْ: سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا؟ قُولُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَسَلَّمْنَا)، فقالوا: سمعنا وأطعنا، فلما قالوها وذلت بها ألسنتهم؛ أنزل الله بعدها قوله -تعالى-: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ) (أخرجه مسلم).

ثانيًا: الحياء من الله -عز وجل- الذي يرى عبده وهو يعصيه، فيستره ولا يفضحه، فحريٌّ بالعبد أن يتأدب مع ربه -سبحانه- ويستحيي منه وهو يراه في جميع أحواله، ولا يخفى عليه من عبده خافية، وهذا يورثه مرتبة الإحسان في العبادة؛ ففي حديث جبريل -عليه السلام-: (قَالَ: مَا الْإِحْسَانُ؟ قَالَ: أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ) (متفق عليه). قال رجل لأحد السلف: "كيف أصبحت؟ قال: أصبحت بين نعمتين لا أدري أيتهما أفضل: ذنوب سترها الله -عز وجل- فلا يستطيع أن يعيرني بها أحد، ومودة قذفها الله -عز وجل- في قلب العباد لم يبلغها عملي".

ثالثًا: التخلق بصفة الستر على النفس وعلى الخلق؛ لأنَّ الله -عز وجل- سِتِّير يحب الستر؛ قال الرسول -صلى الله عليه وسلم-: (وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) (متفق عليه). وقال -صلى الله عليه وسلم-: (أَقِيلُوا ذَوِي الْهَيْئَاتِ عَثَرَاتِهِمْ إِلَّا الْحُدُودَ) (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني). وقال -صلى الله عليه وسلم-: (يَا مَعْشَرَ مَنْ آمَنَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يَدْخُلِ الْإِيمَانُ قَلْبَهُ، لَا تَغْتَابُوا الْمُسْلِمِينَ وَلَا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ، فَإِنَّهُ مَنْ يَتَّبِعْ عَوْرَاتِهِمْ يَتَّبِعِ اللَّهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ يَتَّبِعِ اللَّهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ فِي بَيْتِهِ) (رواه أحمد وأبو داود، وحسنه الألباني).

رابعًا: دعاء الله -عز وجل- وسؤاله الستر في الدنيا والآخرة؛ عن ابن عمر -رضي الله عنهما- أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يكن يدع هؤلاء الدعوات حين يمسي وحين يصبح: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فِي دِينِي وَدُنْيَايَ وَأَهْلِي وَمَالِي، اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَاتِي وَآمِنْ رَوْعَاتِي، اللَّهُمَّ احْفَظْنِي مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ وَمِنْ خَلْفِي وَعَنْ يَمِينِي وَشِمَالِي وَمِنْ فَوْقِي، وَأَعُوذُ بِعَظَمَتِكَ أَنْ أُغْتَالَ مِنْ تَحْتِي) (رواه أبو داود، وصححه الألباني).

خامسًا: المحافظة على الأعمال المعينة على الستر من النار؛ قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَنِ ابْتُلِيَ مِنْ هَذِهِ الْبَنَاتِ بِشَيْءٍ فَأَحْسَنَ إِلَيْهِنَّ، كُنَّ لَهُ سِتْرًا مِنَ النَّارِ) (متفق عليه). وقال -صلى الله عليه وسلم-: (مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَتِرَ مِنَ النَّارِ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ فَلْيَفْعَلْ) (متفق عليه). وقال -صلى الله عليه وسلم-: (خُذُوا جُنَّتَكُمْ) قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَمِنْ عَدُوٍّ قَدْ حَضَرَ؟ قَالَ: (لَا، وَلَكِنْ جُنَّتُكُمْ مِنَ النَّارِ، قُولُوا: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، فَإِنَّهُنَّ يَأْتِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُجَنِّبَاتٍ وَمُعَقِّبَاتٍ، وَهُنَّ الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ) (رواه النسائي، وحسنه الألباني).

نسأل الله "السِّتِّير" أن يمنَّ علينا بستره وعفوه في الدنيا والآخرة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) للسِّتِّير روايتان: إحداهما بكسر السين وتشديد التاء مكسورة. والثانية: بفتح السين وكسر التاء مخففة (حاشية سنن أبي داود). وقد جرى على ألسنة كثير من الناس قولهم: (يا ساتر)، وهذا الاسم لم يرد في السُّنة الصحيحة.

(2) تخيل لو كان للذنوب رائحة، كيف كان الحال عند مخالطة الناس في الطرق والمجالس والمواصلات، والمصالح والمدارس والجامعات، فضلًا عن الأماكن المخصصة للمعاصي أصلًا! ولكنه الستر من السِّتِّير -سبحانه-، فاللهم أدم علينا سترك.

(3) تذكر كم مرة سترك الله ولم يفضحك بذنوب وآثام، بما لو كان اطَّلع عليه الناس؛ لكان الأمر شنيعًا عليك؟!