الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ ياسر برهامي
الأربعاء 15 أبريل 2026 - 27 شوال 1447هـ

الوقفات الإيمانية مع الأسماء والصفات الإلهية (14) اسم الله (الهادي) (موعظة الأسبوع)

كتبه/ سعيد محمود

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

المقدمة:

- التَّعرُّف على الله أجلُّ أبواب العلوم، والتَّعبُّد لله بأسمائه وصفاته أجلُّ أبواب التَّعبُّد: قال -تعالى-: (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا) (الأعراف: 180)، وقال: (قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى) (الإسراء: 110)، وقال النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ) (متفق عليه).

- ورد اسمه -سبحانه- (الهادي) في القرآن الكريم مرتين وذلك في قوله -تعالى-: (وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا) (الفرقان: 31)، وقوله -سبحانه- : (وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) (الحج: 54).

- معناه في حق الله -تعالى-: قال الشيخ السعدي: "(الهادي) أي: الذي يهدي ويرشد عباده إلى جميع المنافع وإلى دفع المضار، ويعلمهم ما لا يعلمون، ويهديهم لهداية التوفيق والتسديد، ويلهمهم التقوى ويجعل قلوبهم منيبة إليه منقادة لأمره" (تفسير السعدي).

الوقفة الأولى: أنواع الهداية في الدنيا:

النوع الأول: الهداية العامة المشتركة بين الخلق إلى ما يصلح أمور معاشهم وحياتهم، من تحصيل المنافع وكسب الأرزاق وطلب الأقوات: قال -تعالى-: (الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى . وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى) (الأعلى:2-3)، وقال -تعالى-: (رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى) (طه: 50).

قال ابن القيم -رحمه الله-: "أي: أعطى كل شيء صورتَه التي لا يشتبه فيه بغيره، وأعطى كل عضو شكلَه وهيئته، وأعطى كل شيء موجودٍ خَلْقَه المختصَّ به، ثم هداه إلى ما خلَقَه له من الأعمال" (انتهى).

وقال -تعالى-: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تَرْجَعُونَ) (المؤمنون: 115).

قال ابن القيم -رحمه الله-: "ولم يترك النوع الإنساني الذي هو خلاصة الوجود، الذي كرمه وفضله على كثير من خلقه مهملًا وسدًى معطلًا، لا يأمره ولا ينهاه ولا يُثيبُه ولا يعاقبه؟!" (بدائع الفوائد).

النوع الثاني: هداية الدلالة والبيان والإرشاد إليه -عز وجل-، وهذا النوع من الهداية قد خصَّ الله -تعالى- به المكلفين من الإنس والجن دون غيرهم، وهو وظيفة الرسل وورثتهم من العلماء الربانيين: قال الله لنبيه -صلى الله عليه وسلم-: (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) (الشورى: 52)، وقال -تعالى-: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) (الإسراء: 15)، وقال: (رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ) (النساء: 165).

- ومع ذلك فقد يبعث الله الرسل وينزل الكتب بهداية الدلالة والبيان، لكن الناس لا يستجيبون: قال -تعالى-: (وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى) (فصلت: 17).

النوع الثالث: هداية التوفيق والإلهام، وهي الهداية المستلزمة للاهتداء، فلا يتخلُّفُ عنها؛ قال -تعالى-: (يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ) (النحل: 93)، وقال -تعالى-: (مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ) (الإسراء: 97). وقال -تعالى-: (إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ) (القصص: 56)، وقال: (إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ) (غافر: 28).

وقال النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَلَا مُضَلَّ لَهُ) (رواه مسلم). وعن سعيد بن المسيب عن أبيه -رحمهما الله- قال: لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ الوَفَاةُ، جَاءَهُ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَوَجَدَ عِنْدَهُ أَبَا جَهْلٍ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ المُغِيرَةِ، فَقَالَ: (أَيْ عَمِّ، قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ كَلِمَةً أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ) فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ: أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ؟ فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَعْرِضُهَا عَلَيْهِ، وَيُعِيدَانِهِ بِتِلْكَ المَقَالَةِ، حَتَّى قَالَ أَبُو طَالِبٍ آخِرَ مَا كَلَّمَهُمْ: هُوَ عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وَأَبَى أَنْ يَقُولَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: (وَاللَّهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ) فَأَنْزَلَ اللَّهُ: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ). وَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) (رواه البخاري ومسلم). قال -تعالى-: (فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ) (الأنعام: 125).

الوقفة الثانية: من آثار التعبد لله باسمه -سبحانه- (الهادي):

أولاً: محبة الله -عز وجل- وتعظيمه والثناء عليه: حيث أعطى كل شيء خلقه وهداه إلى ما لا بد منه في قضاء حاجاته، وأعظم من ذلك هدايته -سبحانه- لعباده حيث أنزل الكتب وأرسل الرسل لبيان سبل الهدى والحق والتحذير من طريق الغواية والضلال، ومنح لعباده العقول التي تدلهم على الله -عز وجل- وتهديهم إليه بما أودع في هذا الكون من الآيات الباهرات التي تدل على وحدانيته -سبحانه-.

ثانيًا: إذا علم العبد أن هداية التوفيق والإلهام لا يملكها إلا الله -عز وجل-: فإن هذا يشعره بافتقاره التام إلى ربه -سبحانه- في طلب هذه الهداية والإعانة عليها، (وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ) (الأعراف: 43). (ترديد النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه -رضي الله عنهم- يوم الخندق وهم محاصرون من الأعداء: "والله لولا الله ما اهتدينا" (متفق عليه).

ثالثًا: السؤال والدعاء للهادي -سبحانه- بأن يهديه إلى صراطه المستقيم، ويثبِّته على الحق والهدى حتى يلقاه: كان النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم- يدعو فيقول: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْهُدَى وَالتُّقَى وَالْعَفَافَ وَالْغِنَى) (رواه مسلم). وكان يقول -صلى الله عليه وسلم-: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْهُدَى وَالسَّدَادَ) (رواه مسلم). وشُرِع الدعاء في الصلاة: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) (الفاتحة: 6).

وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: كان النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم- يفتتح صلاته إذا قام من الليل، فقال: (اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَعَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) (رواه مسلم).

رابعًا: من عرف أنواع الهداية، علم أن الموفق إلى هداية التوفيق من الله هو مَن أطاع الأنبياء الذين جاءوا بهداية الإرشاد والبيان: قال الله -تعالى-: (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ) (النساء: 80)، وقال -تعالى-: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا) (العنكبوت: 69). وقال: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (آل عمران: 31)، وقال: (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) (الشورى: 52)، وقال: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) (الحشر: 7)، وقال: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (النور: 63).

خامسًا: سعي المؤمن إلى أن يكون هاديًا إلى الله -عز وجل- وإلى صراطه المستقيم: وذلك بنشر العلم والدعوة إلى الله -سبحانه-، وإرشاد الناس إلى الحق، فكلما دعا غيره إلى الخير ليهديه كافأه الله بمزيد الهداية؛ قال ابن القيم -رحمه الله-: "كما أَن هدايته للغَيْر وتعليمه ونصحه يفتح لَهُ بَاب الهداية، فإن الجزاء من جنس العمل، فكلما هدى غيره وعلَّمه هداه الله وعلَّمه، فيصير هاديًا مهديًّا كما في دعاء النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم- الذي رواه الإمام أحمد وغيره: (اللَّهُمَّ زَيِّنَّا بِزِينَةِ الإِيمَانِ وَاجْعَلْنَا هُدَاةً مَهْدِيِّينَ) (رواه أحمد والنسائي، وصححه الألباني). وقال -تعالى-: (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (يوسف: 108).

فاللهم اهدنا، واهدِ بنا، واجعلنا سببًا لمن اهتدى، وجنِّبنا طرق الزيغ والضلالة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) من بديع ودلائل قدرة الله وعظمته في هداية المخلوقات: ما كان من هدايته للنحل والنمل في بناء بيوته المعقدة الإنشاء، البالغة الدقة، ذات الغرف والدهاليز، والمخازن والأقبية، موافقة لقوانين الهندسة المعمارية! فضلاً عن نظام العمل الاجتماعي التعاوني المدهش في تلك الخلايا. فلسبعة أمتار قد يصل ارتفاع عش النمل الأبيض، ونحو 30 ألف بيضة في اليوم من "الملكة"، وما سيتتبعه من بناء غرف جديدة لتسع هؤلاء القادمين الجدد من النمل؛ فأي هداية وأي جهد وعمل دؤوب مبذول؟!

وانظر للكلاب وهدايتها التي تنعكس في تعدد خدماتها ووفائها للإنسان، من حراسة الماشية والمنازل والحدود والأفراد، وإنقاذ المفقودين والمسافرين، وقيادة فاقدي البصر، وخدمة توصيل بعض الأغراض للمقعدين وذوي الاحتياجات الخاصة، ووسيلة للجر والنقل، ووسيلة للاتصال أيام الحروب والأزمات، ومهمة استكشاف المخدرات، والمواد المحظورة، واستكشاف المناجم! فمَن الذي "هداها" لتفعل كل هذه الخدمات للإنسان؟! صدق الله القائل في محكم آياته: (رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى).