الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ ياسر برهامي
الإثنين 16 فبراير 2026 - 28 شعبان 1447هـ

منهاج المسلم في مواجهة الابتلاءات والمحن (2-2)

كتبه/ علاء بكر

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

المحور الثالث: حتمية الفرج:

وهذا من فضل الله -تعالى- على عباده أن جعل الفرج بعد الابتلاء حتميًّا، وهو مشاهد معلوم لا ينكر؛ لذا قيل: "ما ضاقت إلا فرجت"، ومن المحنة تكون المنحة.

وفي هذا يقول الشاعر:

ضاقت فلما استحكمت حلقاتها                فرجت وكنت أظـنـها لا تـفـرج

وقد دلت إلى حتمية الفرج بعد الابتلاء أدلة من الكتاب والسُّنة؛ منها:

1- قول الله -تعالى-: (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا . إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا) (الشرح: 5-6)، فلا يخلو العسر مهما طال من يسر يتبعه، ويدل على قرب اليسر بعد العسر استخدام كلمة (مع) في قول الله -تعالى- (إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا)، فهي معية مقاربة أو امتزاج تشعر بسرعة مجيء اليسر بعد العسر، ولن يغلب عسر يسرين.

قال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي في تفسيره: (وقوله: (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا) بشارة عظيمة، أنه كلما وجد عسر وصعوبة فإن اليسر يقارنه ويصاحبه، حتى لو دخل العسر جحر ضب لدخل عليه اليسر فأخرجه، كما قال -تعالى-: (سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا)، وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (وَإِنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ، وَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا) (رواه أحمد، وصححه الألباني). وتعريف (العسر) في الآيتين واحد، يدل على أنه واحد، وتنكير (اليسر) دليل على تكراره، فلن يغلب عسر يسرين. وفي تعريفه بالألف واللام الدالة على الاستغراق والعموم دلالة على أن كل عسر -وإن بلغ من الصعوبة ما بلغ-، فإنه في آخره التيسير ملازم له.

2- قول الله -تعالى-: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا) (الطلاق: 2-3).

قال الشيخ السعدي في تفسيره: "وأن من اتقاه في الطلاق وغيره فإن الله يجعل له فرجًا ومخرجًا".

وأضاف: "والآية وإن كانت في الطلاق والرجعة فإن العبرة بعموم اللفظ، فكل من اتقى الله -تعالى- ولازم مرضاة الله في جميع أحواله فإن الله يثيبه في الدنيا والآخرة. ومن جملة ثوابه أن يجعل له فرجًا ومخرجًا من كل شدة ومشقة. وكما أن من اتقى جعل الله له مخرجًا فمن لم يتق الله وقع في الشدائد والآصار والأغلال التي لا يقدر على التخلص منها والخروج من تبعاتها".

3- قول الله -تعالى-: (لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا) (الطلاق: 7).

قال الشيخ السعدي: "(لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا): وهذا مناسب للحكمة والرحمة الإلهية حيث جعل كلًّا بحسبه، وخفف عن المعسر، وأنه لا يكلفه إلا ما آتاه، فلا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، في باب النفقة وغيرها. (سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا) وهذه بشارة للمعسرين، أن الله -تعالى- سيزيل عنهم الشدة ويرفع عنهم المشقة ((فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا . إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا)".

4- قول الله -تعالى- في سورة يوسف: (حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ) (يوسف: 110).

قال ابن كثير رحمه الله: "يذكر -تعالى- أن نصره ينزل على رسله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين عند ضيق الحال وانتظار الفرج من الله في أحوج الأوقات إلى ذلك، كقوله -تعالى-: (وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ) الآية".

5- قول الله -تعالى- في حق أسرى بدر من المشركين ممن دفعوا الفدية لإطلاق سراحهم: (إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (الأنفال: 70).

6- قول الله -تعالى-: (إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ) (آل عمران: 140).

7- قول الله -تعالى- في حقِّ أنبيائه ومن قاتل معهم من أتباعهم الربانيين: (فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (آل عمران: 146 – 148).

8- قول الله -تعالى- في ختام سورة البقرة: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) (البقرة: 286).

قال ابن كثير رحمه الله في تفسيره: "وقوله: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) أي: لا يكلف أحدًا فوق طاقته، وهذا من لطفه -تعالى- بخلقه ورأفته بهم وإحسانه إليهم. وهذه هي الناسخة الرافعة لما أشفق منه الصحابة في قوله: (وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ) أي: هو وإن حاسب وسأل، لكن لا يعذب إلا بما يملك الشخص دفعه، فأما ما لا يملك دفعه من وسوسة النفس حديثها فهذا لا يكلف به الإنسان، وكراهية الوسوسة من الإيمان. وقوله: (لَهَا مَا كَسَبَتْ) أي: من خير (وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ) أي: من شر. وذلك في الأعمال التي تدخل تحت التكليف.

ثم قال -تعالى- مرشدًا عباده إلى سؤاله، وقد تكفل لهم بالإجابة كما أرشدهم وعَلَّمهم أن يقولوا: (رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) أي: إن تركنا فرضًا على جهة النسيان، أو فعلنا حرامًا كذلك أو أخطأنا أي: الصواب في العمل جهلًا منا بوجهه الشرعي".

ويضيف ابن كثير قائلًا: "وقوله: (رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا) أي: لا تكلفنا من الأعمال الشاقة وإن أطقناها كما شرعته للأمم الماضية قبلنا من الأغلال والآصار التي كانت عليهم، التي بعثت نبيك محمدًا -صلى الله عليه وسلم- نبي الرحمة بوضعه في شرعه الذي أرسلته به من الدين الحنيف السهل السمح".

ويضيف ابن كثير -رحمه الله-: "وقوله: (رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ) أي: من التكليف والمصائب والبلاء لا تبتلينا بما لا قبل لنا به". (وقوله: (وَاعْفُ عَنَّا) أي فيما بيننا وبينك مما تعلمه من تقصيرنا وزللنا. (وَاغْفِرْ لَنَا) أي: فيما بيننا وبين عبادك، فلا تظهرهم على مساوينا وأعمالنا القبيحة (وَارْحَمْنَا) أي: فيما يستقبل، فلا توقعنا بتوفيقك في ذنب آخر. ولهذا قالوا: إن الذنب محتاج إلى ثلاثة أشياء: أن يعفو الله عنه فيما بينه وبينه، وأن يستره عن عباده فلا يفضحه به بينهم، وأن يعصمه فلا يوقعه في نظيره" (تفسير ابن كثير بتصرف يسير).

ولا تقتصر سعادة الإنسان على الحصول على السعادة المادية الخارجية كالمال والنفوذ والجاه والمنزلة، لكن هناك كذلك السعادة المعنوية الداخلية، وفي مقدمتها: السعادة بالإيمان وما يصحبه من انشراح النفس والرضا والقناعة والطمأنينة والسكينة، والتي بها يكون غنى الإنسان واستغناء نفسه.

وهذا الفرج ثمرة الصبر وجزاؤه وثمرة التوكل على الله -تعالى-، ومع هذا الفرج يكون شعور العبد بحلاوة الإيمان وراحة البال في الدنيا، ثم الفوز بالجنة في الآخرة؛ قال الله -تعالى-: (فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا وَنَرَاهُ قَرِيبًا) (المعارج: 5-7)، وقال الله -تعالى-: (وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا) (الإنسان: 12). وقال الله -تعالى-: (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ) (الزمر: 10).

وينبغي أن نعلم أن من آمن بالله واتقى الله في كافة أقواله وأفعاله فإنه يكون بذلك محصنًا -بفضل الله تعالى- من الخوف أو الحزن؛ قال الله -تعالى-: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (النحل: 97)، وقال الله -تعالى-: (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ) (الأنعام: 82)، وقال الله -تعالى-: (وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا) (طه: 112).

والتزام هذا المنهاج في التعامل مع الابتلاءات والمحن يغرس في المسلم العديد من المعاني والمفاهيم الإيجابية، والتي يبثها في النفس التعامل وفق الشرع مع الابتلاءات والمحن، ومنها:

1- معرفة العبد لحقيقة نفسه: فالعبد ضعيف لا حول له ولا قوة إلا بربه، لذا فالعبد محتاج دائمًا للتوكل على الله -تعالى- حق التوكل، واللجوء إليه حق اللجوء. وعندها تسقط في عين العبد ما هو عليه من العجب والغرور والخيلاء والجاه أو الغفلة والنسيان.

2- معرفة العبد حقيقة الدنيا وزيفها: فالبلاء يكشف للعبد حقيقة الدنيا وزيفها، وأنها متاع الغرور، وإن الحياة الحقيقية هي الحياة في الآخرة، قال الله -تعالى-: (وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) (العنكبوت: 64)، أما الحياة الدنيا فهي دار كد وكبد وتعب، قال الله -تعالى-: (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ) (البلد: 4).

فهذا شأن الدنيا فبينما هي مقبلة إذا بها مدبرة، وبينما هي ضاحكة إذا بها عابسة، فما أسرع انقطاعها بعد وصلها، وأسرع الابتلاء فيها بعد نعمائها. وهذه طبيعتها التي ينبغي ألا نغفل عنها، تذكرنا بها الابتلاءات والمحن لنستعيد رشدنا ونستعد للآخرة. يقول الشاعر:

فاعمل لدار غد رضوان خازنها               الجار أحمد والرحمن بانيهـا

قصورها ذهب والمسك تـرابها                والزعفران حشيش نابت فيها

3- البلاء يذكر العبد بفضل العافية: فالمصائب والمحن التي تعكر علينا صفو حياتنا تبين لنا بأبلغ بيان، وأصرح برهان مقدار ما كنا عليه من العافية لسنين طويلة قبلها، ولم نكن نقدرها حق قدرها، وكم قد قصرنا في شكر الله -تعالى- عليها. ومن هذا جاء قولهم: "الصحة تاج على رؤوس الأصحاء لا يراه إلا المرضى".

4- البلاء لا يجعل العبد يفرح فرحًا طاغيًا حال حلول النعم، ولا يأسَ أسى مثبطًا يوقع في اليأس حال وقوع النقم: والله -تعالى- يقول: (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ . لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ) (الحديد: 22-23).

5- البلاء ينبه العبد بما في نفسه من العيوب، فيمنحه الفرصة ليتوب منها، والله يقول: (وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ) (النساء: 79)، ويقول الله -تعالى-: (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ) (الشورى: 30). والبلاء عذاب دنيوي أدنى ينبهنا لنتوب ولننجو من العذاب الأكبر يوم القيامة، وهذا يدخل في عموم قول الله -تعالى-: (وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) (السجدة: 21).

6- البلاء يعلمنا الصبر بصورة عملية: وما أحوج الإنسان -كل إنسان- إلى الصبر وقوة التحمل في حياته الدنيوية، بل لن يستطيع العبد الثبات على الحق إلا بالصبر وقوة التحمل. والمراد بالصبر: الصبر بكل أنواعه، الصبر على طاعة الله عز وجل، والصبر على الامتناع عن معصية الله عز وجل، ثم استكمال صور الصبر بالصبر على أقدار الله -تعالى- المؤلمة، ويا لها من منزلة، قال الله -تعالى-: (وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ).

ولا شك أن كل هذه الدروس ما كان ليتم الاستفادة منها وجني ثمارها تلك إلا بالتعرض للابتلاءات والمحن عمليًّا، ومعاناة قسوتها التي تدفع الإنسان دفعًا إلى مراجعة أحواله والتعديل فيها، فلا يكفي الكلام النظري المكتوب على الورق إن لم يبتل صاحبه ابتلاء عمليًّا حقيقيًّا، فإذا نزل البلاء بالعبد واجتازه بنجاح بتوفيق الله -تعالى- له تحول الأمر إلى واقع عملي يعيشه العبد. وهذه حكمة ظاهرة للبلاء في حياة الإنسان لا تنكر.

وقد أدرك سلفنا الصالح تلك المعاني وهذه الحكم العالية، واستوعبوها جيدًا؛ لذا ضربوا أروع الأمثال في الصبر والثبات والاحتساب، من أمثلة ذلك:

ما ورد عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان يحمد الله -تعالى- على البلاء إن أصابه، ولما سئل عن ذلك قال: "ما أصبت ببلاء إلا كان لله عليَّ فيه أربع نعم: أنه لم يكن في ديني، وأنه لم يكن أكبر منه، وأني لم أحرم الرضا والصبر، وأني أرجو ثواب الله -تعالى- عليه".

ما ذكر عن عروة بن الزبير رحمه الله أنه لما أصيب في قدمه وقرر الأطباء قطعها لم يزد عن قوله: "اللهم لك الحمد، فإن أخذت فقد أبقيت، وإن ابتليت فقد عافيت"، ولما سئل عن ذلك قال: "كان لي أربعة أطراف فأخذ الله واحدًا وبقي لي ثلاثة"، "وعافاني فيما مضى من حياتي، ثم ابتلاني اليوم بما ترون، أفلا أحمده على ذلك".

ومن الأمور الواجبة عند الابتلاء الحرص على الاحتساب وطلب الأجر والثواب من الله -تعالى-، على أن يكون ذلك الأمر بإخلاص وفي خفية، مع إيقانك أن الله -تعالى- الذي ابتلاك يراك، ويعلم ما بك، وينظر إلى أعمالك ويسمع أقوالك، وهو أرحم بك من نفسك ومن الناس أجمعين، فاحذر الشكوى إلا إليه، وفي هذا المعنى يقول الشاعر:

إذا شـكـوت إلى ابن آدم فـكـأنما               تشكو الرحيم إلى الذي لا يرحم

لا تنسَ أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وأن لله ما أخذ وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى، ودع الجزع فإنه لن يفيدك شيئًا، وإنما سيضاعف من مصيبتك، ويفوت عليك أجرها، ويعرضك للإثم.

لا تنسَ مهما بلغ مصابك فإنه لن يبلغ مصاب الأمة جمعاء بفقدها للنبي -صلى الله عليه وسلم-، فتعز بذلك، جاء في الحديث قوله صلى الله عليه وسلم: (إِذَا أَصَابَ أَحَدَكُمْ مُصِيبَةٌ فَلْيَذْكُرْ مُصِيبَتَهُ بِي، فَإِنَّهَا مِنْ أَعْظَمِ الْمَصَائِبِ) (رواه البيهقي وصححه الألباني).

وأخيرًا لا تنس عند المصيبة أن تقول: "إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي، وأخلف لي خيرًا منها"؛ فإنك إن قلتَ ذلك أجارك الله -تعالى- في مصيبتك، وخلفها عليك بخير؛ قال الله -تعالى-: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ . الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ . أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ) (البقرة: 155-157).