الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ ياسر برهامي
الإثنين 16 فبراير 2026 - 28 شعبان 1447هـ

قراءة في القضايا المنهجية للدعوة السلفية (5) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (3)

كتبه/ طلعت مرزوق

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فنستكمل في هذا المقال حديثنا عن شروط المحتسب، وقد تكلمنا فيما سبق عن اشتراط الإسلام، التكليف، والعلم.

4- القدرة:

لقوله -تعالى-: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) (البقرة: 286)، وقوله: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) (التغابن: 16). ولقوله -صلى الله عليه وسلم-: (وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ) (متفق عليه).

ومن معنى حصول القدرة: غلبة الظن بالسلامة من الأذى والمكروه لنفسه وغيره من المسلمين؛ قال الغزالي: "لا يقف سقوط الوجوب على العجز الحسي، بل يلحق به ما يخاف عليه من مكروه يناله، فذلك في معنى العجز".

وقال النووي في روضة الطالبين: "واعلم أنه لا يسقط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا بأن يخاف منه على نفسه، أو ماله، أو يخاف على غيره مفسدة أعظم من مفسدة المنكر الواقع". وكذا قال ابن مفلح.

أما قوله -صلى الله عليه وسلم-: (لَا يَحْقِرْ أَحَدُكُمْ نَفْسَهُ). قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ يَحْقِرُ أَحَدُنَا نَفْسَهُ؟ قَالَ: (يَرَى أَمْرًا، لِلَّهِ عَلَيْهِ فِيهِ مَقَالٌ، ثُمَّ لَا يَقُولُ فِيهِ، فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَقُولَ فِي كَذَا وَكَذَا؟ فَيَقُولُ: خَشْيَةُ النَّاسِ، فَيَقُولُ: فَإِيَّايَ كُنْتَ أَحَقَّ أَنْ تَخْشَى) (رواه ابن ماجه، وسنده صحيح). والمراد بالخشية هنا مجرد رعايتهم مع القدرة.

وقد ذكر ابن حجر في الفتح شروط الإكراه المعتبر، وهي:

- أن يكون فاعله قادرًا على إيقاع ما يهدد به، والمأمور عاجزًا عن الدفع، ولو بالفرار.

- أن يغلب على ظنه أنه إذا امتنع أوقع به ذلك.

- أن يكون ما هدد به فوريًا، ويستثنى إذا ذكر زمنًا قريبًا جدًا، أو جرت العادة بأنه لا يخلف.

- ألا يظهر من المأمور به ما يدل على اختياره.

ومن يعلم أنه يتمكن من الفرار، إلا أن فراره سوف يلحق الأذى المتوقع بأهله وأقاربه وإخوانه أو غيرهم من المسلمين العاجزين عن الفرار، لم يكن فعله "أي: التغيير" مشروعًا.

فإن قيل: إن الجهاد والحسبة من باب واحد، وهو لا يخلو من خوف الأذى، وأين آيات الابتلاء والصبر؟

فالجواب: أن المسلمين في الجهاد لا يغلب على ظنهم الانهزام، وعند غلبة الظن بحصول الهزيمة لكونهم أقل من نصف عدد عدوهم فقد رخص لهم الشرع في الانصراف.

والخلاف في استحباب الثبات إن كان فيه نكاية للعدو، فإن لم يكن وجب الانصراف وحرم القتال إجماعًا، نقله ابن جزي عن إمام الحرمين بلا خلاف، وذكر مثله النووي في الروضة.

فإن قيل: الأذى الواقع على البعض منكر خاص، والمنكرات العامة منكر عام، والموازنة تقضي بدفع الضرر العام بتحمل الخاص.

فالجواب: أن هذا تطبيق للقواعد في غير موضعها، وإهمال لكلام أهل العلم الذي سبق في الموازنة بين المنكرات.

وسقوط وجوب الحسبة لحصول المكروه، لا يسقط استحبابها بشرط عدم تعدي الضرر إلى غير المحتسب، وأن يكون للحسبة أثر في رفع المنكر، أو كسر جاه صاحبه، أو تقوية قلوب أهل الدين.

وللحديث بقية -إن شاء الله-.