كتبه/ أشرف فراج
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- المسلم بالمحافظة على عبادته لربه، وأرشده إلى ألا يشق على نفسه بالمبالغة فيها، وحثه على تحقيق التوازن والاعتدال بين حاجات روحه ومتطلبات جسده، فيعطي نفسه حقها في التمتع بالمباحات، ولكن دون اقتراب من فعل الذنوب والمعاصي، والميزان الصحيح الضابط لميزان الاعتدال والتوازن يكون بعرض المسلم نفسه وأفعاله وأقواله على هدي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فإن وافق عمله وحاله ذاك الميزان فهو على خير، وإلا أعاد ترتيب نفسه وأفعاله وفق هدي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فخير الهدي هدي نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- وسنته، وهو القائل -صلى الله عليه وسلم-: (فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي) (متفق عليه).
قال ابن قدامة -رحمه الله-: "وفي اتباع السنة بركة موافقة الشرع، ورضا الرب -سبحانه وتعالى-، ورفع الدرجات، وراحة القلب، ودعة (أمان واستراحة) البدن، وترغيم الشيطان، وسلوك الصراط المستقيم".
الجمع بين حاجات الروح ومتطلبات الحياة (الجسد) يكمن في تحقيق التوازن والاعتدال، حيث إن الإنسان مزيج من الاثنين؛ فالروح تحتاج للعبادة، والذكر، والأخلاق والقيم السامية، بينما الجسد يحتاج للطعام والراحة والسعي في الدنيا، والأمر بالعدل بينهما في هدي النبي محمد -صلى الله عليه وسلم-، كما في قوله: (إِنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَلِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَلِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ) (رواه البخاري)، والآية: (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا) (القصص: 77).
أولًا: مبادئ الجمع والتوازن:
- الإسلام دين الفطرة: جاء الإسلام ليوازن بين مطالب الروح والجسد، فلا يطغى أحدهما على الآخر، بل يكون كل منهما عونًا للآخر، ليحقق الإنسان السعادة في الدنيا والآخرة.
- الاعتراف بالحقوق: إعطاء كل ذي حق حقه من النفس والرب والأهل والعمل، فالحياة ليست كلها عبادة ولا كلها لهو، بل مزيج متوازن.
- العمل الصالح والرزق الحلال: العمل في الدنيا كسبًا للرزق الحلال وخدمة للمجتمع هو جزء من التوازن، والأكل من عمل اليد من أطيب الكسب.
ثانيًا: كيف تحقق التوازن عمليًّا:
- أداء الفرائض والسنن: الصلوات الخمس والزكاة والصيام والذكر، فهي غذاء الروح ومصدر الطمأنينة، مع الحرص على أداء حق النفس من الراحة والمباحات.
- العمل الدنيوي المباح: الانخراط في التجارة أو أي عمل شريف وعدم إغفال طلب الرزق، كما فعل التجار الصالحون الذين لا تلهيهم تجارتهم عن ذكر الله.
- تغذية الروح بالقيم: الأخلاق الفاضلة، الصدق، الأمانة، الرحمة، هذه القيم تجعل الروح قوية، وتجعل من القلب حصنًا منيعًا.
- الراحة والترفيه: إعطاء النفس حقها من الراحة والمباحات، فالجسد يحتاج للراحة حتى تقوى الروح، مع تجنب الإفراط والمحرمات.
- الاستغفار والتوكل: هذه الأمور تمنح القلب قوة وتوازنًا، وتجعله في رضا وسكينة، بغض النظر عن وفرة المال أو قلته.