الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ ياسر برهامي
الأربعاء 27 أغسطس 2025 - 4 ربيع الأول 1447هـ

الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (225) بناء إبراهيم صلى الله عليه وسلم البيت وتأذينه في الناس بالحج (8)

كتبه/ ياسر برهامي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فقال الله -تعالى-: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ . وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ . وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ. لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ . ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) (الحج: 25-29).

قال القرطبي -رحمه الله- في المسألة الأولى في قوله -تعالى-: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ): "أعاد الكلام إلى مشركي العرب حين صدوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم - عن المسجد الحرام عام الحديبية، وذلك أنه لم يعلم لهم صد قبل ذلك الجمع؛ إلا أن يريد صدهم لأفراد من الناس، فقد وقع ذلك في صدر المبعث. (قلتُ: يعني لم يكن أحدٌ من العرب يمنع جموعًا من الناس عن المسجد الحرام، وقد وقع صد أفراد فقط)، والصد: المنع؛ أي: وهم يصدون.

الثانية: والمسجد الحرام قيل: إنه المسجد نفسه، وهو ظاهر القرآن؛ لأنه لم يذكر غيره. وقيل: الحرم كله؛ لأن المشركين صدوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه عنه عام الحديبية، فنزل خارجًا عنه (قلتُ: كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يصلي في الحرم وهو مضطرب في الحل، والحديث صحيح، فهو لم يُمنع عن دخول هذا الجزء من الحرم؛ فلا يصح الاستدلال بأنه مُنِع من الأرض الحرام، وإنما كان قاصدًا الكعبة).

الثالثة: قوله -تعالى-: (الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ) أي: للصلاة والطواف والعبادة، وهو كقوله -تعالى-: (?إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا)، وقوله: (سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ) العاكف: المقيم الملازم. والبادي: أهل البادية ومَن يقدم عليهم. يقول: سواء في تعظيم حرمته وقضاء النسك فيه الحاضر والذي يأتيه من البلاد؛ فليس أهل مكة أحق من النازح إليه. وقيل: إن المساواة إنما هي في دوره، ومنازله، ليس المقيم فيها أولى من الطارئ عليها.

وهذا على أن المسجد الحرام الحرم كلُّه، وهذا قول مجاهد، ومالك؛ رواه عنه ابن القاسم. وروي عن عمر، وابن عباس، وجماعة؛ إلا أن القادم له النزول حيث وجد، وعلى رب المنزل أن يؤويه شاء أو أبى. وقال ذلك سفيان الثوري، وغيره، وكذلك كان الأمر في الصدر الأول، كانت دورهم بغير أبواب حتى كثرت السرقة؛ فاتخذ رجل بابًا فأنكر عليه عمر، وقال: أتغلق بابًا في وجه حاج بيت الله؟ فقال: إنما أردت حفظ متاعهم من السرقة، فتركه، فاتخذ الناس الأبواب.

 وروي عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أيضًا أنه كان يأمر في الموسم بقلع أبواب دور مكة، حتى يدخلها الذي يقدم فينزل حيث شاء، وكانت الفساطيط تضرب في الدور. وروي عن مالك أن الدور ليست كالمسجد، ولأهلها الامتناع منها والاستبداد؛ وهذا هو العمل اليوم. وقال بهذا جمهور من الأمة.

وهذا الخلاف يُبنى على أصلين: أحدهما: أن دور مكة هل هي ملك لأربابها أم للناس. وللخلاف سببان: أحدهما: هل فتح مكة كان عنوة فتكون مغنومة، لكن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يقسمها وأقرها لأهلها ولمن جاء بعدهم؛ كما فعل عمر -رضي الله عنه- بأرض السواد، وعفا لهم عن الخراج كما عفا عن سبيهم واسترقاقهم إحسانًا إليهم دون سائر الكفار، فتبقى على ذلك لا تباع ولا تُكْرَى، ومن سبق إلى موضع كان أولى به، وبهذا قال مالك، وأبو حنيفة، والأوزاعي. أو كان فتحها صلحًا -وإليه ذهب الشافعي- فتبقى ديارهم بأيديهم، وفي أملاكهم يتصرفون كيف شاءوا. وروي عن عمر أنه اشترى دار صفوان بن أمية بأربعة آلاف وجعلها سجنًا، وهو أول من حبس في السجن في الإسلام. وقد روي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- حبس في تهمة. وكان طاوس يكره السجن بمكة، ويقول: لا ينبغي لبيت عذاب أن يكون في بيت رحمة.

قلت: الصحيح ما قاله مالك؛ وعليه تدل ظواهر الأخبار الثابتة؛ لأنها فتحت عنوة. (قلتُ: رجَّح ابن القيم في زاد المعاد أن مكة فتحت عنوة من سبعة عشر وجهًا، وهو الصحيح -بلا شك-).

 قال أبو عبيد: ولا نعلم مكة يشبهها شيء من البلاد. وروى الدارقطني عن علقمة بن نضلة قال: توفي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأبو بكر، وعمر -رضي الله عنهما- وما تدعى رباع مكة إلا السوائب؛ من احتاج سكن، ومن استغنى أسكن. وزاد في رواية: وعثمان . وروي أيضًا عن علقمة بن نضلة الكناني قال: كانت تدعى بيوت مكة على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأبي بكر، وعمر -رضي الله عنهما- السوائب، لا تباع؛ من احتاج سكن ومن استغنى أسكن.

وروي أيضًا عن عبد الله بن عمرو عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: إن الله -تعالى- حرم مكة، فحرام بيع رباعها وأكل ثمنها. وقال: من أكل من أجر بيوت مكة شيئا فإنما يأكل نارًا. قال الدارقطني: كذا رواه أبو حنيفة مرفوعًا ووهم فيه، ووهم أيضًا في قوله: عبيد الله بن أبي زياد، وإنما هو ابن أبي زياد القداح، والصحيح أنه موقوف. وأسند الدارقطني أيضًا عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: مكة مناخ لا تباع رباعها ولا تؤاجر بيوتها. (قلتُ: ضعيف).

 وروى أبو داود عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: قلت: يا رسول الله؛ ألا أبني لك بمنى بيتًا أو بناءً يظلك من الشمس؟ فقال: لا، إنما هو مناخ مَن سبق إليه. (قلتُ: ضعيف أيضًا). 

وتمسَّك الشافعي -رضي الله عنه- بقوله -تعالى-: (‌الَّذِينَ ‌أُخْرِجُوا ‌مِنْ ‌دِيارِهِمْ) (الحج: 40)، فأضافها إليهم. وقال: -عليه السلام- يوم الفتح: مَن أغلق بابه فهو آمن ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن" (انتهى باختصارٍ).

وللحديث بقية -إن شاء الله-.