كتبه/ سعيد محمود
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، أن رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- بعَثَ معاذَ بنَ جبلٍ إلى اليمن، فقال: (اتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ) (متفق عليه)، وفي الرواية المطولة: (فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ، وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ).
مجمل الوصية:
أوصى رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- معاذَ بن جبلٍ، لما أرسله إلى اليمن لدعوة أهل الكتاب هناك، فقال: (فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ)؛ أي: أنه ينبغي ألا يأخذَ في الزكاةِ -إذا دخلوا في الإسلام- نفائسَ الأموالِ وأفضلَها عندهم، بل يأخذُ من أواسطِ المالِ؛ حتى تطيبَ نفسُ المزكِّي لذلك. ثم أوصاه رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- بأن يتجنَّبَ الظُّلمَ؛ لِئَلَّا يدعوَ عليه المظلومُ، وفيه تنبيهٌ على المنعِ من جميعِ أنواعِ الظُّلمِ، والعلَّةُ في ذكره عقبَ المنعِ من أخذِ الكرائمِ الإشارةُ إلى أن أخذَها ظلمٌ، ثم بيَّنَ له رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- خطرَ دعوةِ المظلومِ بقوله: (فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ)، يعني: إنها مسموعةٌ مستجابةٌ لا تُرَدُّ.
صور من الظلم:
1- التطاولُ على أموالِ اليتامى والضعفاء. 2- التَّعدِّي على حقوقِ الغيرِ، أو التسويفُ والتأخيرُ في قضاءِ الدينِ مع القدرة. 3- حرمانُ المرأةِ من حقِّها في الميراثِ من أبيها أو زوجِها أو مُورِّثِها أيًّا كان، أو المماطلةُ في ذلك. 4- ظلمُ الأجراءِ والمستخدَمين من عمَّالٍ ونحوهم ببخسِهم حقوقَهم، أو تأخيرِها عن أوقاتها، أو تغييرِ الاتفاقِ المُبرَمِ معهم، أو إهانتهم بقولٍ أو فعل. 5- الأذى الجسديُّ أو اللفظيُّ أو النفسيُّ للغير. 6- ظلمُ الزوجةِ بالتَّقتيرِ عليها، أو سوءِ معاملتِها، أو إهانتِها، أو هجرِها، أو تهديدِها، أو عدمِ حسنِ الخُلُقِ معها. 7- الغشُّ والتدليسُ والغبنُ ونحوه في البيعِ والشراءِ.
(مدخل للعنصر التالي): لا يظن أحدٌ أن ظلمَه للعبادِ سيضيعُ ويذهبُ دون حسابٍ ولا عقابٍ: (وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ) (إبراهيم: 42)، بل قد يجعلُ اللهُ له من العقوبةِ العاجلةِ في الدنيا ما يردعه، أو يكونُ به عبرةً للظالمين(1).
عاقبة الظلم والظالمين في الدنيا والآخرة:
أولًا: عقوبة الظالم في الدنيا:
- الظالمُ لا يحبُّه اللهُ -تعالى-، وهو مصروفٌ عن الهدايةِ محرومٌ من الفلاح: قال الله -عز وجل-: (وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ) (آل عمران: 57)، وقال: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (المائدة: 51)، وقال: (إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ) (الأنعام: 21).
- الظالمُ تطارده دعواتُ المظلومين الموعودةُ بالإجابة ليلًا ونهارًا: قال -صلى الله عليه وسلم-: (اتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ فَإِنَّهَا لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ) (متفق عليه)، وقال: (دَعْوَةُ الْمَظْلُومِ مُسْتَجَابَةٌ وَإِنْ كَانَ فَاجِرًا فَفُجُورُهُ عَلَى نَفْسِهِ) (رواه أحمد، وحسَّنه الألباني).
لا تـظـلمـنَّ إذا كـنـتَ مـقـتـدرًا فالظـلـمُ آخـره يأتـيـكَ بالـنـدم
تـنـامُ عينـُكَ والمظـلومُ منتبهٌ يدعو عليكَ وعينُ اللهِ لم تنمِ
صور لمن استعملوا سلاحَ الدعاء في مواجهة الظلمة:
- سعيدُ بن زيدٍ -رضي الله عنه- يدعو على امرأةٍ ظلمته بادِّعائها لجزءٍ من أرضه؛ ففوَّضَ الأمرَ إلى اللهِ تعالى، وقال: (دَعُوهَا وَإِيَّاهَا فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ: (مَنْ أَخَذَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ بِغَيْرِ حَقِّهِ طُوِّقَهُ فِي سَبْعِ أَرَضِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)، اللَّهُمَّ إِنْ كَانَتْ كَاذِبَةً؛ فَأَعْمِ بَصَرَهَا، وَاجْعَلْ قَبْرَهَا فِي دَارِهَا). قال عروةُ: "فرأيتُها عمياءَ تلتمسُ الجدرانَ تقولُ: أصابتْني دعوةُ سعيدِ بن زيدٍ، فبينما هي تمشي في الدارِ مرَّتْ على بئرٍ في الدارِ، فوقعتْ فيها، فكانتْ قبرَها" (متفق عليه).
- بل الأشدُّ أن يتركه اللهُ يزدادُ في ظلمه دون عقوبةٍ زمنًا طويلًا يغترُّ فيه بعمله، ثم فجأةً تنزلُ فوق رأسه المصائبُ والبلايا غير المتوقَّعةٍ، فضلًا عما ينتظره في الآخرةِ؛ قال -تعالى-: (سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ) (الأعراف: 182)، وقال النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ فَإِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ) ثم قرأ: (وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ) (رواه البخاري 4686).
ثانيًا: عقوبة الظالم في الآخرة:
- بيَّنَ الحقُّ -تعالى- أن الحقوقَ إن ضاعتْ في الدنيا، فإنها لا تضيعُ في الآخرةِ، وإن كانتْ كمثقالِ الذرِّ: (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ) (الأنبياء: 47).
- وصفَ اللهُ -تعالى- أحوالَ الظالمين عند الموتِ: (وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ) (الأنعام: 93).
- وقد هدَّدهم الكبيرُ المتعالُ من قبلُ بسوءِ العاقبةِ، وطردِهم من رحمتِه: (وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ) (الشعراء: 227)، وقال: (فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) (المؤمنون: 41).
- فيخرجُ الظالمونَ من قبورِهم في رعبٍ وهلعٍ شديدٍ، قد نسوا كلَّ نعيمٍ في الدنيا، لا يذكرون إلا مشاهدَ ظلمِهم للعبادِ، وما ينتظرونه من العقابِ: (مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ) (إبراهيم: 43).
- وأما في عرصاتِ القيامةِ، فهم في فضيحةٍ بما ظلموا، مطرودونَ من رحمةِ اللهِ: قال -تعالى-: (يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ) (غافر: 52)، وقال: (وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ) (هود: 18)، وقال: (فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ) (الأعراف: 44).
- توعَّدهم القويُّ الجبارُ بأشدِّ ألوانِ العذابِ: (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ) (الزخرف: 65).
- وأما تفاصيلُ العذابِ فقد جاءَ في الكتابِ والسنةِ في كلِّ ظلمٍ عقوبتُه، إما صراحةً أو ضمنًا؛ فراجع عواقبَ الكبائرِ والمعاصي.
خاتمة: خوف الصالحين من الظلم:
- علموا أن حقوقَ العبادِ لا مسامحةَ فيها؛ لأن اللهَ لا بدَّ أن يوفِّيَ أصحابَ الحقوقِ حقوقهم يومَ الدينِ: قال سفيانُ الثوريُّ: "إن لقيتَ اللهَ بسبعين ذنبًا فيما بينك وبينه -تعالى-، أهونُ عليك من أن تلقاه بذنبٍ واحدٍ فيما بينك وبين العبادِ" (العقد الفريد). وكتب إلى عمرَ بن عبد العزيز -رحمه الله- بعضُ عمَّاله يستأذنه في تحصينِ مدينته؛ فكتب إليه: "حصِّنْها بالعدلِ، ونقِّ طرقَها من الظلمِ" (العقد الفريد). وكان شريحٌ القاضي يقول: "سَيَعْلَمُ الظَّالِمُونَ حَقَّ مَنِ انْتَقَصُوا؛ إِنَّ الظَّالِمَ لَيَنْتَظِرُ الْعَقَابَ، وَالْمَظْلُومَ يَنْتَظِرُ النَّصْرَ وَالثَّوَابَ".
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) قال ابنُ القيمِ رحمه الله: "سُبْحَانَ اللَّهِ كَمْ بَكَتْ فِي تَنَعُّمِ الظَّالِمِ عَيْنُ أَرْمَلَةٍ وَاحْتَرَقَتْ كَبِدُ يَتِيمٍ، وَجَرَتْ دَمْعَةُ مِسْكِينٍ (كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ) (المرسلات: 46) (وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ) (ص: 88) مَا ابْيَضَّ لَوْنُ رَغِيفِهِمْ حَتَّى اسْوَدَّ لَوْنُ ضَعِيفِهِمْ، وَمَا سَمِنَتْ أَجْسَامُهُمْ حَتَّى انْتَحَلَتْ أَجْسَامُ مَا اسْتَأْثَرُوا عَلَيْهِ. لَا تَحْتَقِرْ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ فَشَرَرُ قَلْبِهِ مَحْمُولٌ بِعَجِيجِ صَوْتِهِ إِلَى سَقْفِ بَيْتِكَ. وَيْحَكَ نِبَالُ أَدْعِيَتِهِ مُصِيبَةٌ وَإِنْ تَأَخَّرَ الْوَقْتُ قَوْسُهُ قَلْبُهُ الْمَقْرُوحُ، وَوَتَرُهُ سَوَادُ اللَّيْلِ، وَأُسْتَاذُهُ صَاحِبُ: لَأَنْصُرَنَّكَ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ" (بدائع الفوائد).