الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ ياسر برهامي
الأربعاء 27 أغسطس 2025 - 4 ربيع الأول 1447هـ

حرب الرقائق الإلكترونية بين الدول الكبرى

كتبه/ علاء بكر

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فالرقائقُ الإلكترونيةُ هي دوائرُ كهربائيةٌ متكاملةٌ مُصَغَّرَةٌ على قِطْعَةٍ صغيرةٍ جدًّا (شريحةٍ رقيقةٍ) من مادةٍ شبهِ موصلةٍ (مادةٍ نصفِ موصلةٍ)، غالبًا ما تكونُ بلورةً أحاديةً من السيليكونِ النقيِّ، وهو عنصرٌ كيميائيٌّ شائعٌ يوجدُ في الرمالِ، كما تكونُ أيضًا من الجرمانيومِ ولكن بدرجةٍ أقلَّ.

وهذه الرقائقُ الإلكترونيةُ تحتوي على ملايينَ كثيرةٍ من الترانزستوراتِ والدوائرِ الإلكترونيةِ الأخرى التي تَعْمَلُ معًا لأداءِ وظائفَ متعددةٍ؛ مثل: معالجةِ البياناتِ أو تخزينِها أو التحكمِ في العملياتِ والاتصالِ. فالرقائقُ الإلكترونيةُ إذًا عبارةٌ عن شريحةٍ صغيرةٍ من مادةٍ شبهِ موصلةٍ تحتوي على دائرةٍ كهربائيةٍ مدمجةٍ تَتَضَمَّنُ الملايينَ من المكوناتِ الإلكترونيةِ المجهريةِ تُسَمَّى ترانزستوراتٍ تَنْقُلُ إشاراتِ البياناتِ.

ويَتَطَلَّبُ تصنيعُ تلك الرقائقِ الإلكترونيةِ مصانعَ خاصةً. وتَبْدَأُ عمليةُ الإنتاجِ بتقطيعِ ألواحِ الموادِ إلى شرائحَ رقيقةٍ، ثم تُضَافُ العناصرُ الإلكترونيةُ على سطحِ الشريحةِ باستخدامِ تقنيةِ الطباعةِ بالضوءِ، وتُرْبَطُ هذه العناصرُ معًا باستخدامِ الأسلاكِ الرفيعةِ لإنشاءِ الدوائرِ الإلكترونيةِ.

وتَشْمَلُ قائمةُ الدولِ التي تَصْنَعُ تلك الرقائقَ الإلكترونيةَ كلًّا من اليابانِ، والولاياتِ المتحدةِ الأمريكيةِ، وتايوانَ، وروسيا (جمهوريةِ روسيا الاتحاديةِ)، وألمانيا، والمملكةِ المتحدةِ. أمَّا في العالمِ العربيِّ، فتَقُومُ الإماراتُ العربيةُ المتحدةُ بتصنيعِ هذه الرقائقِ.

وتُعَدُّ الرقائقُ الإلكترونيةُ مكوِّنًا أساسيًّا لا غنى عنه للنموِّ الاقتصاديِّ والأمنِ والابتكارِ التكنولوجيِّ؛ هذا على الرغمِ من كونِها أصغرَ حجمًا من طابعِ البريدِ وأرقَّ بكثيرٍ من شعرةِ الإنسانِ.

وللأهميةِ الاقتصاديةِ الكبرى لهذه الصناعةِ، فقد اتَّخَذَتْ مصرُ عدةَ خطواتٍ في هذا المجالِ من خلالِ إنشاءِ المجلسِ الوطنيِّ لبناءِ وتوطينِ تكنولوجيا صناعةِ الرقائقِ الإلكترونيةِ والخلايا الشمسيةِ في عامِ 2024م.

وقد بَلَغَتْ قيمةُ صناعةِ الرقائقِ وأشباهِ الموصلاتِ عالميًّا في عامِ 2023 نحوَ 550 مليارَ دولارٍ، ومن المتوقَّعِ أنْ تَتَضاعَفَ تلك القيمةُ بحلولِ عامِ 2030م، وتَسِيطَرَ بقوةٍ على الاقتصادِ العالميِّ، بما يَجْعَلُها من أكبرِ الصناعاتِ في العالمِ، بمنزلةٍ تَعْدِلُ إمداداتِ النفطِ في العالمِ؛ إذْ يُمْكِنُ لمن يَسِيطَرُ على تصنيعِ تلك الرقائقِ إضعافُ القوَّتَيْنِ العسكريةِ والاقتصاديةِ للدولِ الأخرى، كما تُسْهِمُ تلك الصناعةُ في توظيفِ الملايينِ من الأشخاصِ ورفعِ الناتجِ المحليِّ الإجماليِّ للدولِ.

ورغمَ صِغَرِ الرقائقِ الإلكترونيةِ، فإنَّها تَدْخُلُ في تركيبِ معظمِ الصناعاتِ المتطورةِ، من الهواتفِ الذكيةِ وأجهزةِ الكمبيوترِ وبعضِ الأجهزةِ الطبيةِ كأجهزةِ تنظيمِ ضرباتِ القلبِ، كما تَدْخُلُ في المركباتِ الإلكترونيةِ والإنترنتِ، والطائراتِ الفائقةِ السرعةِ، وأنظمةِ الرادارِ، والأسلحةِ المتطورةِ والصواريخِ والدباباتِ وتحديدِ المواقعِ والتوجيهِ البصريِّ، وتشفيرِ الإشاراتِ وفكِّ تشفيرِها، والخدماتِ اللوجستيةِ، إلى جانبِ تقنياتِ الذكاءِ الاصطناعيِّ والحوسبةِ الحكوميةِ والاتصالاتِ اللاسلكيةِ المتقدمةِ، لاسيما شبكةِ الجيلِ الخامسِ، إلى جانبِ دورِها في الحروبِ الرقميةِ التي تَسْتَهْدِفُ اختراقَ البنيةِ التحتيةِ للخصومِ وأنظمةِ تشغيلِها.

وتُعَدُّ صناعةُ الرقائقِ الإلكترونيةِ من الصناعاتِ ذاتِ التكلفةِ المرتفعةِ، حيث يَتَكَلَّفُ إنشاءُ مصنعٍ لها ملياراتَ الدولاراتِ، ويَسْتَغْرِقُ بناؤُه سنواتٍ، ويَحْتَاجُ إلى تشغيلِه بشكلٍ ثابتٍ دائمًا طوال ساعات اليوم الأربع والعشرين كلها لتحقيقِ الأرباحِ الطائلةِ من ورائِه.

وتَسْتَحْوِذُ تايوانُ على ما يَقْرُبُ من 65% من سوقِ صناعةِ أشباهِ الموصلاتِ العالميةِ في عامِ 2023م، وتَسِيطَرُ شركةُ (تي أس أم سي) على حوالي 55% من سوقِ المسابكِ العالميةِ، مما عَزَّزَ مكانةَ تايوانَ بلا منازعٍ في أشباهِ الموصلاتِ.

ويَبْلُغُ معدلُ الاكتفاءِ الذاتيِّ في الصينِ في أشباهِ الموصلاتِ نسبةَ 16% في عامِ 2023، ومع تصاعدِ التوتراتِ والقيودِ الأجنبيةِ، تَسْعَى الصينُ إلى زيادةِ الإنتاجِ المحليِّ، حيث تَهْدِفُ الصينُ إلى مضاعفةِ معدلِ الاكتفاءِ الذاتيِّ إلى 70% بحلولِ عامِ 2030.

وقد بَلَغَتْ قيمةُ وارداتِ الصينِ من أشباهِ الموصلاتِ 350 مليارَ دولارٍ في عامِ 2022، وهو رقمٌ مذهلٌ يَدُلُّ على مدى اعتمادِ الصينِ على تكنولوجيا الرقائقِ الإلكترونيةِ الأجنبيةِ.

أمَّا كوريا الجنوبيةُ، فتَسْتَحْوِذُ على 20% من حصةِ سوقِ صناعةِ أشباهِ الموصلاتِ العالميةِ في عامِ 2023، مما يَجْعَلُها أيضًا قوةً عظمى في صناعةِ أشباهِ الموصلاتِ.

أمَّا الولاياتُ المتحدةُ الأمريكيةُ، فتُنْتِجُ نحوَ 10% من الرقائقِ العالميةِ، لكنَّها لا تُنْتِجُ الرقائقَ الأكثرَ تقدمًا. بينما تَأْتي ألمانيا في المرتبةِ الثانيةِ بعدَ الولاياتِ المتحدةِ الأمريكيةِ من حيثِ الاستثمارِ الأجنبيِّ المباشرِ في أشباهِ الموصلاتِ.

ويَشْهَدُ العالمُ حاليًّا حربًا عالميةً تجاريةً شديدةً تُثيرُها صناعةُ أشباهِ الموصلاتِ، خاصةً بعدَ جائحةِ فيروسِ كورونا وحالةِ التضخمِ العالميِّ الحاليةِ. وتَأْتي الولاياتُ المتحدةُ الأمريكيةُ والصينُ في مقدِّمةِ أطرافِ تلك الحربِ العالميةِ، إلى جانبِ اليابانِ وتايوانَ وكوريا الجنوبيةِ؛ سواءٌ فيما يَتَعَلَّقُ بتصميمِ التقنياتِ والمعداتِ وحقوقِها الفكريةِ، أو على مستوى تصنيعِ الرقائقِ الإلكترونيةِ، بالإضافةِ إلى الشركاتِ المتخصصةِ في تصنيعِ الرقائقِ الإلكترونيةِ والتي تُعْرَفُ تقنيًّا باسمِ (المسابكِ)، وهي التي تَتَوَلَّى تصنيعَ الرقائقِ الإلكترونيةِ وإنتاجَها، لكن دونَ أنْ تكونَ مالكةً لحقوقِ تصميماتِها، وتُعَدُّ بمنزلةِ مصادرَ خارجيةٍ لإنتاجِ الرقائقِ، وتَتَرَكَّزُ هذه الشركاتُ المتخصصةُ في قارةِ آسيا، حيث تُمَثِّلُ تايوانُ والصينُ وكوريا الجنوبيةُ ما يَقْرُبُ من 87% من سوقِ تلك المسابكِ على مستوى العالمِ.

وقد كانتِ الولاياتُ المتحدةُ حتى وقتٍ قريبٍ تُعَدُّ الأولى في تصميمِ وتصنيعِ أسرعِ الرقائقِ الإلكترونيةِ، ولكنْ تَفَلَّتَتْ من بينِ يدَيْها المكوناتُ الرئيسيةُ لهذه الصناعةِ، وقد ظَهَرَتْ قوى أخرى عالميةٌ في هذا المجالِ؛ من أبرزِها: الصينُ التي تُعْطي صناعةَ أشباهِ الموصلاتِ الأولويةَ.

ونظرًا لاعتمادِ جميعِ أنظمةِ ومنصاتِ الدفاعِ الأمريكيةِ في أدائِها على أشباهِ الموصلاتِ، فإنَّ أيَّ تراجعٍ في قدراتِ أمريكا في هذه الصناعةِ، أو لَحَاقَ أحدِ المنافسينَ -خاصةً الصينَ- بالمستوى التقنيِّ الأمريكيِّ، يُشَكِّلُ تهديدًا مباشرًا للقدراتِ العسكريةِ الأمريكيةِ؛ ولهذا فتُحَاوِلُ الولاياتُ المتحدةُ الحفاظَ على ريادتِها التكنولوجيةِ في هذا المجالِ، بينما تُكَافِحُ الصينُ لتحقيقِ الاكتفاءِ الذاتيِّ فيه.

وقد أعلنَتْ أمريكا في عامِ 2022 عن إقامةِ تحالفٍ مع اليابانِ وهولندا لتقييدِ تصديرِ بعضِ آلاتِ إنتاجِ الرقائقِ الإلكترونيةِ المتقدمةِ إلى الصينَ لتقويضِ القدراتِ التكنولوجيةِ المتقدمةِ في الصينَ، والتي تَقُومُ الصينُ بتوظيفِها في مجالِ الذكاءِ الصناعيِّ وفي التطورِ التكنولوجيِّ. بينما أنشأتِ الصينُ لتحقيقِ الاكتفاءِ الذاتيِّ ائتلافًا تجاريًّا من الشركاتِ والمعاهدِ البحثيةِ، من أبرزِها الأكاديميةُ الصينيةُ للعلومِ، لتعزيزِ الإنتاجِ الصينيِّ المحليِّ من أشباهِ الموصلاتِ وإنشاءِ ملكيةٍ فكريةٍ جديدةٍ لها، مع زيادةِ دعمِ جهودِها في تصميمِ رقائقِ أشباهِ الموصلاتِ.

موقف تايوان من حرب الرقائق الإلكترونية:

تُنْتِجُ تايوانُ (وعاصمتُها تايبيه) غالبيةَ أشباهِ الموصلاتِ والرقائقِ المتقدمةِ من خلالِ شركةِ تايوانَ لصناعةِ أشباهِ الموصلاتِ المعروفةِ باسمِ (درعِ السيليكونِ لتايوانَ)، حيث تَسِيطَرُ على نحو 53% من سوقِ إنتاجِ أشباهِ الموصلاتِ العالميِّ، وتُوَفِّرُ نحو 92% من الرقائقِ المتقدمةِ المستخدمةِ في الإلكترونياتِ الحديثةِ، مما جَعَلَها في عدادِ الشركاتِ الأكثرِ ربحيةً في العالمِ. وتَعْتَمِدُ الصينُ بشكلٍ كبيرٍ على التكنولوجيا التايوانيةِ لتشغيلِ الصناعاتِ الرئيسيةِ في الصينِ، وعلى الرغمِ من تقدمِ الصينِ في الخوارزمياتِ والبرامجِ وفي الأسواقِ، لكنْ ما زالتْ تَحْتَاجُ صناعتُها إلى رقائقِ الحاسوبِ العاليةِ الأداءِ التي لا تَمْلِكُها.

وقد تَرَتَّبَ على هذه الأوضاعِ صراعٌ صينيٌّ أمريكيٌّ حولَ تايوانَ، حيث تَسْعَى الصينُ إلى ضمِّ تايوانَ ولو بغزوِها، بينما تُعَارِضُ أمريكا ذلك وتَرْفُضُه بشدةٍ، خاصةً أنَّ إعادةَ توحيدِ الصينِ وتايوانَ وخضوعَ مصانعِ تايوانَ تحتَ السيطرةِ الصينيةِ سَيَمْنَحُ الصينَ الاحتكارَ الفعليَّ لأكثرِ صناعاتِ الرقائقِ في العالمِ تقدمًا، بما يَجْبُرُ أمريكا وقتَها على البحثِ عن مصادرَ بديلةٍ، وهو أمرٌ قد يَسْتَغْرِقُ منها سنواتٍ عديدةً، وسَيُنْفَقُ عليه عشراتُ الملياراتِ من الدولاراتِ، تكونُ خلالَها أمريكا قد تَرَاجَعَتْ إلى المكانةِ الثانيةِ تكنولوجيًّا.

وتُعَاني تايوانُ من الضوابطِ والقيودِ الأخيرةِ التي وَضَعَتْها الأمريكيةُ على صناعةِ الرقائقِ الإلكترونيةِ، والتي قد تُؤَدِّي إلى إنشاءِ صناعةٍ أمريكيةٍ لأشباهِ الموصلاتِ قادرةٍ على إنتاجِ شرائحَ متناهيةِ الصغرِ، تُقَلِّلُ مستقبلًا من اعتمادِ أمريكا على تايوانَ في هذا المجالِ؛ كما تُعَاني تايوانُ من ضغطِ صناعةِ الرقائقِ على مواردِ البلادِ من الطاقةِ والمياهِ، مما يُؤَثِّرُ على قدرتِها ومرونتِها في مواجهةِ التحدياتِ والتهديداتِ الخارجيةِ؛ فمثلًا: تَسْتَوْرِدُ تايوانُ -لافتقارِها إلى الاستثماراتِ الزراعيةِ في مجالِ الزراعةِ والغذاءِ- أكثرَ من 70% من منتجاتِها الغذائيةِ من الخارجِ، مما يُهَدِّدُها، خاصةً حالَ الحصارِ من الصينِ لفتراتٍ طويلةٍ تَحْرِمُها من الوارداتِ، بالتعرضِ لأزمةٍ واسعةٍ تَتَعَلَّقُ بندرةِ الغذاءِ فيها.

موقف الولايات المتحدة من حرب الرقائق:

قامَتِ الولاياتُ المتحدةُ الأمريكيةُ بتقديمِ إعفاءاتٍ ضريبيةٍ وحوافزَ لمصانعِ إنتاجِ الرقائقِ الإلكترونيةِ في أمريكا، مع وَضْعِ قواعدَ لتقييدِ بيعِ الشركاتِ الأمريكيةِ للرقائقِ الإلكترونيةِ المتقدمةِ التي تُسْتَخْدَمُ في تطويرِ الحوسبةِ الفائقةِ والذكاءِ الصناعيِّ للشركاتِ الصينيةِ، كما مَنَعَتْ كذلك المواطنينَ الأمريكيينَ وحاملي بطاقةِ الإقامةِ الخضراءِ من العملِ في شركاتٍ صينيةٍ تَعْمَلُ في هذا المجالِ، بالإضافةِ إلى توقيعِ عقوباتٍ أمريكيةٍ من قبلِ على شركةِ (هواوي) الصينيةِ في عامِ 2019.

وقد سَعَتِ الولاياتُ المتحدةُ الأمريكيةُ إلى تحويلِ الضوابطِ والقيودِ الأحاديةِ التي تَتَّخِذُها تجاهَ الصينِ إلى ضوابطَ متعددةِ الأطرافِ من خلالِ إشراكِ أكبرِ دولِ العالمِ المنتجةِ لأشباهِ الموصلاتِ، وهي اليابانُ وهولندا اللتان تَمْتَلِكانِ تكنولوجيا تصميمِ وإنتاجِ الرقائقِ الإلكترونيةِ، وتَنْفَرِدُ هولندا بأنَّ لديها إحدى الشركاتِ الرئيسيةَ في العالمِ التي تَصْنَعُ آلاتَ تصنيعِ الرقائقِ المتطورةِ، وتَبيعُ آلاتَ الطباعةِ الحجريةِ للأشعةِ فوقَ البنفسجيةِ المتطرفةِ بقيمةِ 200 مليونَ دولارٍ لمصنِّعي أشباهِ الموصلاتِ، وتُعَدُّ الصينُ أحدَ أكبرِ عملائِها؛ هذا بالإضافةِ إلى أنَّ كوريا الجنوبيةَ تَمْتَلِكُ خطوطَ إنتاجِ الرقائقِ، وتَشْتَرِكُ دولُ هذا التحالفِ جميعُها في تخوُّفِها من تطورِ الصينِ في هذه الصناعةِ، فيُمْكِنُ من خلالِ هذا التحالفِ مع الولاياتِ المتحدةِ ضدَّ الصينِ إعادةُ هيكلةِ سلسلةِ التوريداتِ العالميةِ لأشباهِ الموصلاتِ بحيث تُقَلِّلُ من الاعتمادِ على الصينِ عن طريقِ تنويعِ قدراتِها التصنيعيةِ جغرافيًّا بعيدًا عن الصينِ، مع حمايةِ الملكيةِ الفكريةِ لشركاتِ هذه الدولِ، والتنسيقِ فيما بينَها حولَ ضوابطَ وقيودٍ محددةٍ على الصادراتِ إلى الصينِ.

وقد انْقَسَمَتْ آراءُ المحللينَ حولَ جدوى ومدى فاعليةِ هذا التحالفِ بقيادةِ أمريكا، فأكَّدَتْ تحليلاتٌ أنَّ إشراكَ هؤلاء الحلفاءِ سَيُسْهِمُ في إيجادِ منافعَ متميزةٍ للولاياتِ المتحدةِ؛ منها:

- تقليلُ القدراتِ التكنولوجيةِ المتقدمةِ للصينِ بتعطيلِ قدرتِها على الوصولِ إلى التكنولوجيا المتقدمةِ أو الخبرةِ اللازمةِ لصنعِ الأنواعِ الأكثرِ تقدمًا من أشباهِ الموصلاتِ.

- عَزْلُ الصينِ عن سوقِ تصنيعِ الرقائقِ الإلكترونيةِ، ويَحْرِمُ هذا الصينَ من الوصولِ على وجهِ الخصوصِ إلى آلاتِ الطباعةِ المهمةِ لتصنيعِ تلك الرقائقِ، حيث تَمْتَلِكُ هولندا -أحدُ أفرادِ التحالفِ مع الولاياتِ المتحدةِ- إحدى الشركاتِ الرئيسيةَ في العالمِ التي تَصْنَعُ آلاتَ تصنيعِ الرقائقِ المتطورةِ، وتَقُومُ ببيعِ آلاتِ الطباعةِ الحجريةِ للأشعةِ فوقَ البنفسجيةِ المتطرفةِ، وتُعَدُّ الصينُ أحدَ أكبرِ عملائِها. ويُؤَدِّي ذلك إلى عَرْقَلَةِ جهودِ الصينِ لتطويرِ صناعاتِها المدنيةِ والعسكريةِ.

- نجاحُ الولاياتِ المتحدةِ الأمريكيةِ في الضغطِ على هولندا لمُجَارَاةِ القواعدِ الأمريكيةِ في منافستِها مع الصينِ.

- وَضْعُ البدايةِ لإيجادِ تحالفٍ لمواجهةِ الصينِ، ومن المتوقَّعِ تَوَسُّعُه ليَصُبَّ في مصلحةِ أمريكا لتقويةِ صناعةِ الرقائقِ في أمريكا والإبقاءِ على الهيمنةِ الغربيةِ لهذه الصناعةِ.

ويرى البعضُ أنَّ هذا التحالفَ لن يَنْجَحَ في خفضِ مبيعاتِ معداتِ الرقائقِ للصينِ لأمورٍ، منها:

- أنَّ هناك إيراداتٍ هائلةً لكلٍّ من هولندا واليابانِ من السوقِ الصينيةِ، ليس من السهلِ التضحيةُ بها من أجلِ خدمةِ إستراتيجيةِ واشنطنَ في التعاملِ مع أزمةِ أشباهِ الموصلاتِ؛ فهناك علاقاتٌ اقتصاديةٌ كثيفةٌ مع الصينِ، تَجْعَلُ الدولَ المستفيدةَ منها حذرةً في تنفيذِ السياساتِ التي تَقْيِدُ شركاتِها في مجالِ تصديرِ الرقائقِ الإلكترونيةِ، حيث سَتَخْسَرُ الشركاتُ اليابانية والهولنديةُ ملياراتَ الدولاراتِ عندَ توقُّفِ تعاملِها مع الصينِ؛ فعلى سبيلِ المثالِ: تَصِلُ شركةُ (طوكيو إلكترون) إلى نحو 25% من عائداتِها من صادراتِها إلى الصينِ، كما تَبْلُغُ إيراداتُ شركةِ (أي إس إم إل) نحو 14% من الصينِ، مما دَعَا الشركةَ إلى إعلانِ أنَّ دخولَ الاتفاقِ مع واشنطنَ حيِّزَ التنفيذِ سَيَسْتَغْرِقُ وقتًا طويلًا.

- كما أنَّ كوريا الجنوبيةَ قد تَتَخَوَّفُ من الإجراءاتِ الانتقاميةِ المحتملةِ من جانبِ الصينِ بسببِ تحالفِها مع الصينِ، نظرًا لكونِ كوريا الجنوبيةِ تَعْتَمِدُ على الموادِ الخامِ التي تَسْتَوْرِدُها من الصينِ لإنتاجِ الرقائقِ.

- وجودُ تباينِ المواقفِ وتوترِ العلاقاتِ بين الشركاءِ في التحالفِ، كتوترِ كوريا الجنوبيةِ مع اليابانِ بسببِ خلفيةِ اليابانِ التاريخيةِ الاستعماريةِ، وكالمخاوفِ التنافسيةِ بين الشركاتِ التايوانيةِ وكوريا الجنوبيةِ التي تَتَعَارَضُ مع المشاركةِ.

وعلى هذا، فمن الصعبِ مقدَّمًا تحديدُ من سَيَكُونُ الفائزُ في حربِ الرقائقِ الإلكترونيةِ، لأنَّ ذلك يَتَوَقَّفُ على أمورٍ، منها:

- كيفيةُ استجابةِ وردِّ فعلِ الصينِ للتصعيدِ الأمريكيِّ الذي تُمَارِسُه الولاياتُ المتحدةُ ضِدَّها. خاصةً أنَّ حظرَ الرقائقِ الإلكترونيةِ على الصينِ يُعَدُّ تسييسًا لقضايا التكنولوجيا في الوقتِ الذي تُمَثِّلُ الصينُ سوقًا كبيرًا لتصديرِ الرقائقِ الأمريكيةِ، فأكثرُ من 60% من عائداتِ شركاتِ الرقائقِ الأمريكيةِ تَأْتي من التصديرِ للصينِ، بالإضافةِ إلى تأثرِ الحظرِ الأمريكيِّ من ارتفاعِ أسعارِ العديدِ من السلعِ الاستهلاكيةِ الصينيةِ التي تُصَدَّرُ للأسواقِ الأمريكيةِ. وقد شَهِدَتْ صناعةُ الرقائقِ الإلكترونيةِ ركودًا حادًّا بسببِ تطبيقِ الولاياتِ المتحدةِ لضوابطِها وقيودِها، حيث انْخَفَضَ الطلبُ على تلك التقنياتِ.

- مدى التعاونِ والتنسيقِ بين الولاياتِ المتحدةِ وحلفائِها.

- مدى ما تُعَاني منه الصينُ من نَقْصٍ في المواهبِ التقنيةِ والبحوثِ الأساسيةِ، فضلًا عن أنَّ صانعي المعداتِ في الصينِ مُتَأَخِّرونَ نحوَ خمسِ سنواتٍ عن نُظَرائِهم في الخارجِ.

- استهلاكُ الصينِ أكثرَ من ثلاثةِ أرباعِ أشباهِ الموصلاتِ المباعةِ على مستوى العالمِ، لكنَّها تُنْتِجُ نحوَ 15% فقط من الإنتاجِ العالميِّ.

- مدى قدرةِ الصينِ على مضاعفةِ جهودِها لِرَعْيَةِ شركاتِها المحليةِ القويةِ.

- احتماليةُ قيامِ الدولِ الآسيويةِ بتشكيلِ تحالفِ أشباهِ الموصلاتِ الآسيويِّ لضمانِ الإمدادِ المحليِّ مع الاتجاهِ نحو التكاملِ الإقليميِّ فيما بينَها وزيادةِ التنميةِ، خاصةً أنَّ سوقَ أشباهِ الموصلاتِ في آسيا والمحيطِ الهادئِ يَنْمُو بسرعةٍ كبيرةٍ مدفوعًا بعدةِ عواملَ، منها: الدعمُ من الحكوماتِ وحجمُ السوقِ الكبيرِ وزيادةُ المدخلاتِ البحثيةِ، مما قد يُؤَثِّرُ أو يُقَوِّضُ من فرصِ الولاياتِ المتحدةِ على المدى البعيدِ.

من مخاطرِ تفاقمِ حربِ الرقائقِ الإلكترونيةِ:

يَرَى بعضُ الخبراءِ: أنَّ تفاقمَ حربِ الرقائقِ الإلكترونيةِ سَيَكُونُ له تأثيرٌ سلبيٌّ على الاقتصادَيْنِ الأمريكيِّ والصينيِّ معًا، لأنَّها قد تُؤَدِّي إلى النقصِ في الرقائقِ من خلالِ الضغوطِ على أنحاءِ السلسلةِ الصناعيةِ العالميةِ. فقد شَهِدَ قطاعُ التكنولوجيا العالميِّ أزمةَ نقصِ الرقائقِ التي أَجْبَرَتْ على ذلك في مواجهةِ التضخمِ العالميِّ المتفاقمِ، وستَزْدادُ خطورةُ الوضعِ مع احتماليةِ قيامِ الصينِ ببناءِ سلسلةِ توريدٍ خاصةٍ دونَ الولاياتِ المتحدةِ؛ مما يَتَسَبَّبُ في انقسامِ صناعةِ الرقائقِ إلى بيئتَيْنِ: إحداهما محورُها الصينُ والأخرى محورُها بقيةُ العالمِ، مما يَجْبُرُ دولَ العالمِ على اختيارِ أحدِ الطرفَيْنِ، مما قد يَمْنَعُ الكثيرَ منهم من الوصولِ إلى السوقِ الصينيةِ، بما قد يُؤَثِّرُ بالسلبِ على قطاعاتٍ صناعيةٍ أخرى كالسياراتِ والإلكترونياتِ الاستهلاكيةِ؛ مما يَنْعَكِسُ بدورِه أيضًا على سلاسلِ التوريدِ العالميةِ الخاصةِ بالرقائقِ الإلكترونيةِ.