هاجس أنسنة التراث.. وسلوك حزب النور
كتبه/ شحات رجب البقوشي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فأنسنةُ التراثِ شعارٌ ليبراليٌّ، يُستخدمُ لتأكيدِ المنطلقِ الأساسيِّ لليبراليةِ؛ ألا وهو: فصلُ الدينِ عن الحياةِ.
والليبراليونَ ودعاةُ الحداثةِ يَتَشَدَّقونَ بهذا المصطلحِ: "أنسنةُ التراثِ"؛ الذي نَحَتَه "أركونُ" مُقَلِّدًا فيه الغربَ، يَعْنونَ به أنَّ التراثَ المتمثلَ في الفقهِ والتفسيرِ والتاريخِ، هو من صُنْعِ البشرِ، ونتيجةٌ لتفاعلِ أفرادِ المجتمعِ؛ فيجبُ تجريدُه من أيِّ قداسةٍ ونفيُ العصمةِ عنه!
وحُجَّتُهم: أنَّ التراثَ كُتِبَ تحتَ تأثيرِ النفعيةِ، والسعيِ للسيطرةِ والهيمنةِ والسلطةِ، وليس للدينِ والأخلاقِ دَخْلٌ في تشكيلِه، وإنِ اتَّخَذَ من الظاهرةِ الروحيةِ والدينيةِ مِظَلَّةً له ليَكْسِبَ سلطةً على الأتباعِ؛ فهي محاولةٌ لقراءةِ التراثِ في ظلِّ علومِ الاجتماعِ والسياسةِ والاقتصادِ، وتحييدِ الدينِ والقيمِ والأخلاقِ، فيَحْاولونَ تضخيمَ أيِّ خلافٍ تَمَّ في تاريخِ الأمَّةِ وتفسيرَه تفسيراتٍ براجماتيةً نفعيةً، وبعدَ هذا التضخيمِ يَتَساءَلونَ: أين كان الدينُ والقيمُ والأخلاقُ في هذا الصراعِ؟ سؤالٌ غرضُه تهميشُ الدينِ وبيانُ أنَّه غيرُ حاكمٍ للمجتمعِ، وليس له تأثيرٌ على سلوكِ الإنسانِ.
والردودُ على فكرةِ الأنسنةِ كثيرةٌ، لكنَّنا هنا أمامَ ردٍّ عمليٍّ واضحٍ وضوحَ الشمسِ، لاحظتُه في سلوكِ حزبِ النورِ -قياداتٍ وأعضاءَ- بعدَ حصولِ الحزبِ على النتيجةِ (صفرٍ) في انتخاباتِ مجلسِ الشيوخِ 2025م: إذ لم يَقِفِ الحزبُ طويلًا أمامَ أسبابِ هذه النتيجةِ، إنَّما كانتْ وقفتُه مع السلوكِ الذي يجبُ اتِّباعُه معها، فضَرَبَ بهذا السلوكِ نظريةَ النفعيةِ في مَقْتَلٍ، إذْ أدارَ الحزبُ هزيمتَه -إنْ جازَ التعبيرُ- بمنطلقٍ شرعيٍّ يَصُونُ فيه حَقَّ الوطنِ، ويحافظ فيه على مؤسَّساتِ الدولةِ، ويُوَجِّهُ فيه جمهورَه للهدوءِ وعدمِ ردودِ الأفعالِ المتشنِّجةِ، والالتفاتِ إلى طريقةٍ أخرى لخدمةِ الوطنِ، ولم يَتَّخِذوا من هذه الهزيمةِ كربلائيةً يُؤَجِّجونَ بها المشاعرَ، ويَلْعَبونَ دورَ الضحيةِ على حسابِ استقرارِ البلادِ وأمنِها.
كان هذا السلوكُ المتَّزنُ وغير المتوقع من بعضِ المراقبينَ له، إنَّما انطلقَ من منطلقٍ دينيٍّ في المقامِ الأولِ، وتطبيقٌ لقواعدِ السياسةِ الشرعيةِ، فظَهَرَ في موقفٍ عمليٍّ دورُ الدينِ في صناعةِ الحدثِ السياسيِّ، وأَثَرُ الدينِ على السلوكِ الإنسانيِّ.
هذا سلوكٌ متَّزنٌ من فصيلٍ معاصرٍ؛ فما بالُك بسلوكِ أصحابِ القرونِ الأولى التي وُصِفَتْ بالخيريةِ؟!
لا بدَّ أنَّه كان أكثرَ اتزانًا، ليَدْرُكَ دعاةُ "الأنسنةِ" أنَّ قراءتَهم للتراثِ بهذه النظارةِ قراءةٌ خاطئةٌ، وسعيَهم لفصلِ الدينِ عن الحياةِ بشكلٍ عامٍّ "والسياسةِ بشكلٍ خاصٍّ" هو سعيٌ باطلٌ، فالسياسةُ من الدينِ، والشرعُ حاكمٌ للسلوكِ الإنسانيِّ، وليس النفعيةُ -كما يَدَّعونَ!-.