كتبه/ محمد صادق
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فالأزمات سنة من سنن الحياة، تمر بالأفراد والجماعات، بالبيوت والمؤسسات، بالدعوات والأمم، لكنها ليست الخطر الأكبر، فالخطر الحقيقي ليس في شدة الأزمة ولا في حجم الخسائر، بل في الأثر النفسي الذي تتركه، وأخطر هذه الآثار: الإحباط.
الإحباط هو شعورٌ داخلي بالعجز وفقدان الجدوى، وكأن كل ما بُني قد انهار، وكل جهدٍ قد تبخر، وهو أخطر من الخسارة المادية؛ لأنه يقتل الإرادة ويوقف العمل، بينما قد تُعوَّض الأموال والمقاعد والمكاسب، لكن إذا ماتت العزيمة، مات المشروع.
لماذا الإحباط بعد الأزمات خطرٌ مضاعف؟
- لأنه يُصيب في لحظة ضعف؛ فبعد الأزمة تكون النفوس مرهقة، والقلوب مجروحة، والعقول مثقلة بالأسئلة، وهنا يسهل أن يتسلل الإحباط فيستقر.
- لأنه يُغلق باب النهوض؛ فقد يسقط الإنسان أو المشروع مرة، لكن يقوم إذا بقي الأمل، أما إذا سيطر الإحباط، فالوقوف يصبح مستحيلًا.
- لأنه يعمي عن الدروس؛ فالأزمة مدرسة، والإحباط يغلق باب التعلم منها، فلا يرى المرء إلا الخسارة ولا يسمع إلا صوت الهزيمة.
- لأنه معدٍ؛ الإحباط ينتقل من فردٍ لآخر بسرعة، فيتحول من شعورٍ شخصي إلى مناخٍ عام يثقل الصف بأكمله.
الدروس الشرعية في مقاومة الإحباط:
- الابتلاء سنة، والثبات عبادة: قال الله -تعالى-: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ) (آل عمران: 142).
قال العلامة السعدي -رحمه الله-: "هذا استفهامٌ إنكاري، أي: لا تظنوا ولا يخطر ببالكم أن تدخلوا الجنة من دون مشقة، واحتمال المكاره في سبيل الله وابتغاء مرضاته، فإن الجنة أعلى المطالب وأفضل ما به يتنافس المتنافسون، وكلما عظم المطلوب عظمت وسيلته، والعمل الموصل إليه، فلا يوصل إلى الراحة إلا بترك الراحة، ولا يدرك النعيم إلا بترك النعيم".
- النبي -صلى الله عليه وسلم- تعرَّض لأزمات أكبر: ففي أُحُد جُرح وجهه وكُسرت رباعيته، وقتل أحب أصحابه، ومع ذلك نهض وأدار الموقف بحكمة ولم يغلق صفحة الجهاد؛ قال -تعالى-: (وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (آل عمران: 139)، نزلت بعد هزيمة أُحُد حين تزلزلت الصفوف واهتزَّت النفوس، فجاءت لتجبر الانكسار وتمنح الأمل، وتؤكد أن العلو الحقيقي بالإيمان لا بالنتائج.
قال العلامة السعدي -رحمه الله-: "(وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا) أي: ولا تهنوا وتضعفوا في أبدانكم، ولا تحزنوا في قلوبكم عندما أصابتكم المصيبة، وابتليتم بهذه البلوى، فإن الحزن في القلوب، والوهن على الأبدان زيادة مصيبة عليكم، وأعون لعدوكم عليكم".
- الثبات بعد الفقد: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ، احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَلَا تَعْجَزْ) (رواه مسلم).
كيف نواجه الإحباط بعد الأزمات؟
- إعادة تعريف الأزمة.. فبدلًا من أن نراها نهاية، نراها فرصةً للتصحيح وإعادة البناء.
- التحرك ولو بخطوة صغيرة.. فالعمل يطرد الإحباط، والجمود يضاعفه.
- إحياء الهمِّ الإيماني: وذلك بذكر الله، والقرآن، والمجالس الصالحة التي تعيد شحن القلب.
- تجديد النية: فنُذكِّر أنفسنا أننا نعمل لله لا للنتائج الظاهرة، وأن الله قد يخبئ لنا ثمارًا في أماكن لا نراها.
- إصلاح الصف من الداخل: فالإحباط يكشف نقاط الضعف، وهي فرصة لتقوية الروابط، وإعادة ترتيب الصفوف.
ختامًا:
- الإحباط بعد الأزمات أخطر من الأزمات نفسها؛ لأنه يوقف المسيرة قبل أن تنتهي الرحلة؛ لذلك علينا أن نراه عدوًّا صامتًا يجب أن نحاربه بالثبات، والعمل، والتجديد الإيماني، وصدق التوكل على الله.
- الأزمات تمر، لكن القلوب التي تتعلق بالله لا تنكسر.
- لن يكون النصر إلا لمن حمل همَّه عاليًا، وثبَّت قدمه، ومضى في طريقه ولو وسط العواصف.