الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ ياسر برهامي
الإثنين 09 مايو 2016 - 2 شعبان 1437هـ

مناقشات في التمذهب (1)

تاريخ التمذهب

كتبه/ عبد المنعم الشحات

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فهذه سلسلة مِن المقالات نتناول فيها قضية التمذهب وعلاقته بأصل الاتباع الذي يمثـِّل واحدًا مِن أهم أصول المنهج السلفي؛ نستعرض فيها الضوابط التي بيَّنها العلماء للجمع بيْن التمذهب كترتيب اتفقت الأمة على إباحته في الجملة، وبيْن ما أجمعت الأمة عليه مِن وجوب اتباع الدليل في قوله -تعالى-: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) (الحشر:7)، وقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) (النساء:59)، وإجماع الأمة الذي حكاه الشافعي -رحمه الله- حيث قال: "وأجمعوا أن مَن استبانت له سُنة النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يكن له أن يدعها لقول أحدٍ مِن الناس كائنًا مَن كان"؛ وبالتالي فعلى طريقة أهل السُّنة والجماعة الذين يجمعون بيْن النصوص فيفسِّرون بعضها على ضوء البعض الآخر.

فمن المعلوم أن التمذهب ترتيبً علميًّ تكونتْ معالمه في الأمة بصورة تراكمية، وبدأ بما يسَّر الله به على عباده بعد أمره باتباع الكتاب والسُّنة مِن تشريع السؤال للعاجز عن النظر فيهما، فقال الله -تعالى-: (فاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) (النحل:43)، وتطورت الأمور وواكبتها الأمة دون خروج عن إطار تعظيم الدليل إلى أن كان ما كان مِن الانحراف، وقيَّض الله مجددين جددوا ما اندثر مِن تعظيم الدليل، ووضعوا ضوابط، وبيَّنوا معالم مِن شأنها لو تم الالتزام بها أن تَمنع مِن إعادة الكرَّة، وقد وجدنا مِن أفضل المواطن المختصرة التي تناولت التمذهب؛ لا سيما مِن زاوية علاقة بأصل الاتباع والحرص على فقه الدليل هذا المبحث للدكتور "بكر أبو زيد" -رحمه الله- والمعنون بـ"تاريخ التمذهب والحث على فقه الدليل، وأَن الانتساب لمذهب يعني الوفاق لا العصبية والشقاق"، وهو المبحث الرابع مِن المدخل الأول مِن كتابه الماتع: "المدخل المفصَّل لمذهب الإمام أحمد وتخريجات الأصحاب"، وهو مِن مداخل المذهب الحنبلي التي لاقتْ قبولاً عند قطاعٍ عريض مِن المهتمين بشأن المذهب الحنبلي.

وفي هذا المبحث تناول الدكتور "بكر أبو زيد" تاريخ التمذهب والمراحل التي مرَّ بها على وجه الإيجاز غير المخل حتى انتهى إلى عصر تجديد فقه الدليل بغير إنكار للتمذهب كآلية جائزة للتعلم والفتيا على يد شيخ الإسلام "ابن تيمية" -رحمه الله- ومدرسته الإصلاحية؛ لا سيما تلميذه "شمس الدين ابن القيم" -رحمه الله-، مرورًا ببعض الجهود في ذات الاتجاه: كجهود الإمام "الخطيب البغدادي" والإمام "ابن عبد البر" -رحمهما الله-.

وبعد أن انتهى مِن استعراض تاريخ التمذهب لخص معالم إحياء فقه الدليل في مدرسة ابن تيمية، وسوف نتناول هذه المقالة "تاريخ التمذهب"، ونتناول في المقالة التالية: "معالم الحث على فقه الدليل عند شيخ الإسلام ابن تيمية".

وسوف نورد نص العلامة "بكر أبو زيد" بتمامه ونبرز بعض العبارات المفتاحية، ونعلق على ما يستحق التعليق في الهامش.

يقول العلامة "بكر أبو زيد" -رحمه الله-: (تاريخ التمذهب والحث على فقه الدليل، وأَن الانتساب لمذهب يعني الوفاق، لا العصبية والشقاق: كان أَمر الناس جاريًا على السَّلامة والسَّداد من الإسلام والسُّنة في صدر هذه الأمة مِن عصر الصحابة- رضي الله عنهم- إلى غاية القرون المشهود لها بالفضل والخيرية؛ الشريعة ظاهرة والسُّنة قائمة، والبدع مقموعة، والأَلسن عن الباطل مكفوفة، والعلماء عاملون، ولعلمهم ناشرون، والعامي يستفتي مَن يثق به وتطمئن إِليه نفسه ممن لقيه مِن علماء المسلمين؛ لم يتخذوا مِن دون الله وَليْجَةَ، ولا إمامًا مِن دون رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ولا كتابًا غير كتاب الله -تعالى-، ولا سنة سوى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهديه، مع كثرة فقهاء الصحابة -رضي الله عنهم-، ومنهم الخلفاء الأَربعة الراشدون، ومع وفرة علماء التابعين، وتابعيهم، وتابعي تابعيهم، وفي العصر الواحد نحو خمسمائة عالم يصلح كل واحد منهم أَن يكون إِمامًا يُتمذهب له، ويُقَلَّدُ في قوله ورأيه، لكن يأَبى الله ورسوله، والمؤمنون أَن يتخذ مَن شهد لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفضل والخيرية إمامًا دون رسول الله صلى الله عليه وسلم ينصبونه حاكمًا على السنة والدَّليل، وينزلونه منزلة النبي المعصوم -صلى الله عليه وسلم-.

وكانت الحال جارية على السَّداد في أَعقاب تلك القرون، وفيها الأَئمة الأَربعة المشهورون؛ جرتْ أَحوالهم في ركاب سلفهم من الصحابة والتابعين وتابعيهم على الخير والهدى، والبِر والتقوى، والعلم ونشره، والفقه وتبليغه، وتنقيح مسائله؛ ولعنايتهم الفائقة وظهور فضلهم، احتوشهم الطلاَّب، وكثر حولهم الأصحاب، وتنافسوا في جمع أقوالهم، وتصنيفها وتأصيلها، والتقعيد لها؛ حتى بلغ أَثَرُ كل منهم مبلغًا، واتُّخِذ مذهبًا، وَصَاحِبَهُ إمامًا، وكان الأصحاب في كَل مذهب مقتصرون على ذلك، ثم أخذ هذا يتقوَّى شيئًا، فشيئًا، حتى تمكنت من النفوس عوامل العصبية، والانتصار والحمية، والتنافس في المذهبية، وَمِن هُنَا انعقدت آصرة التعصب المذهبي، وبلغتْ إلى بلاط الولاة، وقام سوقها في الدروس والِإجازات، وتطوير المذهب بالتخريج إلى إمام الواقعات والمستجدات، فصار أهل السُّنة إلى هذه المذاهب الأَربعة المشهورة، درسًا وتدريسًا، وقراءة وإقراء، وكتابة وتأليفًا، وقضاءً وفتيا، وعلمًا وعملاً، وصار لها مِن القبول والانتشار ما بلغ مبلغ الليل والنهار، وانصرف الناس إِليها كالعنق الواحد؛ فآلَ جُلّ الخليقة مِن المسلمين إلى قسمين اثنين:

القسم الأَول: منتسب إلى ذلك الإمام، اتَّخذه مستدلاً واقتنى كتب مذهبه لمعرفة استدلاله، ثم عرضها على الوحيين الشريفين، فما كان مؤيدًا بالدليل أخذ به، ومَا لاَ فَلاَ، مع الولاء لكل عالم مِن علماء أهل السنة، والاستفادة مِن فقههم، وحسن أثرهم، ودَعَا إلى الوفاق ونبذِ أَسباب الشقاق، وعقد لاختلافهم "مجلس المناظرة والشورى" إلى الأَدلة الشرعية، وفي عُقْدَةِ رأيه: التَّسْلِيْمُ لِلدَّليل، وَلمَا قَامَ على ترجيحه الدليل.

القسم الثاني: متَعَصِّبٌ ذَمِيم أَخْلَدَ إلى حضيض التقليد، ولم يَدْرِ ما يُبدئ في الفقه، وما يعيد، هَجَرَ القرآن، والسُّنة، والقدوة بصاحب هذه الرسالة صلى الله عليه وسلم، وَنَصَبَ إِمَامَهُ غير المعصوم مَحِلَّ النبي المعصوم، فجعله الواسطة بينه، وبين رَبّه، فلا يدين بدليل، ولا تعليل سليم، وجعل: "المتن في المذهب" له قرآنًا، وشُروحه "له سنة وَتِبْيَانًا، فالحق عنده ما قاله، أَو استروحه هو من مذهب إمامه، وإن خالف الدليل، لقد هجر هذا الفريق القرآن، واتخذوه لِلرّقي والسلوان وعدلوا عن السنة وجعلوها للتبرك وقضاء الأَزمان، وأَوجدوا الشقاق! وتشقيق الأمة حتى بلغ الحال إِلى أَن الحنفي المتعصب لا يصلي خلف الشافعي، ولا يزوجه، وأَنه بمنزلة الذمي. وبهذا يظهر فساد قول أَبي الحسن الكرخي مِن الحنفية: "كل آية تخالف ما عليه أَصحابنا فهي مؤولة أو منسوخة، وكل حديث كذلك فهو مؤول أو منسوخ!". وبطلان قول مَن أَبصر أَنوار الدليل فلم تنفتح لها بصيرته لتعصبه المذهبي فقال: "لم أخالفه حيُّا فلا أخالفه ميتًا!". وقول بعضهم: "فلعنة ربنا أعداد رمل ... على مَن رد قول أبي حنيفة!"، وقول قاضي دمشق محمد بن موسى الباساغوني الحنفي. ت سنة (506) هـ: "لو كانِ لي أمر لأَخذتُ الجزية مِن الشافعية!" انتهى مِن ترجمته في "ميزان الاعتدال".

وقول القاضي عياض -رحمه الله تعالى- مع جلالته:

ومالك المرتضى لا شك أَفضلـهم                    إِمام دار الهدى والوحي والسنن

وقول محمد بن إبراهيم البوشنجي -رحمه الله تعالى-:

وإنِّي حياتي شافعي فـإِن أَمت                        فتوصيتي بعدي بأَن يتشفعوا

وقول أبي إسماعيل الأنصَاري الهروي -رحمه الله تعالى-:

أَنا حـنبليٌّ ما حيـيـت واِن أَمـت                      فوصيتي للناس أَن يتحنبلوا(1)

والمنصف يلتزم قول الإمام مالك- رحمه الله تعالى-: "ما منا إلَّا مَن رَدَّ أَوْ رُدَّ عليه إلَّا صاحب هذا القبر" وأَشار إلى قبر النبي -صلى الله عليه وسلم-(2).

وقال الصاوي في "حاشيته على الجلالين" عند قول الله- تعالى-: (وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا . إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ) (الكهف:23-24): "ولا يجوز تقليد ما عدا المذاهب الأَربعة، ولو وافق قول الصحابة، والحديث الصحيح، والآية؛ فالخارج عن المذاهب الأَربعة ضال مضل، وربما أَدَّاه ذلك للكفر؛ لأَن الأَخذ بظواهر الكتاب والسنة مِن أصول الكفر!" انتهى بلفظه.

وهذا القول الشنيع قد نقله شيخنا الأَمين -رحمه الله تعالى- في (أَضواء- البيان:7/437- 463) ورد عليه ردًّا بليغًا، وفَنَّدَه، وأَغلظ على مقالته(3).

فهذا فريق تباعد عن الكتاب والسُّنة؛ فضلَّ الطريق، ومالتْ به العصبية ذات الشمال وذات اليمين -نعوذ بالله مِن صنيعه- وقد عظمت بهم المحنة، واشتدت بهم الأزمة، وكان الناس في أَمر مريج، واضطراب شديد!

مِنْ هُنَا وَقَعَ التجاذب في المسلم بيْن داعيين: داعي الدليل الأَحق، وداعي التقليد الأَعمى الأَصم، وصار مَن الأَبحاث المتولِّدة بعد انقراض القرون الثلاثة المفضلة، وقد قال كلٌ فيه قولاً، وبحث آخر فيه بحثًا، وثالث أَلَّف فيه رسالة، أَو رسالتين ورابع كتب فيه كتاباً، أَو كتابين، وخامس ما ترك مناسبة إلَّا وذكره، كُلّ على مراده ومشربه.

وما زال دولاب التطاحن والتكاثر فيه مستمرًا حتى عصرنا؛ فهو محل سجال، ومعترك نزال، ووقع بسببه مشاحنات، وبغضاء، وتكفير وتبديع، وتفسيق وتضليل، وتقاطع، وتدابر؛ حتى نشبت في بعض الأَصقاع حروب أَبادت الفريقين، وهيشات أُهْدِرت بسببها دِمَاءُ من شاء الله مِن المسلمين، وما زال الأمر كذلك حتى تَطَامَنَتِ الفتنة بقلم الحافظين: حافظ المشرق: الخطيب البغدادي، المتوفـَّى سنة (463 هـ) -رحمه الله تعالى- في كتابه: "الفقيه والمتفقه"، وحافظ المغرب: ابن عبد البر، المتوفى سنة (463 هـ) -رحمه الله تعالى- في كتابه: "جامع بيان العلم وفضله"؛ إِذ حَرَّرا كلمة الفصل بالانتصار لداعي الدليل، والقدح في الدعوة إلى التعصب الذميم، والصدَ عن الدليل، فَلاَح لَدَى المنصفين الحق المبين من الزيْفِ والمَيْنِ، لكن هذه قضية للهوى والحظوظ النفسانية فيها غارة ومدخل، وغاية ومطلب؛ لأَن أمور القضاء، والفتيا، كانت ترْسَمُ على مذهب كذا، والسلطة معهم، فيصعب اقتحام الدعوى عليهم.

لكَن ما شعر الناس إلا وصوت جهير ينطلق مِن الأرض المباركة، من رُبى دمشق الشام، يُعْلِنُ على رؤوس الأَشهاد: فساد التعصب المذهبي، وغلط المقلدة، وتغليط الدعوة إلى سدِّ باب الاجتهاد، وأَن حقيقة ذلك نسخ للشريعة، والصيحة في وجوه دعاة التعصب المذهبي، وأَنه بدعة حادثة بعد القرون الفاضلة، وأَن قول مَن قال بوجوب تقليد فقيه في دين الله لاَ يُخْرَجُ عن قوله إلى الدليل، ولا إلى غيره مِن المجتهدين: ضلال عظيم، وبدعة في المسلمين، وأَن الواجب هو الطواعية لله، ودينه، وشرعه، ورسوله -صلى الله عليه وسلم- لا غير، إلى آخر تلك الحقائق الِإيمانية، والدعوات الشرعية، فقال في ذلك وخطب، وكاتب وكتب، وأَنكر على الفَعَلةِ، واستنكر، ونصح وأَرشد؛ ذلكم هو شيخ الإسلام "أَبو العباس تقي الدِّين أَحمد بن عبد الحليم بن تيمية النميري الحراني ثم الدمشقي"، المولود سنة (661 هـ) والمتوفَّى سنة (728 هـ) -رحمه الله تعالى-؛ فأثرت دعوته الإصلاحية هذه، وهَيَّأَ الله له أعوانًا وتلاميذ، في غرتهم: شمس الدِّين أَبو عبد الله محمد ابن قيم الجوزية، المتوفى سنة (751 هـ) -رحمه الله تعالى- تلميذه، وصاحب التصانيف المفيدة، فكان لهذين الإمامين مِن المباحثات الدقيقة ما تقر به عيون الذين يؤثرون طاعة الله ورسوله، وطاعة أهل العلم والهدى على أهل التعصب والهوى، ثم استمرت هذه المدرسة الأَثرية المباركة، تسير في كل ناحية، ويظهر لها في كل عصر عالم وداعية، حتى أَخذ ظِلُّ هذه المحنة يتقلص، وغشاوته تنجلي، وَآلت الدعوة إلى التقليد، والحَجْرِ على العقول، والصَّدِّ عن الدليل في زاوية يأباها الله ورسوله والمؤمنون، وَمَا يَسْكنُ إِليها إلَّا متجرئ على الِإثم، متحمل آثام من يقلده في بدعته.

هذه إِلمامة مختصرة عما كان عليه أمر الناس، وما حدث بعد مِن التمذهب، ثم انشقاقهم فيه إلى فريقين؛ إلا بقايا مِن أهل العلم كانوا على ما كان عليه الأَئمة الأربعة -رحمهم الله تعالى- حتى عصر الخلفاء الأَربعة -رضي الله عنهم- اكتسبوا، لَقَب: "أَهل الحديث"(4)؛ هذا اللقب المنيف الذي كان مِن قَبْلُ لِشُيُوْخ القرون المفضلة، ثم قيام ورثتهم في القرن الثامن الهجري بإِحياء مآثرهم، ودلالة الناس على مدرستهم، تترسم خُطى النبوة والرسالة، ومدارج الصحابة، وَقَفْوَ التابعين لهم بإحسان في الخُطُوَات الآتية... ) انتهى.

ثم شرع الدكتور "بكر أبو زيد" في ذكر معالم عشرة لمنهج ابن تيمية -رحمه الله- في بيان قضية الاتباع وضبط التمذهب بها نتناولها في المقالة القادمة -باذن الله-.

__________

(1) قال الدكتور "بكر أبو زيد" في الهامش: السِّير للذهبي 18/ 507، والظاهر مِن قول الهروي أنه يريد مِن حيث نصرة السُّنة ومكاسرة الإمام أحمد -رحمه الله- للمبتدعة، فيكون إذن واقعًا موقعه.

(2) يَرد الدكتور "بكر أبو زيد" على هؤلاء المغالين في أئمتهم بأنهم لو أنصفوا لاتبعوا كلام الإمام مالك "ما منا إلَّا مَن رَدَّ أَوْ رُدَّ عليه إلَّا صاحب هذا القبر" وأَشار إلى قبر النبي -صلى الله عليه وسلم-.

(3) ومما قال العلامة "الشنقيطي" في هذا الموضع المشار إليه: "وَاعْلَمْ أَيُّهَا الْمُسْلِمُ الْمُنْصِفُ، أَنَّ مِنْ أَشْنَعِ الْبَاطِلِ وَأَعْظَمِ الْقَوْلِ بِغَيْرِ الْحَقِّ عَلَى اللَّهِ وَكِتَابِهِ وَعَلَى النَّبِيِّ وَسُنَّتِهِ الْمُطَهَّرَةِ، مَا قَالَهُ الشَّيْخُ أَحْمَدُ الصَّاوِيُّ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى الْجَلَالَيْنِ فِي سُورَةِ الْكَهْفِ وَآلِ عِمْرَانَ، وَاغْتَرَّ بِقَوْلِهِ فِي ذَلِكَ خَلْقٌ لَا يُحْصَى مِنَ الْمُتَسَمِّينَ بِاسْمِ طَلَبَةِ الْعِلْمِ; لِكَوْنِهِمْ لَا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ حَقٍّ وَبَاطِلٍ" انتهى.

ولعل في هذا ما يدلك على مدى شيوع هذه الانحرافات؛ ذلك أن البعض قد يظن أن هذه الانحرافات كانت أخطاءً ثانوية ضخَّمها بعض متأخري مدرسة أصحاب الحديث -سنتحدث عنها في التعليق التالي إن شاء الله-، ولكن النقول التي أوردها الدكتور "بكر أبو زيد"، والقصص التي لا تُحصى التي ذكرها المؤرخون لا يمكن اعتبارها حالات فردية، ولا يمكن بحال أن تقارَن الأخطاء التي يقع فيها بعض الجهال أو الصغار في كثير مِن الكيانات والأنشطة بخطأ يقع فيه علماء كبار يشار إليهم بالبنان، ويتتابع عليه طلبتهم على مدى أزمان.

وثمة كارثة أخرى هي فرع على هذه، وقد بيَّنها العلامة "الشنقيطي" حيث قال بعد كلامه السابق: "وَسَبَبُ تِلْكَ الدَّعْوَى الشَّنِيعَةِ عَلَى ظَوَاهِرِ كِتَابِ اللَّهِ، وَسُنَّةِ رَسُولِهِ، هُوَ عَدَمُ مَعْرِفَةِ مُدَّعِيهَا. وَلِأَجْلِ هَذِهِ الْبَلِيَّةِ الْعُظْمَى، وَالطَّامَّةِ الْكُبْرَى، زَعَمَ كَثِيرٌ مِنَ النُّظَّارِ الَّذِينَ عِنْدَهُمْ فَهْمٌ، أَنَّ ظَوَاهِرَ آيَاتِ الصِّفَاتِ وَأَحَادِيثَهَا غَيْرُ لَائِقَةٍ بِاللَّهِ، لِأَنَّ ظَوَاهِرَهَا الْمُتَبَادِرَةَ مِنْهَا هُوَ تَشْبِيهُ صِفَاتِ اللَّهِ بِصِفَاتِ خَلْقِهِ".

ومِن هنا تعلم مدى الارتباط الوثيق بين بدعة التقليد وبين سائر البدع؛ لأن بدعة التقليد تضعف سلطان النص في القلوب وتعظم آراء الرجال فتسهل المخالفة، والتقليد له دور في كل أنواع الانحرافات إما بطريقة مباشرة أو على الأقل بأنها تمنع مِن ابتلي بالبدعة والانحراف مِن الرجوع عنها؛ إذ أن كل طائفة تعظم علماءها ومنظـِّريها، ولا يمكنك أن تدعو أحدًا إلى ترك بدعة عقدية أو عملية إلا بأن تدعوه إلى خلع ربقة التقليد حتى تستطيع دعوته إلى الحق، وذلك كان هذا هو حجر الزاوية في كل الدعوات الإصلاحية، حتى حركة "الغزالي" -رحمه الله- في محاربة الباطنية والفلاسفة كان عنوانها البرهان وذم التقليد، ويا ليته استكمل المسيرة فيما يتعلق بعلم الكلام، ولكن هذا لم يتم له إلا على فراش الموت.

والحركة التجديدية لشيخ الإسلام "ابن تيمية" كان محاربة التقليد هو أهم مبادئها مع كونه منتسبًا انتسابًا عامًّا لمذهب الحنابلة.

وحركة شيخ الإسلام "محمد بن عبد الوهاب" كان مِن أهم ما نادت به ترك التقليد، ومِن خلاله اجتثت بدع القبورية.

وكان الشيخ وتلامذته حنابلة في الفروع، ولكن كانت طريقتهم في تدريس الفقه ليست فقط بعيدة عن التعصب، ولكنها أقرب إلى طرق المتقدمين منها إلى طرق المتأخرين، وسنخصص لها مقالة مستقلة في هذه السلسلة -بإذن الله-.

والصحوة الإسلامية المعاصرة ما استطاعت أن تواجه الغزو الفكري والتغريب وأصحاب مدرسة تتبع الرخص وأصحاب المناهج البدعية، بل ولم تتمكن مِن محاصرة بدع الغلو في التكفير وغيرها إلا مِن خلال محاربة التقليد؛ وبدون محاربة ذلك الداء يبقى كلٌ يكرر أقوالاً متبوعة، ولا يمكن قط أن تقنع أحدًا بحجةٍ أو تنقذ متلبسًا ببدعة إلا إذا أقنعتَ خصمك بالتحاكم إلى الكتاب والسُّنة بفهم سلف الأمة، بل وتحتاج إلى أن تقيم له الحجة مِن القرآن على حجية السُّنة، ثم تقيم له الحجة منهما على حجية لزوم منهج السلف، ثم تبيِّن له منهج السلف واتباعهم في المسألة المتنازع فيها.

وبعد أن مَنَّ الله على الصحوة الإسلامية بشيوع قضية تعظيم الدليل حتى صار جمهور الناس يطلبون ممن يفتيهم أن يذكر دليله وحتى أصبح الكثيرون منهم يدرك بقليل مِن الجهد والبيان مدارك الأدلة؛ فإذا بنا نفاجئ ببعض مَن ينتسب إلى السُّنة يريد إحياء التقليد المذموم والتعصب المذهبي، وقد نبَّه عليهم الدكتور "بكر أبو زيد" في كتابه "التعالم" فقال: "ومِن أقبح تناقضهم -والحمد لله على عصرٍ زادُ التناقضِ فيه نافقٌ- أن يتعلق بالسُّنة وعلومها متعلـِّق، وهو عاضٌ على نواقضها: من الخَلْفية في الاعتقاد، والعصبية المذهبية ونصب العِداء للسلفيين، وحرْبٍ عوانٍ على السلفية".

(بالطبع يوجد مَن ينتسب إلى السُّنة وينتسب إلى المذاهب بطريقة سُنية، والتعميم مرفوض، وآفة كثير مِن المناقشات أن مَن يختلف معك في مسألة يظن أنك لا يمكن أن تكتب نقدًا إلا وهو موجه إليه، وأنا أؤكد بالذات في هذه الجزئية لحساسيتها؛ أن هذا الوصف متوجه إلى فئة خلفية الاعتقاد متعصبة لمذاهبهم الفقهية، وإن كان وجودهم ورواج سوقهم وانتساب بعضهم للسلفية كما يصف الدكتور بكر أبو زيد يؤكد أن على السلفيين لا سيما إذا أرادوا الانتفاع بشيء مما عند هذه المدارس أن يحذروا غاية الحذر، ولا يمنوا أنفسهم بأن الأمور على ما يرام).

فائدة: مع أنها ليست  صلب الموضوع و لكنها لطيفة طُرحت؛ فأردت أن أنبِّه عليها وهي:

هل بيْن "المذهبية" وبيْن "العمل الجماعي" تشابه؟

بالتأكيد نعم يوجد تشابه في أن كلاً منهما وُجدت في تنظيره وفي ممارسته أخطاء مِن كثير ممن يقول بهما، كما أن البعض قد عمم هذه الأخطاء فمنع مِن كل الصور!

وقد تناظرت الأخطاء؛ فالقول بوجوب اتباع مذهب معين والذي بلغ إلى حد اعتبار الآخرين في حكم أهل الذمة يقابله في العمل الجماعي قول الجماعات الغالية التي تزعم نفسها جماعة المسلمين!

والمبالغة في الانتصار للمذهب وتحقير مَن عداه مِن المذاهب يقابله قول بعض الجماعات أنها الجماعة الأم!

ولا يدخل في الأخطاء محبة المتمذهب السني لإمامه مع حبه لسائر الأئمة، ومع رفع شعار: "شيخ الإسلام حبيب إلينا، والحق أحب إلينا منه"، وما يقابلها في العمل الجماعي، وهي مما يجب احتماله طالما بقي في هذا الإطار.

وقد قام علماء السنة بنقد مظاهر الانحراف في القضيتين.

وممن بالغ في نقد مظاهر الانحراف في هاتين القضيتين العلامة "الألباني" -رحمه الله-، والذي بالغ في محاربة التعصب المذهبي حتى نسبوا له القول بحرمة التمذهب بينما هو لا يقول بذلك، وقد خدم المذهب الحنبلي خدمة جليلة بتحقيقه لكتاب "منار السبيل".

وبالغ في التحذير مِن الحزبية والعصبية حتى نُسب له القول بتحريم العمل الجماعي بينما هو يحرِّم العصبية، ويقول بمشروعية العمل الجماعي.

وبالغ الدكتور "بكر أبو زيد" في نقد المذهبية وأباحها بضوابط بشرط الحث على فقه الدليل -كما بينا في تلك المقالة-.

وكتبَ في نقد الانتماء للجماعات حتى طار البعض بهذا مع أنه يقول في ذات الكتاب أن هذا مقيد بالبلاد التي تحكم بالشريعة، والتي غالب علمائها وعوامها على السُّنة، وأما غيرها مِن البلاد فقسمها إلى درجتين أُخرتين: البلاد التي أهلها مسلمون، والمسلمون الذين يعيشون في بلاد الكفر، ونصح هذين الصنفين بأنواع مِن التعاون.

وقد بينا مواقف شيخ الإسلام "ابن تيمية" وشيخ الإسلام "محمد بن عبد الوهاب" والعلماء المعاصرين: ابن باز، وابن عثيمين، والألباني، وبكر أبو زيد في سلسلة "تبصير الداعي بمشروعية العمل الجماعي". والحمد لله رب العالمين.

(4) اُطلق مصطلح أصحاب الحديث على الأئمة الثلاثة: مالك والشافعي وأحمد، وفي قضية المذاهب على وجه الخصوص يُعنى به طائفة مِن علماء الحديث لم ينتموا إلى مذهب بعينه، وبيَّن شيخ الإسلام "ابن تيمية" ذلك في جوابه على السؤال التالي (مجموع الفتاوى20-39): "سُئِلَ أَيْضًا -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: هَلْ الْبُخَارِيُّ؛ وَمُسْلِمٌ؛ وَأَبُو دَاوُد؛ وَالتِّرْمِذِي؛ وَالنَّسَائِي؛ وَابْنُ مَاجَه؛ وَأَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِى؛ وَالدَّارِمِي وَالْبَزَّارُ؛ وَالدَّارَقُطْنِي؛ وَالْبَيْهَقِي؛ وَابْنُ خُزَيْمَة؛ وَأَبُو يَعْلَى الْمُوصِلِيُّ هَلْ كَانَ هَؤُلَاءِ مُجْتَهِدِينَ لَمْ يُقَلِّدُوا أَحَدًا مِنْ الْأَئِمَّةِ؛ أَمْ كَانُوا مُقَلِّدِينَ؟ وَهَلْ كَانَ مِنْ هَؤُلَاءِ أَحَدٌ يَنْتَسِبُ إلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ؟ وفي السؤال تفاصيل أخر...

فَأَجَابَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، أَمَّا الْبُخَارِيُّ؛ وَأَبُو دَاوُد فَإِمَامَانِ فِي الْفِقْهِ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ. وَأَمَّا مُسْلِمٌ؛ وَالتِّرْمِذِي؛ وَالنَّسَائِي؛ وَابْنُ مَاجَه؛ وَابْنُ خُزَيْمَة؛ وَأَبُو يَعْلَى؛ وَالْبَزَّارُ؛ وَنَحْوُهُمْ؛ فَهُمْ عَلَى مَذْهَبِ أَهْلِ الْحَدِيثِ لَيْسُوا مُقَلِّدِينَ لِوَاحِدِ بِعَيْنِهِ مِنْ الْعُلَمَاءِ، وَلَا هُمْ مِنْ الْأَئِمَّةِ الْمُجْتَهِدِينَ عَلَى الْإِطْلَاقِ، بَلْ هُمْ يَمِيلُونَ إلَى قَوْلِ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ كَالشَّافِعِيِّ؛ وَأَحْمَد؛ وَإِسْحَاقَ وَأَبِي عُبَيْدٍ؛ وَأَمْثَالِهِمْ. وَمِنْهُمْ مَنْ لَهُ اخْتِصَاصٌ بِبَعْضِ الْأَئِمَّةِ كَاخْتِصَاصِ أَبِي دَاوُد وَنَحْوِهِ بِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَهُمْ إلَى مَذَاهِبِ أَهْلِ الْحِجَازِ -كَمَالِكِ وَأَمْثَالِهِ- أَمْيَلُ مِنْهُمْ إلَى مَذَاهِبِ أَهْلِ الْعِرَاقِ -كَأَبِي حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيِّ-. وَأَمَّا أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِى فَأَقْدَمُ مِنْ هَؤُلَاءِ كُلِّهِمْ مِنْ طَبَقَةِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ؛ وَيَزِيدَ بْنِ هَارُونَ الواسطي؛ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ دَاوُد. وَوَكِيعِ بْنِ الْجَرَّاحِ؛ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ إدْرِيسَ؛ وَمُعَاذِ بْنِ مُعَاذٍ؛ وَحَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ؛ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ؛ وَأَمْثَالِ هَؤُلَاءِ مِنْ طَبَقَةِ شُيُوخِ الْإِمَامِ أَحْمَد. وَهَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ يُعَظِّمُونَ السُّنَّةَ وَالْحَدِيثَ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمِيلُ إلَى مَذْهَبِ الْعِرَاقِيِّينَ كَأَبِي حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيِّ وَنَحْوِهِمَا كَوَكِيعِ؛ وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمِيلُ إلَى مَذْهَبِ الْمَدَنِيِّينَ: مَالِكٌ وَنَحْوُهُ كَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ. وَأَمَّا البيهقي فَكَانَ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ؛ مُنْتَصِرًا لَهُ فِي عَامَّةِ أَقْوَالِهِ. وَالدَّارَقُطْنِي هُوَ أَيْضًا يَمِيلُ إلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَأَئِمَّةِ السَّنَدِ وَالْحَدِيثِ لَكِنْ لَيْسَ هُوَ فِي تَقْلِيدِ الشَّافِعِيِّ كالبيهقي مَعَ أَنَّ البيهقي لَهُ اجْتِهَادٌ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْمَسَائِلِ وَاجْتِهَادُ الدارقطني أَقْوَى مِنْهُ؛ فَإِنَّهُ كَانَ أَعْلَمَ وَأَفْقَهَ مِنْهُ... ثم أجاب عن باقي الجزئيات".

وفي هذا رد على مَن يزعم أن علماء الأمة منذ زمن الأئمة كانوا كلهم متمذهبين، وأنت ترى أن مِن الأئمة مَن لم يكن متمذهبًا، ومنهم مَن كان ينسب إلى مذهب لقرب طريقته مِن طريقتهم، وإن كان في حقيقته مجتهدًا مطلقًا، ومنهم مَن كان متمذهبًا، ولكن في الإطار الصحيح للتمذهب.

هذا وقد نشأت مدرسة جديدة أرادت إحياء مدرسة أصحاب الحديث الأولى في دراسة الفقه بدون الالتزام بمذهب معين، وبالاعتماد بشكل أساسي على شروح كتب الحديث، وهي تجربة كان لها الكثير مِن الفوائد لولا تأثر روادها: (الصنعاني - الشوكاني - صديق حسن خان - الألباني) بفقه الظاهر، ومع هذا نفع الله بها وبمحاربتها للتقليد حتى عدَّ الأستاذ "محمود شاكر" في رسالة: "الطريق إلى ثقافتنا" أن "الشوكاني" عَلَم مِن أعلام النهضة الإسلامية جنبًا إلى جنب مع "محمد بن عبد الوهاب"؛ لا سيما في جانب محاربته للتقليد، وهو في هذا الباب قد ضرب مثالاً عظيمًا للتجرد حينما ترك مذهبه الزيدي وانتصر لمذهب السلف في العقيدة.

ومما قاله العلامة "محمود شاكر" في معرض ذكر أعلام النهضة الإسلامية: "وهبَّ الشوكاني الزيدي الشيعي محييًا عقيدة السلف، وحرَّم التقليد في الدين، وحطم الفرقة والتنابذ الذي أدى إليه اختلاف الفرق بالعصبية".

ومِن ضمن سلسلتنا تلك سيكون هناك -إن شاء الله- مقال عن المدارس الفقهية الرئيسية الثلاث: "أصحاب الرأي - أصحاب الحديث (مالك والشافعي وأحمد) - أهل الظاهر"؛ بالإضافة إلى مدرسة أصحاب الحديث غير المتمذهبين قديمًا وحديثًا، والتأثير والتأثر المتبادل بينهم وبيْن أهل الظاهر.

ولعل هذا العرض يوصلنا إلى قواعد ضابطة عن اختيار منهج للدراسة الفقهية نذكرها هنا في غاية الاختصار على أن نفرد لها مقالة خاصة -بإذن الله تعالى-.

فنقرر الآتي:

- طالما بقي الأصل: "الرجوع إلى الكتاب والسُّنة بفهم سلف الأمة"، وأصل: "إذا صح الحديث فهو مذهبي"، وأصل: "لا يحل لأحدٍ استبانت له سنة النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يدعها لقول أحدٍ مِن الناس" - تبقى طرق الدراسة والمذاكرة متنوعة، ولكل منها فوائد ليست للأخرى، تقابلها محاذير ليست في الأخرى، وينبغي للدعوات الشاملة أن تكون عندها مناهج دراسية متنوعة تناسِب مختلف الهمم والاستعدادات، وينبغي متى اختيرت طريقة طلبًا لفوائدها أن نحتاط مِن محاذيرها؛ لا سيما إذا كانت قد سَبقتْ تجارب مماثلة، ووُجدت تلك المحاذير.

إذا درسنا مِن كتب المذاهب: فلا بد مِن التأكيد على ذم التقليد، وترك الفرصة لمن يستطيع مطالعة كتب الخلاف والفقه المقارن للاطلاع والفهم، وتعظيم الدليل؛ طالما كان محصورًا في أقوال العلماء المعتبرين.

قال الشيخ "حمد بن ناصر بن معمر" مِن كبار علماء الدعوة الوهابية: "وقول السائل، وفقه الله: هل يلزم المبتدئين المتعلمين الترقي إلى معرفة الدليل، الناص على كل مسألة؟

جوابه: يعلم مما تقدَّم، وهو أن عليه أن يتقي الله بحسب استطاعته، فيلزمه مِن ذلك ما يمكنه، ويسقط عنه ما يعجز عنه و(لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا) (البقرة:286)؛ فلا يهجم على التقليد، ويخلد إلى أرضه مع قدرته على معرفة الدليل؛ لا سيما إذا كان قاضيًا أو مفتيًا، وله ملكة قوية يقوى بها على الاستدلال ومعرفة الراجح، فإن الرجل النبيه الذي له فهم وفيه ذكاء إذا سمع اختلاف العلماء وأدلتهم في الكُتب التي يُذكر فيها أقوال العلماء وأدلتهم: كالمغنى، والشرح، والتمهيد لابن عبد البر، ونحو هذه الكتب، يحصل عنده في الغالب ما يعرف به رجحان أحد القولين؛ فإذا كان طالب العلم متمذهبًا بأحد المذاهب الأربعة، ثم رأى دليلاً مخالفًا لمذهب إمامه، وذلك الدليل قد أخذ به بعض أئمة المذاهب ولم يعلم له ناسخًا، ولا معارضًا، فخالف مذهبه واتبع الإمام الذي قد أخذ بالدليل، كان مصيبًا في ذلك; بل هذا الواجب عليه، ولم يخرج بذلك عن التقليد، فهو مقلد لذلك الإمام، فيجعل إمامًا بإزاء إمام، ويبقى له الدليل بلا معارض" (الدرر السنية 4-37).

وأما إذا درس مِن كتب أدلة الأحكام فلا بد وأن يراعي حاجة الطالب إلى قراءة متن ولو كان مختصرًا في كل باب قبْل دراسته أو معه يبني له معالم الباب، وينبغي أن ينتبه لا سيما الدارس مِن كتابي: "سبل السلام، ونيل الأوطار"، للصنعاني والشوكاني أنهما كثيرا المخالفة للجمهور، وغالب خلافهم للجمهور يرجع إلى موافقتهم لأصول أهل الظاهر في بعض الأمور، ومما يَسَّر هذا على الدارس أنهما لا يكتمان هذا، بل يصرِّحان.

وتبقى مسألة في غاية الأهمية في كل العلوم تقريبًا "وفي الفقه خصوصًا"، وهي: أن دور المدرس وأهليته وسلامة أصوله، وضبطه لمسائل الاجتهاد والتقليد والاتباع، يمكِّنه -بإذن الله- مِن مساعدة الطالب على تجاوز أي مشكلة في الكتاب الذي بين يديه، على أن الصور لا تنحصر في هاتين الصورتين، وثمة اختيارات أخرى كثيرة مركبة منهما أو متفرعة عليهما نتناولها في مقالة خاصة -بإذن الله تعالى-.