الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ ياسر برهامي
الإثنين 28 سبتمبر 2026 - 17 ربيع الثاني 1448هـ

ثغرة الدفرسوار طبقًا لمذكرات المشير الجمسي (1-2)

كتبه/ علاء بكر

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

يُعَدُّ المشير الجمسي هو الرجل الثالث المسؤول في الجيش المصري في حرب السادس من أكتوبر 1973م (العاشر من رمضان 1393هـ)؛ إذ كان يشغل منصب رئيس هيئة عمليات القوات المسلحة. وقد تناول الجمسي في مذكراته عن حرب أكتوبر قصة ثغرة الدفرسوار، وهي الثغرة التي بالغت إسرائيل في التهويل من شأنها كانتصار لها في الحرب، وعلى منوالها سار الإعلام الغربي، بينما لم يتناول الإعلام المصري هذه الثغرة التناول الواجب لبيان حقيقة الثغرة ما لها وما عليها، والذي لا يجعلها في نهاية الأمر على ما صورته إسرائيل والإعلام الغربي. وهنا تُعَدُّ شهادة الجمسي شهادة لها وزنها وأهميتها أمام المتخصصين في كتابة التاريخ.

- تخرَّج المشير محمد عبد الغني الجمسي من الكلية الحربية في نوفمبر عام 1939م، وحصل على إجازة كلية القيادة والأركان عام 1951م، وإجازة أكاديمية ناصر العسكرية العليا عام 1966م، ورُقِّيَ إلى رتبة فريق عام 1973م، ثم إلى رتبة مشير في عام 1980م.

وقد تقلَّد العديد من الوظائف الرئيسية، حيث عُيِّن قائد لواء مدرع عام 1959م، ثم عُيِّن قائد مدرسة المدرعات عام 1961م، ثم رئيسًا لعمليات القوات البرية عام 1966م، ثم رئيسًا لأركان جبهة القناة عام 1967م، ثم رئيسًا لهيئة تدريب القوات المسلحة عام 1973م، ثم رئيسًا لهيئة عمليات القوات المسلحة عام 1972م، ثم رئيسًا لأركان حرب القوات المسلحة عام 1973م، ثم وزيرًا للحربية وقائدًا عامًّا للقوات المسلحة عام 1974م، ثم نائبًا لرئيس الوزراء ووزيرًا للحربية والإنتاج الحربي والقائد العام للقوات المسلحة عام 1975م. بعد ذلك عُيِّن مستشارًا عسكريًّا لرئيس الجمهورية عام 1978م. وفي نوفمبر 1980م أُحِيل للتقاعد بناءً على طلبه. وخلال تلك الفترة شارك في حرب العدوان الثلاثي عام 1956م وحرب يونيو 1967م، إلى جانب دوره في حرب السادس من أكتوبر 1973م.

- وقد عُيِّن رئيسًا للوفد العسكري المصري في مباحثات الكيلو 101 مع إسرائيل، كما تولى رئاسة الوفد العسكري المصري في المفاوضات العسكرية المصرية الإسرائيلية. وقد حصل خلال تاريخه الطويل على 24 نوطًا وميداليةً، ووسامًا من مصر والدول العربية والأجنبية.

حاجة إسرائيل لتحسين صورتها:

لما نجحت القوات المصرية في الفترة من 6 أكتوبر إلى يوم 14 أكتوبر في تحقيق إنجاز تاريخي كبير، اقتحمت خلاله مانع قناة السويس، وأسقطت خط بارليف المنيع، وتصدت لمحاولات القوات الإسرائيلية لصد أو رد القوات المصرية التي عبرت القناة وتوغلت في سيناء بعمق 10 - 12 كيلومترًا، ومع طول مدة الحرب وفَقْد إسرائيل لتوازنها عسكريًّا، وتزايد الخسائر الإسرائيلية يومًا بعد يوم، بدأت القيادات الإسرائيلية تستميت للقيام بمغامرة عسكرية تعيد الثقة لجيشها، خاصة قبل صدور قرار متوقع بوقف القتال من خلال مبادرة تتقدم بها القوتان العُظْمَيَان: أمريكا والاتحاد السوفيتي.

- روى الجمسي في مذكراته: أن أمريكا كان يهمها أن تحقق إسرائيل نجاحًا في معركة من معارك الحرب قبل الشروع في إصدار قرار بوقف إطلاق النار؛ لأن هزيمة إسرائيل تعني هزيمة سياسية لأمريكا في الشرق الأوسط بحسم السلاح السوفيتي لنتيجة هذه الحرب، كما أن نجاح إسرائيل في إحدى المعارك قبل وقف القتال يُعْطِي لأمريكا ورقة للمساومة بها سياسيًّا في أي مفاوضات سياسية عقب الحرب.

- كانت الأسلحة الأمريكية تُنْقَل بصورة عاجلة عبر جسر جوي أمريكي بطائرات نقل عسكرية لتعويض إسرائيل عن خسائرها في المعدات. بدأ الجسر من يوم 14 أكتوبر بعد تقييم خبراء البنتاجون للموقف وبعد الاستطلاع الجوي الأمريكي. وكان هذا يوجب على إسرائيل أن تثبت لأمريكا قدرتها على العمل العسكري بعد هذه المساعدات حفاظًا على دور إسرائيل في خدمة السياسة الأمريكية في المنطقة.

- لما قامت القوات المصرية بتطوير الهجوم في سيناء شرقًا في اتجاه المضايق كانت القوة الرئيسية التي تغيرت أوضاعها هي الفرقة 21 مدرعة (من قطاع الجيش الثاني)، والتي انتقلت من غرب القناة إلى شرق القناة في منطقة الدفرسوار على المحور الأوسط في سيناء استعدادًا للهجوم، بينما تُمُسِّك بالفرقة 23 الميكانيكية ولواء مظلات ومجموعة صاعقة في احتياطي الجيش في الجانب الغربي للقناة. أما الجيش الثالث فقد استخدم لواءً مدرعًا واحدًا من الفرقة 4 المدرعة للاشتراك في تطوير الهجوم، وظلت باقي الفرقة 4 المدرعة في الاحتياطي بالجانب الغربي للقناة؛ إذ لم يكن من الممكن في هذا الهجوم استخدام الألوية المدرعة الأربعة الموزعة التي تقوم بتأمين رؤوس الكباري الخمسة والمحافظة عليها سليمة. كما انتقلت بعض كتائب صواريخ الدفاع الجوي إلى شرق القناة لزيادة مدى وعمق نطاق تدميرها.

وهنا فإن الاستطلاع الجوي الأمريكي الذي نُفِّذ يوم 13 أكتوبر قد رصد الوضع الجديد للفرقة 21 مدرعة خاصة وأوضاع باقي القوات في سيناء. وكان نتيجة وصول نتائج هذا الاستطلاع لإسرائيل أنها استعدت لمواجهة الهجوم المصري فلم يحقق الهدف منه.

بداية سعي العدو لعمل الثغرة:

كان القتال يدور بشدة في جبهة القناة في قطاع الجيش الثاني حتى يوم 15 أكتوبر، ركز فيها العدو الإسرائيلي على ضوء معلوماته ونتائج الاستطلاع الجوي على القيام بهجوم ضد الجانب الأيمن للجيش الثاني حيث منطقة الدفرسوار شرق القناة، لعمل اختراق تصل فيه بعض قواته المدرعة إلى الضفة الغربية للقناة.

(كان للعدو فرقتان مدرعتان تعملان في ميدان المعركة الرئيسي شرق الدفرسوار، بينما كان له قوات أخرى تعمل على باقي مواجهة الجيش الثاني ومواجهة الجيش الثالث. كانت الفرقتان المدرعتان بقيادة كل من الجنرال شارون والجنرال آدان، وتتكون كل فرقة من ثلاثة ألوية دبابات (حوالي 350 دبابة في الفرقة الواحدة)، ولواء مظلي محمل على عربات مجنزرة أو مشاة ميكانيكية والأسلحة المعاونة. وكانت الفرقتان -وهما قوات المجهود الرئيسي للعدو- تواجهان الفرقة (16) مشاة يدعمها لواء مدرع ويقودها العميد عبد رب النبي حافظ -الجانب الأيمن للجيش- وكذا الفرقة (21) مدرعة التي يقودها العميد إبراهيم العرابي، وهي الفرقة التي دخلت معركة الدبابات في اليوم السابق (14 أكتوبر)، واستمرت في القتال حتى يوم 15 أكتوبر بعد أن تكبدت من الخسائر عددًا كبيرًا من دباباتها) (راجع: مذكرات حرب أكتوبر، مذكرات الجمسي - ط. دار بحوث الشرق الأوسط الأمريكية - سان فرانسيسكو - ط. 2012، ص 393- 394).

يوم 15 أكتوبر:

كانت فرقة شارون مخططًا لها أن تقوم بالهجوم على الجانب الأيمن للجيش الثاني وقد كُلِّفَت بعمل (رأس كوبري) في منطقة الدفرسوار مع تأمين ممر صحراوي عرضه ميلان ونصف جنوب الدفرسوار وشمال البحيرات المرة شرق القناة، وأيضًا الاستيلاء على (المزرعة الصينية) شرق القناة، ومنها يمكن عمل قاعدة شرق القناة لإقامة معبر وإنشاء رأس كوبري تعبر من خلاله فرقة آدان إلى الضفة الشرقية للقناة.

وكان مخططًا أن تتحرك كتيبة دبابات للعدو ومعها معدات المعبر للوصول إلى الساحل الشرقي للقناة من خلال الممر الصحراوي الذي تُحْدِثه فرقة شارون وتقوم بتأمينه.

فشل المحاولة الأولى لإقامة المعبر وتسلل قوة مظلات وسرية دبابات:

قُوبِل هجوم فرقة شارون يوم 15 أكتوبر بقتال عنيد وعنيف من فرقة 16 بقيادة عبد رب النبي مما جعل تقدم العدو محدودًا وبطيئًا، برغم تَمَكُّن العدو من عمل اختراق في مواقع من الجانب الأيمن للفرقة.

وقد قاتلت قوات الجانب الأيمن للجيش الثاني بلا هوادة بمعاونة مدفعية الجيش الثاني، التي تمكنت بنيرانها من إغلاق الممر الصحراوي الذي خطط العدو للاستيلاء عليه وتأمينه حتى صباح اليوم التالي 16 أكتوبر، وبالتالي لم تتمكن معدات المعبر الإسرائيلي من الوصول إلى الساحل الشرقي للقناة عند الدفرسوار كما كان مقررًا. ولكن وتحت ستار هذا القتال الشديد المستمر تسللت قوة من لواء مظلات إسرائيلي ليلًا إلى الشاطئ الشرقي للقناة ليلة 15/ 16 أكتوبر، ومنها عبرت في قوارب إلى الشاطئ الغربي للقناة في منطقة الدفرسوار، ولحقت بها على عوامات سرية دبابات. وقد اختفت قوة المظلات وقوة الدبابات في منطقة الأشجار الكثيفة العالية في هذه المنطقة لتأمين إنشاء المعبر كما كان مُقَدَّرًا.

ونتيجة لقتال قوات الجيش الثاني الذي ترتب عليه منع مرور معدات المعبر الإسرائيلي تجاه القناة أصبحت المفرزة الإسرائيلية التي عبرت القناة إلى الدفرسوار غرب القناة معزولة، مما يعني فشل محاولة العبور الأولى للعدو التي قام بها شارون لإنشاء معبر ليلة 15/ 16 أكتوبر حتى الصباح، نتيجة المقاومة الشديدة التي أبدتها قوات الفرقة 16 مشاة.

خطورة الموقف:

كتب موشى دايان -وزير الدفاع الإسرائيلي في حرب أكتوبر 1973- في مذكراته عن هذا الموقف الخطير الذي تعرض له الجيش الإسرائيلي يقول: (في الساعة السادسة والربع صباحًا -يوم 16 أكتوبر- اتصلت برئيسة الوزراء، وأبلغتها بالأخبار السيئة: لم نتمكن من إقامة الجسور. الطريق أغلقته الوحدات المصرية التي تحتل القطاع الشمالي للضفة الشرقية، والتي تقدمت جنوبًا ووصلت إلى الطريق، ودقت إسفينًا يعزل رأس الجسر الذي أقمناه. وإننا نأمل في صدهم ونقل الجسور إلى الماء وتركيبها أثناء النهار). وقد أثار عزل المصريين لقوات الطليعة الإسرائيلية جدلًا كبيرًا وخوفًا في اجتماع الوزارة الإسرائيلية بقيادة رئيسة الوزراء.

وبالنسبة للفرقة 16 مشاة المصرية فقد مرت عليها ليلة 15/ 16 أكتوبر كأشد الليالي للخسائر التي تكبدتها، وقد ضحى مقاتلوها بكل احترام وتقدير بأرواحهم بشجاعة وإصرار في مواجهة العدو.

معركة المزرعة الصينية:

تصاعد القتال يوم 16 أكتوبر خاصة في ميدان المعركة الرئيسي شرق الدفرسوار في سيناء. وفي منطقة المزرعة الصينية -وهي مزرعة للتجارب أقامتها وزارة الزراعة المصرية منذ زمن طويل شمال شرق الدفرسوار- اضطرت القيادة الإسرائيلية إلى إقحام فرقة مدرعة جديدة -فرقة آدان- في المعركة لفتح ممر شمال البحيرات المرة خلف قوات شارون، حتى يمكن توصيل معدات المعبر إلى الضفة الشرقية للقناة بعد فشل شارون في تنفيذ هذه المهمة.

وقد اشتبكت الفرقة 16 بقيادة عبد رب النبي مع فرقة آدان، حيث دارت معركة المزرعة الصينية، وهي من أشد المعارك ضراوة خلال فترة فتح الثغرة، حيث تكبدت فيها قوات الطرفين خسائر كبيرة في الأرواح والمعدات. وقد تمكنت فرقة عبد رب النبي من منع فرقة آدان من التقدم في اتجاه القناة لفتح الممر، مما اضطر معه القيادة الإسرائيلية إلى نقل لواء مظلات من جنوب سيناء بالطائرات للاشتراك في معركة المزرعة الصينية لحسم المعركة لصالحهم، ولكن خسائر فادحة لحقت بلواء المظلات؛ الأمر الذي أرغم الدبابات الإسرائيلية على التدخل لتخليص جنود المظلات.

كانت الوحدات المصرية صامدة تمامًا، وتطلق نيرانًا قوية ودقيقة مضادة للدبابات على أي مدرعة إسرائيلية تحاول الاقتراب منها، وأخذ عدد الدبابات الإسرائيلية المصابة في الازدياد. وعند اقتراب مساء اليوم كان واضحًا أن القوات الإسرائيلية غير قادرة على زحزحة المصريين أو طردهم، وأنها لن تستطيع بذلك فتح الطريق المطلوب لتوصيل معدات المعبر إلى ضفة القناة.

وخلال ذلك تمكن الجنرال آدان من تحريك الطوافات العائمة التي وصلت إلى خط المياه حيث أُقِيم المعبر يوم 17 أكتوبر.

خطأ في التقدير:

كان تقدير اللواء تيسير العقاد قائد الجيش الثاني بالنيابة -والذي تولى قيادة الجيش الثاني بالنيابة بعد أن تدهورت الحالة الصحية للواء سعد الدين مأمون قائد الجيش الثاني بعد فشل تطوير الهجوم المصري، واللواء تيسير العقاد كان يشغل رئيس أركان الجيش- عبور عدد محدود من الدبابات الإسرائيلية خلال ليلة 15/ 16 أكتوبر، أي: أقل من العدد الذي تسرب فعليًّا إلى الضفة الغربية للقناة، كان البلاغ الأول الذي وصل إلى مركز عمليات القوات المسلحة صباح يوم 16 أكتوبر أن العدد من 7 إلى 10 (سرية دبابات) معادية، ولكن الحقيقة أن عدد دبابات العدو الذي اشترك في قتال صباح يوم 16 أكتوبر في غرب القناة كان حوالي 30 دبابة (كتيبة دبابات).

قال الجمسي: (كان في مركز عمليات القوات المسلحة الفريق سعد الدين الشاذلي رئيس الأركان وأنا، عندما وصلنا أول بلاغ من قيادة الجيش الثاني عن ظهور حوالي سبع دبابات إسرائيلية في منطقة الدفرسوار غرب القناة. وكان بلاغًا مزعجًا لنا. كيف تم ذلك؟ ومتى؟ وبالاتصال السريع مع اللواء تيسير العقاد قائد الجيش الثاني بالنيابة ومناقشته في هذا الموضوع، كان في تقدير اللواء العقاد أن هذا العدد الصغير من الدبابات المعادية قد تسرب إلى الغرب تحت ضغط القتال الدائر في شرق القناة على الجنب الأيمن للجيش. وكان في تقديره أيضًا أن القضاء على هذه الدبابات سيتم بسرعة. وقد ثبت فيما بعد أن العدو كان لديه في غرب القناة بمنطقة الدفرسوار في ذلك الوقت حوالي ثلاثين دبابة (كتيبة دبابات). ومن هنا بدأ الخطأ في تقدير الموقف على ضوء معلومات غير دقيقة عن حجم القوة المعادية. لم يكن الأمر سهلًا أمامنا في القيادة العامة. ونظرًا لخطورته تقرر رفع درجة استعداد اللواء 23 الموجود في شرق القاهرة ضمن احتياطي القيادة العامة، وإنذاره بالتحرك إلى الجبهة في قطاع الجيش الثاني لمعاونة الجيش في القضاء على القوة الإسرائيلية المتسللة) (المصدر السابق، 397- 398).

تقرر تعيين اللواء عبد المنعم خليل من القاهرة قائدًا للجيش الثاني حتى يتفرغ اللواء تيسير لعمله رئيسًا للأركان، وقد كان اللواء عبد المنعم خليل قائدًا لنفس الجيش في وقت سابق قبل الحرب. اسْتُدْعِيَ اللواء عبد المنعم إلى مركز العمليات وأُطلِع على الموقف. تضمن التلقين أن العدو تمكن من عمل اختراق في مواقع قوات الجانب الأيمن للجيش الثاني وقد تسربت بعض الدبابات ليلة 15/ 16 أكتوبر في حدود سبع دبابات أو أكثر إلى منطقة الدفرسوار غرب القناة، وأن الموقف يعتبر خطيرًا في هذه المنطقة. وذُكِر له أن أحد ألوية المشاة الميكانيكية من الفرقة 23 ميكانيكية المتمركزة في غرب القناة في احتياطي الجيش قد دُفِع لمواجهة قوة العدو غرب الدفرسوار، وأنه حدث اشتباك مع العدو قبل ظهر اليوم 16 أكتوبر إلا أن الموقف غير واضح في قطاع الاختراق.

خلال يوم 16 أكتوبر بدأت البلاغات تصل إلى القيادة العامة بأن عددًا من كتائب صواريخ الدفاع الجوي قد هاجمتها دبابات العدو وكانت كل مجموعة مكونة من حوالي 7 إلى 10 دبابات (سرية دبابات) تطلق نيرانها من مسافة حوالي كيلومتر على موقع الصواريخ ثم تنتقل بسرعة إلى موقع آخر. واتضح من سير القتال أن العدو كان يستخدم حوالي كتيبة دبابات -30 دبابة- لتنفيذ تلك المهمة. وبذلك أصبح الموقف مائعًا حيث تعذر على قيادة الجيش الثاني تحديد حجم القوة المعادية وأماكن تمركزها.

تحرك اللواء 23 مدرع من شرق القاهرة ليتمركز على طريق مصر الإسماعيلية الصحراوي قريبًا من منطقة الاختراق، وهو على استعداد للدخول في معركة ضد قوة دبابات العدو.

خلال ذلك تمكن العدو من دفع الجانب الأيمن للجيش الثاني لمسافة 2 - 3 كيلومترات شمالًا، ووصول بعض قواته إلى غرب القناة.

محاولة سد الثغرة من شرق القناة:

لمواجهة الموقف ومنع تدفق قوات العدو إلى غرب القناة كان قرار القائد العام مساء 16 أكتوبر بضرورة سد الثغرة في شرق القناة لمنع تدفق أي قوات معادية تالية، وعزل القوة الموجودة في الغرب واحتواءها لتدميرها.

يوم 17 أكتوبر:

لتنفيذ قرار القيادة تقرر أن تقوم الفرقة 21 مدرعة (الجيش الثاني) بدفع أحد ألويتها في اتجاه الجنوب، وفي نفس الوقت يقوم الجيش الثالث بدفع اللواء 25 مدرع في اتجاه الشمال، وبالتالي يمكن سد الثغرة من الشرق. وفي نفس الوقت يقوم لواء من الفرقة 23 ميكانيكية بالهجوم ضد قوة العدو التي عبرت إلى غرب القناة.

تعرض اللواء 25 مدرع أثناء تقدمه شمالًا من قطاع الجيش الثالث شرق البحيرات لقصف جوي شديد وهجوم مضاد على جانبه الأيمن من مدرعات العدو فتكبد خسائر كبيرة واضطر للتوقف، وبالتالي لم تُسَدّ الثغرة من الشرق.

ولتأمين ثغرة الدفرسوار في الشرق اضطر العدو إلى إقحام فرقة آدان ضد الجانب الأيمن للجيش الثاني، الذي دفع الجيش الثاني لمسافة 3 إلى 4 كيلومترات شمالًا. وبهذا تمكنت فرقة آدان من دفع وحدة الكباري، ومن إسقاط كوبري في القناة، وذلك تحت قصف مستمر من مدفعية الجيش الثاني.

وعليه أصبح للعدو في منطقة الدفرسوار غرب القناة من فرقة شارون كتيبتان من الدبابات، وكتيبتان من المظلات محملة على عربات مجنزرة.

قال موشى دايان في مذكراته عن حرب أكتوبر عن فرقة شارون بعد القتال الشديد الذي خاضته للوصول إلى الضفة الشرقية للقناة لتأمين إنشاء كوبري: (لقد حاربت فرقته ببسالة وتكبدت أبشع الخسائر، إذ استولى رجاله على رأس الجسر على الضفة الشرقية للقناة في معركة دبابات شرسة، تعرضوا فيها جميعًا لنيران العدو المهلكة المتواصلة... وفي هذه المعركة قُتِل أكثر من مائتي رجل، ففي لواء (...) قُتِل جميع قادة السرايا مرتين على التوالي، لقد قُتِل أولًا القادة الأصليون، ثم قُتِل بعد ذلك القادة الذين حلوا محلهم، أما القادة الحاليون فهم الصف الثالث في غضون أيام قليلة) (المصدر السابق (ص 400) نقلًا عن مذكرات دايان).

يوم 18 أكتوبر:

- استمر القتال في شرق وغرب القناة؛ إلا أن القتال في غرب القناة كان له الأولوية الأولى، بعد أن تمكن العدو من إنشاء كوبري في منطقة الدفرسوار وتأمينه، ومنه ازداد تدفق قوات العدو المدرعة غربًا، وأصبح للعدو المبادأة في القتال.

- اتجهت قوات شارون شمالًا في اتجاه مدينة الإسماعيلية، في محاولة لدخول المدينة لما لذلك من تأثير سياسي كبير، ويُعَدُّ تهديدًا لمؤخرة قوات الجيش الثاني، والذي تولى قيادته في ذلك الوقت اللواء عبد المنعم خليل. واجهت قوات الجيش هذا الهجوم باللواء 150 مظلات، وكتيبتين من الصاعقة، واللواء 15 مدرع، وأمكنها إيقاف تقدم فرقة شارون عند ترعة الإسماعيلية وحرمته من تحقيق هدفه العسكري السياسي.

- عبرت فرقة آدان المدرعة ليلة 17/ 18 أكتوبر القناة وأصبحت جاهزة للتقدم من رأس الكوبري جنوبًا في اتجاه مدينة السويس، بينما اتجهت بعض القوات الإسرائيلية غربًا وجنوبًا لتوسيع الثغرة غرب القناة.

- ركَّز العدو على تدمير قواعد صواريخ الدفاع الجوي غرب القناة حتى يتاح للسلاح الجوي الإسرائيلي العمل بحرية.

ومنذ مساء 18 أكتوبر، وقد أصبح لدى العدو فرقتان مدرعتان غرب القناة، كان لا بد أن تكون المعارك الرئيسية في المنطقة غرب الدفرسوار.

كان لدى قواتنا في الاحتياطي غرب القناة الفرقة 4 المدرعة، عدا لواء منها موجود شرق القناة في قطاع الجيش الثالث، والفرقة 23 ميكانيكية، وقوات مظلات وقوات صاعقة، واللواء 23 مدرع؛ لذا تقرر إعادة اللواء الموجود في الشرق لينضم إلى فرقته الرابعة مدرعة، وبذلك تصبح الفرقة كاملة في الغرب. أما في قطاع الجيش الثاني فلم يكن من الممكن إعادة الفرقة 21 مدرعة إلى الغرب لتصبح في الاحتياطي حيث إنها كانت مشتبكة في القتال في الشرق منذ يوم 14 أكتوبر.

- ونظرًا للتفوق البري والجوي الذي أصبح للعدو في غرب القناة كان من الضروري وضع الفرقة الرابعة المدرعة تحت القيادة العامة حتى يمكن استخدامها باعتبارها القوة الرئيسية إما في قطاع الجيش الثاني أو الثالث غرب القناة حسب تطور الموقف. وعلى ضوء هذه التطورات ولخطورة الموقف تقرر إيفاد الفريق الشاذلي لزيارة قيادة الجيش الثاني واتخاذ الإجراءات اللازمة للقضاء على قوة العدو، ومحاولة قفل الثغرة في شرق القناة، وهذه كلها أمور داخلة في قطاع الجيش الثاني.

وللحديث بقية -إن شاء الله-.